لماذا يُطلب من العامل أن يثبت أنه عامل؟ ..اخبار محلية

جو 24 - اخبار محلية
لماذا يُطلب من العامل أن يثبت أنه عامل؟
كتب زياد فرحان المجالي -  ليس من حق أحد أن يعترض على تنظيم المهن، أو رفع مستوى الكفاءة، أو حماية المواطن من الممارسات غير الآمنة ومن دخول غير المؤهلين إلى أعمال تمس سلامة الناس وممتلكاتهم. لكن التنظيم العادل لا يبدأ بإدانة العامل، ولا يتحول إلى امتحان جديد لمن أمضى عشرين أو ثلاثين عامًا في ورشته، يكدّ بيديه ويعيل أسرته من مهنة أتقنها قبل أن تظهر القوانين والتعليمات التي تطالبه اليوم بإثبات أنه يعرفها. وهنا يبرز السؤال البسيط والمباشر: لماذا يُطلب من العامل أن يثبت أنه عامل؟ فهل يحتاج الحداد الذي أمضى نصف عمره بين الحديد والنار إلى ورقة تخبره بأنه حداد؟ وهل يُطلب من الميكانيكي الذي أصلح آلاف المركبات ودرّب أجيالًا من العاملين أن يعود إلى نقطة البداية؟ وهل يصبح الكهربائي أو النجار أو فني التكييف، بعد عقود من الخبرة، غير مؤهل قانونيًا لممارسة عمله ما لم يحصل على شهادة جديدة؟ هذا ليس سؤالًا ضد القانون، بل سؤال عن عدالته وآلية تطبيقه. فالغاية المعلنة من تنظيم العمل المهني هي رفع الكفاءة، وتحسين الخدمات، والحد من الممارسات العشوائية، وتنظيم الاختبارات وإصدار إجازات مزاولة المهنة. وهذه أهداف لا خلاف عليها من حيث المبدأ. لكن الاعتراض يبدأ عندما يتحول التنظيم إلى شرط جديد يطال العامل صاحب الخبرة الطويلة، ويضعه في الموقف نفسه الذي يوضع فيه الداخل الجديد إلى سوق العمل. هنا لا يعود الأمر مجرد تنظيم، بل يصبح مساسًا مباشرًا بمصدر رزق شريحة واسعة من الحرفيين الذين اكتسبوا مهاراتهم بالتجربة والممارسة والعمل اليومي، لا من قاعات التدريب وحدها. فالخبرة العملية ليست فراغًا ينبغي ملؤه بورقة، وليست شيئًا يمكن تجاهله لأنها لم تأتِ عبر مؤسسة تدريب رسمية. كثير من أصحاب المهن بدأوا متدربين صغارًا في الورش، ثم أصبحوا معلمين، وفتحوا محالهم، وشغّلوا غيرهم، وبنوا سمعتهم أمام الناس سنة بعد أخرى. هؤلاء ليسوا دخلاء على المهنة، بل هم الذين حفظوها ونقلوها من جيل إلى جيل. وإذا كان الهدف حماية المواطن، فمن حقنا أن نسأل: هل المشكلة الأساسية في السوق سببها أصحاب الخبرة الطويلة؟ أم أن الخلل الحقيقي يكمن في دخول غير المؤهلين، وغياب الرقابة على الممارسات الخطرة، وضعف التدريب الحديث، وعدم وجود معايير واضحة للمساءلة والجودة؟ إن وضع الجميع في سلة واحدة لا يصنع عدالة. فالعامل الذي دخل المهنة بالأمس ليس كمن أمضى فيها ثلاثين عامًا. ومن غير المنطقي أن يُطلب من الاثنين سلوك الطريق نفسه، والخضوع للشروط ذاتها، وكأن السنوات الطويلة من العمل لا قيمة لها. ثم إن القول إن الرسوم ستكون «بسيطة» لا يجيب عن جوهر الاعتراض. فالمشكلة ليست في بضعة دنانير فقط، بل في فتح باب جديد للرسوم والإجراءات والمراجعات والاختبارات والتجديدات. والعامل الذي يعيش من أجر يومه لا يرى الرسم رقمًا معزولًا، بل يراه يوم عمل ضائعًا، ومواصلات، وتعطيلًا للورشة، وربما أوراقًا لا يعرف كيف يستكملها. ومن حقه كذلك أن يسأل: ماذا سيحصل في المقابل؟ هل تمنحه الشهادة تأمينًا صحيًا أو حماية اجتماعية؟ هل ترفع أجره؟ هل توفر له فرصًا أفضل؟ هل تحميه من المنافسة غير القانونية؟ هل تلزم أصحاب العمل بحقوقه؟ أم أنها ستكون مجرد وثيقة إضافية يدفع ثمنها ثم يعود إلى ظروفه السابقة نفسها؟ إن أفضل القوانين ليست التي تفرض أكبر عدد من الشروط، بل التي تعالج المشكلة بأقل كلفة اجتماعية ممكنة. ولذلك فإن إنصاف العمال يتطلب نصوصًا واضحة تعترف بالخبرة المتراكمة، لا وعودًا شفوية قد تتغير مع التعليمات والتطبيق. ويمكن تحقيق ذلك من خلال اعتماد مسار خاص لأصحاب الخبرة. فمن يثبت أنه مارس المهنة سنوات محددة، بواسطة رخصة محل أو اشتراك بالضمان أو شهادة من نقابة أو غرفة مهنية أو أصحاب عمل، يمنح إجازة المزاولة مباشرة، أو يخضع لتقييم عملي مبسط ومجاني، بدل إعادته إلى برامج طويلة أو امتحانات لا تراعي واقعه. كما يجب منح العاملين الحاليين فترة انتقالية كافية، وإعفاؤهم من الرسوم في المرحلة الأولى، وفتح مراكز التقييم في المحافظات بدل إجبارهم على مراجعة العاصمة، وعدم فرض أي مخالفة أو إيقاف للعمل قبل اكتمال إجراءات التصويب. أما الداخلون الجدد إلى المهنة، فمن الطبيعي أن يخضعوا للتدريب والاختبار، خصوصًا في المهن التي ترتبط بالسلامة العامة. وبهذا نفرق بين من يريد دخول السوق لأول مرة، وبين من أثبت السوق نفسه كفاءته طوال سنوات. ومن الضروري أيضًا أن تُنشر قائمة المهن المشمولة، وشروط كل مهنة، وقيمة الرسوم، ومدة الشهادة، وآلية التجديد، والجهة التي ستجري الاختبارات، وطرق الاعتراض على النتائج. فالغموض في التشريع لا يحمي العامل ولا المواطن، بل يفتح الباب أمام الاجتهاد والبيروقراطية. نحن لا ندافع عن الفوضى، ولا نطالب بأن يعمل غير المؤهلين في مهن قد تهدد حياة الناس. لكننا نرفض أن يتحول شعار التنظيم إلى وسيلة سهلة لزيادة الأعباء على الفئات الأضعف، أو أن يُعامل الحرفي الخبير وكأنه متهم عليه أن يثبت براءته المهنية. إن هؤلاء العمال لم ينتظروا القانون حتى يبنوا البلد. هم الذين مدوا الأسلاك، وأصلحوا المركبات، وصنعوا الأبواب، وشيدوا الورش، وأداروا الآلات، وعلّموا أبناءهم مهنًا تحفظ لهم كرامتهم بعيدًا عن البطالة والحاجة. ولهذا، فإن المطلوب من الحكومة ليس أن تقول للناس إن الرسوم بسيطة، بل أن تجيب بوضوح: ما المشكلة التي سيحلها القانون؟ وما الضمانات التي تمنع تحوله إلى عبء؟ وكيف سيحترم سنوات الخبرة؟ وما المقابل الحقيقي الذي سيحصل عليه العامل؟ فالتنظيم الذي لا يعترف بالخبرة يصبح ظلمًا، والشهادة التي لا تضيف للعامل حقًا أو حماية قد تتحول إلى مجرد إيصال دفع جديد. لا تجعلوا العامل، بعد عشرين عامًا من الكد والتعب، يقف أمام شباك رسمي ليثبت أنه يعرف المهنة التي بنى بها بيته وربّى أبناءه. نظّموا السوق، وحاسبوا المسيء، ودرّبوا المبتدئ، واحموا المستهلك؛ لكن ارفعوا أيدي البيروقراطية عن لقمة عيش من أثبتت السنوات كفاءته قبل أن تشهد له الأوراق. .

مشاهدة لماذا ي طلب من العامل أن يثبت أنه عامل

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ لماذا ي طلب من العامل أن يثبت أنه عامل قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، لماذا يُطلب من العامل أن يثبت أنه عامل؟.

Apple Storegoogle play

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة في اخبار محلية


اخر الاخبار