عبد الله محمد فال، كاتب رأي
في منطقة ساحلٍ كثيراً ما تُختزل أخبارها المؤسسية في القطائع الدستورية، تسير موريتانيا في اتجاه معاكس، أكثر هدوءاً وأشد صرامة: طريق البناء الصبور لدولة القانون. فمنذ وصوله إلى سدة الرئاسة سنة 2019، جعل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني من إصلاح العدالة علامة مميزة لمشروعه السياسي. وبعد سبع سنوات، ترسم المحطات المنجزة مساراً يستحق انسجامُه التنويه.
كانت نقطة الانطلاق تشخيصاً. ففي نوفمبر 2022، جمعت الأيام الوطنية التشاورية للعدالة في نواكشوط قضاةً ومحامين وجامعيين وممثلين عن المجتمع المدني لإجراء فحص صريح لقطاع أنهكته عقود من الإصلاحات غير المكتملة. وقد حدد رئيس الدولة الوجهة بعبارة ظلت راسخة في الأذهان: إصلاح العدالة «أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل أو التأخير». وحتى لا تنضاف هذه المشاورات إلى قائمة طويلة من الحوارات بلا غد، أُنشئت اللجنة العليا لإصلاح وتطوير العدالة، وكُلفت بتحويل التوصيات إلى قرارات.
وجاءت القرارات تباعاً. ففي أبريل 2023، مكّن إنشاء الوكالة القضائية للدولة البلادَ من أداة لا تتوفر عليها إلا قلة من دول المنطقة. تتولى هذه المؤسسة العمومية مركزة منازعات الدولة وتنسيق دفاعها أمام المحاكم الوطنية والدولية. ويتضمن مرسومها التأسيسي مقتضى يقول الكثير عن الطموح الرئاسي: فالوكالة مكلفة بـ«السهر على تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الدولة أو لصالحها». وهي صيغة ذات مدلول بالغ، إذ تكرّس فكرة أن دولة القانون تُعرف أولاً بقدرتها على تنفيذ الأحكام الصادرة ضدها. وبإدراج هذا المبدأ في قانونها الوضعي، وضعت موريتانيا لنفسها معياراً يقدّره المستثمرون والشركاء الدوليون حق قدره.
الخطوة الهيكلية الثانية هي إنشاء المعهد العالي للقضاء ومهن العدالة، الذي اعتمده مجلس الوزراء في مايو 2025 تطبيقاً مباشراً لمخرجات الأيام التشاورية للعدالة. وسيتولى المعهد التكوين الأساسي والمستمر للقضاة وكتاب الضبط والمحامين والموثقين والمفوضين القضائيين، مع مراعاة التطورات التشريعية وأخلاقيات المهن القضائية. وهو خيار ذو دلالة: فتكوين الكفاءات قبل إعلان المبادئ رهانٌ على أن استقلال القضاء مسألة كفاءة وأخلاق وثقافة مهنية قبل كل شيء. إنه استثمار طويل الأمد، وهو نقيض الإعلانات الاستعراضية.
ويتجلى المنهج الرئاسي أيضاً في المتابعة. ففي أواخر ديسمبر 2025، ترأس رئيس الجمهورية شخصياً اجتماع المجلس الأعلى للقضاء المخصص لحصيلة السنة ولخارطة طريق النصف الأول من سنة 2026، التي تشمل: اكتتاب قضاة وكتاب ضبط، ومراجعة الإطار القانوني، والتفعيل الفعلي للمعهد العالي للقضاء، واعتماد مدونة سلوك محدثة وقواعد للتحويلات مبنية على معايير مهنية شفافة. كما أُقرت ترقيات لقضاة ودُشنت محاكم جديدة بدعم من الشركاء الأوروبيين. لقد دخل الإصلاح مرحلته العملية، وهي بالضبط المرحلة التي تعثرت عندها أغلب إصلاحات العدالة في إفريقيا حتى الآن.
ولا بد من إدراك ما في هذا الثبات من أمر غير مألوف. فإصلاح العدالة هو في كل مكان أشق الأوراش وأقلها مردوداً سياسياً: لا يقص شريطاً، ولا تظهر ثماره إلا بعد أمد بعيد، ويمس مصالح راسخة. أما أن يكرّس رئيسٌ له رأسمالاً سياسياً دائماً، ويترأس بنفسه هيئات المتابعة، ويقبل أن تتزود الدولة بأجهزة صُممت لإلزامها هي نفسها، فذلك ما يميز المقاربة الموريتانية ويفسر الاهتمام المتزايد الذي توليه لها السفارات والمؤسسات المالية الدولية.
غير أن الصورة تظل ناقصة إذا سكتنا عن بعض الاحتكاكات، التي لعلها حتمية في تحول بهذا الحجم. فإذا كانت الوجهة الرئاسية واضحة، فإن بعض ممارسات الإدارة ما زالت فيما يبدو تنتمي إلى زمن آخر. إذ تتساءل الأوساط القانونية في نواكشوط عن استخدام الطعن المسمى «لصالح القانون»، المنصوص عليه في المادة 231 من قانون الإجراءات المدنية والتجارية والإدارية. فهذا الطعن الاستثنائي يخول وزير العدل إحالة قرارات صارت نهائية إلى المحكمة العليا. ويرى بعض القانونيين المتخصصين أن هذه الآلية، بصيغتها الحالية وخاصة بالطريقة التي تُستعمل بها أحياناً، غير دستورية، لأنها تجيز لعضو في السلطة التنفيذية إعادة فتح نزاعات أغلقتها حجية الشيء المقضي به، بما يمس مبدأ فصل السلطات الذي يكفله الدستور الموريتاني. كما أنها مخالفة للالتزامات الدولية للبلاد. فالمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تعتبر، في اجتهاد مستقر، أن المساس بالقرارات النهائية عبر طعون استثنائية ينتهك مبدأ الأمن القانوني، وهو ركيزة سيادة القانون. كما يكرّس العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، وقد صادقت عليهما موريتانيا، الحق في محاكمة عادلة تُتوَّج بحجية الشيء المقضي به.
هذه التحفظات لا تدين الإصلاح، بل تبرز رهانه. فالمتقاضي الذي يحصل على حكم نهائي ضد شخص عمومي يجب أن يتمكن من تنفيذه دون أن يخشى إعادة النظر فيه بمبادرة من السلطة التنفيذية. وهذا هو بالضبط المبدأ الذي أمر الرئيس بإدراجه في المرسوم المؤسس للوكالة القضائية للدولة. فحوادث المسار التي تلاحظ هنا أو هناك ليست إذن قدراً محتوماً: أدوات تصحيحها موجودة، وهي من إنجازات هذه المأمورية. ويبقى أن يتشرب الجهاز الإداري كله روح الإصلاحات لا نصها فحسب.
لقد اختارت موريتانيا مهندساً ورسمت مخططات. وستُحسم مصداقية البناء في اللمسات الأخيرة: بعض المقتضيات الإجرائية الموروثة عن الماضي ينبغي جعلها مطابقة للدستور والقانون الدولي، وإدارات يجب إقناعها بأن دولة القانون تظل قائمة حتى عندما تخسر الدولة. وبالوتيرة التي يتقدم بها الورش، ليس من المستبعد أن يكون هذا البلد، في هدوء، بصدد النجاح حيث تراجع كثيرون غيره.
مشاهدة موريتانيا إعادة البناء الهادئة للقضاء ورش رئيس الجمهورية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ موريتانيا إعادة البناء الهادئة للقضاء ورش رئيس الجمهورية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صحراء ميديا ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، موريتانيا: إعادة البناء الهادئة للقضاء، ورش رئيس الجمهورية.
في الموقع ايضا :
- الكويت تدين وتستنكر الاعتداءات الإيرانية الآثمة على البحرين والأردن
- الكويت: استمرار العدوان الإيراني الآثم يشكلّ انتهاكاً صارخاً لسيادتنا
- ترقب واسع لنتائج الصف التاسع في سوريا 2026.. إليك التفاصيل الكاملة