بعد نحو عشرين عاما من إخفاق صفقة بدت في وقت من الأوقات شبه محسومة، عادت مقاتلات «رافال» إلى واجهة العلاقات بين المغرب وفرنسا. لكن الطائرة التي تقترب، وفق تقارير إعلامية، من الأجواء المغربية ليست هي نفسها التي غادرت طاولة المفاوضات سنة 2007، كما أن البلدين اللذين يعيدان مناقشة الصفقة لم يعودا في الموقع السياسي والاستراتيجي ذاته.
فقد أفاد موقع Middle East Online بأن الرباط وباريس دخلتا مفاوضات متقدمة بشأن اقتناء ما بين 12 و18 مقاتلة من طراز “رافال ف14″، في إطار مباحثات مباشرة بين الحكومتين قد تفضي، في حال اكتمالها، إلى بدء التسليم خلال عامي 2030 و2031. ولم يصدر، إلى الآن، تأكيد رسمي من الحكومتين المغربية أو الفرنسية بشأن هذه المعطيات، لكن أيا منهما لم يقم بنفيها أيضا.
وتتجاوز أهمية الخبر عدد الطائرات المحتمل شراؤها. فالعودة إلى «رافال» تستدعي تلقائيا ملفا ظل حاضرا في الذاكرة الصناعية والدبلوماسية الفرنسية منذ 2007، حين خسرت باريس سوقا اعتبرتها مضمونة، واختار المغرب في النهاية مقاتلات «إف-16» الأمريكية.
وإذا نجحت المفاوضات الجديدة (المفترضة)، فلن تكون مجرد عملية تحديث لسلاح الجو المغربي، بل إغلاقا لدائرة بدأت في عهد جاك شيراك، وتعطلت في الأشهر الأولى من رئاسة نيكولا ساركوزي، وقد تكتمل قبل نهاية ولاية إيمانويل ماكرون.
عودة في مناخ مختلف
تأتي الأنباء الجديدة في لحظة تحسن كبير في العلاقات المغربية الفرنسية، بعد سنوات من التوتر والبرود السياسي. فقد كان التحول الحاسم في يوليوز 2024، عندما أبلغ ماكرون الملك محمد السادس بأن فرنسا تعتبر أن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان ضمن السيادة المغربية، وأن مقترح الحكم الذاتي يشكل الأساس الوحيد للتوصل إلى حل سياسي. ثم تكرّس هذا التحول خلال زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إلى المغرب في أكتوبر من العام نفسه.
أعلن البلدان خلال تلك الزيارة الارتقاء بالعلاقة إلى مستوى «شراكة استثنائية معززة»، تقوم على تقوية التقارب السياسي والاستراتيجي، وتحديث التعاون الاقتصادي، وخدمة ما وصفه الإعلان المشترك بالاستقلالية الاستراتيجية للبلدين. لم يتضمن الإعلان صفقة «رافال»، لكنه أوجد الإطار السياسي الذي يجعل عودة ملف بهذا الحجم ممكنة بعد سنوات كان فيها التعاون الدفاعي محكوما بسقف الخلاف الدبلوماسي.
في هذا السياق، تبدو «رافال» أكثر من مقاتلة معروضة للبيع. فهي قد تصبح أحد الاختبارات العملية لمدى انتقال المصالحة من البيانات السياسية والعقود المدنية إلى المجالات السيادية الأكثر حساسية. وصفقات الطائرات القتالية لا تقيس العلاقات التجارية فقط؛ فهي ترتبط بعقود تمتد لعقود، تشمل التدريب والتسليح والصيانة وتبادل المعلومات والتحديثات المستمرة.
وهذا ما يجعل القرار، إن اتُخذ، تعبيرا عن مستوى مرتفع من الثقة بين دولتين، لا مجرد مقارنة تقنية بين طائرتين.
الصفقة التي بدت مضمونة
بدأ الفصل الأول من القصة في منتصف العقد الأول من الألفية. كان المغرب يبحث عن تجديد أسطوله القتالي، في وقت كانت فيه الجزائر تعزز قواتها الجوية بمقاتلات روسية حديثة. وبرزت «رافال»، التي تصنعها شركة «داسو» بمشاركة شركات فرنسية في المحركات والإلكترونيات والتسليح، مرشحا طبيعيا.
كانت العلاقة بين الملك محمد السادس والرئيس جاك شيراك وثيقة، كما أن القوات الجوية المغربية راكمت تاريخا طويلا في تشغيل الطائرات الفرنسية، من “ميراج F1” إلى طائرات التدريب والمروحيات. وأفادت الصحافة الفرنسية حينها بأن الاهتمام المغربي بـ«رافال» ظهر منذ نهاية 2005، وأن دوائر الصناعة والدولة في باريس كانت تصف الصفقة بأنها “غير قابلة للخسارة”.
كانت أهمية العقد بالنسبة إلى فرنسا مضاعفة. لم تكن «رافال» قد حصلت بعد على أول طلبية تصدير، رغم دخولها الخدمة لدى القوات الفرنسية. وكان نجاحها في المغرب سيمنحها أول شهادة ثقة خارجية، ويفتح أمامها أسواقا أخرى تبحث عادة عن دليل على قابلية الطائرة للتصدير والتشغيل خارج بلدها الأصلي.
تقدمت المحادثات إلى حد توقيع تفاهم أولي في ربيع 2007، وتناولت المصادر آنذاك اقتناء نحو 18 مقاتلة بقيمة تقارب ملياري يورو. وكان الاعتقاد السائد في باريس أن ما تبقى لا يتعدى حسم التفاصيل المالية والتقنية. لكن الصفقة بدأت تتفكك في اللحظة التي اعتقد الجانب الفرنسي أنها شارفت على الاكتمال.
لم تكن المشكلة الرئيسية في أداء «رافال» نفسها. فقد كانت الطائرة، حتى في نسختها آنذاك، متعددة المهام وقادرة على تنفيذ عمليات الاعتراض والهجوم والاستطلاع. لكن ما قدمته فرنسا للمغرب لم يكن عرضا موحدا ومقنعا بالقدر نفسه.
أظهرت التغطيات الصحافية الفرنسية اللاحقة أن إدارة المفاوضات عانت من ضعف التنسيق بين شركة «داسو» وأجهزة الدولة، خصوصا المديرية العامة للتسليح ووزارة الاقتصاد والمالية. تلقى الجانب المغربي أرقاما وصيغا مختلفة بشأن السعر ومكونات الحزمة، ولم يكن واضحا في بعض مراحل التفاوض ما إذا كان الثمن يشمل التسليح والتدريب والصيانة والبنية التشغيلية كاملة.
كانت عقدة التمويل أكثر تعقيدا. واحتاجت الصفقة إلى ترتيب ائتماني وضمانات حكومية، لكن وزارة المالية الفرنسية ترددت في تحمل مستوى مرتفع من المخاطر. وتحول الملف إلى نقاش داخل الدولة الفرنسية حول الجهة التي ستضمن التمويل، في وقت كان المغرب ينتظر عرضا نهائيا واضحا.
وقعت باريس، بذلك، في خطأ كلاسيكي في صفقات السلاح، حيث افترضت أن القرب السياسي والتاريخي سيمنحانها وقتا إضافيا، بينما تعامل المغرب مع العملية باعتبارها منافسة بين عروض تشمل السعر والتمويل والتسليم والدعم الطويل الأمد.
دخلت الولايات المتحدة إلى المنافسة بعرض «إف-16»، وهي طائرة أقل حداثة من «رافال» من حيث التصميم الأصلي، لكنها واسعة الانتشار، ومجربة، وتتوفر على منظومة عالمية ضخمة للصيانة والتسليح والتدريب.
كان الفارق الأهم في طبيعة العرض. قدمت واشنطن حزمة حكومية عبر برنامج المبيعات العسكرية الخارجية، تجمع الطائرات والتجهيزات والتدريب والدعم ضمن مسار واحد. وفي دجنبر 2007، أبلغت وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية الكونغرس بإمكان بيع المغرب 24 مقاتلة «F-16C/D» مع المعدات والخدمات المرتبطة بها، بقيمة قصوى بلغت 2.4 مليار دولار.
لم تكن المقارنة محصورة في جودة الطائرة. فقد كان المغرب يحصل بموجحب العرض الأمريكي على عدد أكبر، ضمن حزمة مالية وتشغيلية أوضح، وفي ظل سعر صرف جعل الدولار أكثر جاذبية من اليورو. كما أن الصفقة فتحت الباب أمام تعميق علاقة عسكرية مع الولايات المتحدة، بدل إبقاء التسليح الجوي معتمدا بصورة شبه حصرية على فرنسا.
بحلول خريف 2007، أصبح فشل «رافال» واضحا. وقبل زيارة ساركوزي إلى المغرب في أكتوبر، أعلنت وسائل الإعلام الفرنسية أن الطائرة خسرت المنافسة أمام «إف-16»، وأن محاولة قلب النتيجة جاءت متأخرة. وصفت لوموند حينها ما حدث بـ«الفشل المغربي لرافال»، بينما اعتبرت صحف اقتصادية أن الخسارة كانت صدمة لصناعة فرنسية اعتادت التعامل مع السوق المغربية باعتبارها مجال نفوذ طبيعي.
“إف 16” تسقط “رافال” قبل وصول ساركوزي
وصل نيكولا ساركوزي إلى المغرب في أكتوبر 2007 وهو يحمل معه آثار صفقة ضائعة لم يكن مسؤولا وحده عن بداياتها، لكنها انفجرت في الأشهر الأولى من ولايته. كان قد ورث الملف عن شيراك، ووجد أمامه عرضا مرتبكا وقرارا مغربيا يميل بالفعل إلى الولايات المتحدة.
احتاجت الزيارة، رغم ذلك، إلى مشروع اقتصادي كبير يحفظ قوة الحضور الفرنسي. وهنا تقدم مشروع القطار فائق السرعة بين طنجة والدار البيضاء إلى واجهة المشهد. وُقعت تفاهمات المشروع خلال الزيارة، وأصبح «التيجيفي» أبرز العقود التي أعلنتها باريس في المغرب.
من هنا وُلدت الرواية التي تقول إن مشروع القطار عوّض الطائرات، وأكده ساركوزي نفسه مؤخرا حين تحدّث عن نيل الصفقة بشكل مباشر ودون منافسة.
سمح مشروع القطار لساركوزي بأن يغادر الرباط بعقد كبير لصالح الشركات الفرنسية، وأن يمنع إخفاق «رافال» من اختزال الزيارة كلها. وكان «التيجيفي»، بتعبير استعملته الصحافة الفرنسية آنذاك، حصة ترضية لفرنسا، لا تعويضا للمغرب.
في المقابل، لم يكن اختيار «إف-16» حلا مؤقتا. فقد تحولت المقاتلة الأمريكية إلى العمود الفقري للقوات الملكية الجوية، وتوسعت العلاقة الدفاعية مع واشنطن في التدريب والتسليح والمناورات وتحديث الأنظمة.
ولم يكتف المغرب بالدفعة الأولى. بل وافقت الولايات المتحدة لاحقا على بيع الرباط 24 مقاتلة جديدة من الجيل الأحدث «F-16 Block 70/72»، إضافة إلى برنامج لتحديث الطائرات القائمة إلى معيار قريب من «F-16V».
وبذلك أصبح الخيار الأمريكي مسارا استراتيجيا طويل الأمد، وليس نتيجة ظرف مالي عابر.
فاقتناء «رافال»، إن تم، لن يعني استبدال «إف-16» ولا الانقلاب على الشراكة العسكرية مع الولايات المتحدة. الأرجح أنه سيضيف طبقة جديدة إلى سلاح الجو المغربي، ضمن سياسة تقوم على تنويع الموردين وتجنب الارتهان لمنظومة واحدة.
سيكون المغرب، في هذه الحالة، مطالبا بإدارة أسطولين مختلفين من حيث التدريب والصيانة والذخائر وسلاسل الإمداد. وهذه كلفة حقيقية، لكنها تمنحه في المقابل مرونة سياسية وعملياتية، وتتيح له توزيع المخاطر بين شريكين غربيين رئيسيين.
رافال لم تعد تبحث عن أول مشتر
بعد مرور عقدين تقريبا، تغير موقع الطائرة الفرنسية أيضا. ففي 2007، كانت «رافال» تكافح للحصول على أول عقد تصدير. أما اليوم، فقد أصبحت إحدى أنجح المقاتلات الأوروبية في السوق الدولية، وبيعت لمصر وقطر والهند واليونان وكرواتيا والإمارات وإندونيسيا ودول أخرى.
وفي سنة 2021، حصلت «داسو» على أكبر عقد في تاريخ الطائرة، بعد طلب الإمارات 80 مقاتلة من معيار «F4». وفي نهاية 2025، كان دفتر طلبيات الشركة يضم 220 طائرة «رافال»، ما يعكس نجاحا تجاريا كبيرا، لكنه يفسر أيضا آجال التسليم الطويلة التي قد تدفع بأي طلبية مغربية جديدة إلى بداية العقد المقبل.
كما أن «F4» تختلف تقنيا عن الطائرة التي تفاوض المغرب بشأنها قبل عقدين. فقد صُمم النموذج الجديد لتعزيز الاتصال وتبادل البيانات، وتحسين قدرات الحرب الإلكترونية والتسليح والاستشعار والعمل داخل شبكة قتالية أوسع. وأعلنت «داسو» أن نموذج «F4.1» دخل الخدمة لدى القوات الجوية والبحرية الفرنسية، فيما يتواصل تطوير النسخ اللاحقة خلال العقد الحالي.
هذه الخصائص مهمة للمغرب، لأن تحديث القوة الجوية لم يعد يقوم على عدد الطائرات فقط. فقيمة المقاتلة الحديثة تتحدد بقدرتها على تبادل المعلومات مع الدفاع الجوي والطائرات الأخرى والطائرات المسيرة ومراكز القيادة، وعلى اكتشاف الأهداف ومواجهتها قبل الدخول في نطاق تهديدها.
ويشير تقرير “ميدل إيست أونلاين” إلى أن المحادثات المحتملة قد تمتد إلى طائرات «A330 MRTT» للتزود بالوقود جوا، وغواصات من فئة «Scorpène»، وهو ما يكشف طبيعة التفكير الاستراتيجي المحيط بالصفقة.
فطائرات التزود بالوقود توسع مدى المقاتلات وتزيد زمن بقائها في الجو، وتمنح القوات الجوية قدرة أكبر على العمل فوق المجال الأطلسي وفي مناطق بعيدة. أما الغواصات، فستمثل انتقالا نوعيا للبحرية الملكية إلى مجال لم تدخله بعد، في وقت تتزايد فيه أهمية الساحل الأطلسي، وحماية الموانئ وخطوط الملاحة والبنيات الطاقية والكوابل البحرية.
إذا اجتمعت هذه العناصر فعلا، فلن نكون أمام شراء معدات متفرقة، بل أمام إعادة نظر في هندسة القوة المغربية عبر الجو والبحر. وهذا يفسر لماذا قد ترتبط المفاوضات بشراكة أوسع تشمل التدريب والتعاون الصناعي ونقل التكنولوجيا، لا بالتسليم الجاهز للمعدات فقط.
الجزائر حاضرة في الخلفية
لا تجري أية عملية تحديث عسكري كبرى في المغرب العربي بمعزل عن التوازن مع الجزائر. فقد استثمرت الأخيرة طويلا في الطائرات الروسية، خصوصا مقاتلات «سوخوي»، وتملك شبكة دفاع جوي متقدمة. كما تتحدث تقارير عن سعيها إلى توسيع تعاونها مع روسيا والصين، سواء في الطيران القتالي أو أنظمة الاستطلاع والإنذار المبكر.
لا يعني ذلك أن كل صفقة مغربية هي رد مباشر على شراء جزائري محدد. فالرباط تواجه أيضا تحديات مرتبطة باتساع مجالها البحري، وتأمين الصحراء والحدود، والتعاون مع الحلفاء، ومكافحة التهديدات غير التقليدية. لكن المنافسة الإقليمية تظل رقما ضمن المعادلة، لأن قدرات كل طرف تؤثر في تخطيط الطرف الآخر.
ستضيف «رافال»، إذا دخلت الخدمة المغربية، قدرات نوعية في القتال الجوي بعيد المدى، والهجوم الدقيق، والاستطلاع والحرب الإلكترونية. لكنها لن تغير التوازن وحدها؛ فالفعالية تتوقف على نوع التسليح المرافق، وعدد الطائرات، ومستوى التدريب، وشبكات الإنذار والدفاع الجوي، والقدرة على صيانة الأسطول وتشغيله باستمرار.
هذا المقال هو جزء من ملف العدد 119 لمجلة “لسان المغرب”، لقراءة الملف كاملا، يرجى الضغط على الرابط
رافال تعود إلى سماء المغرب بعد 20 عاما صوت المغرب.
مشاهدة رافال تعود إلى سماء المغرب بعد 20 عاما
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ رافال تعود إلى سماء المغرب بعد 20 عاما قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، رافال تعود إلى سماء المغرب بعد 20 عاما.
في الموقع ايضا :
- مونديال 2026: إسبانيا تجرد الأرجنتين من اللقب وتحرزه للمرة الثانية في تاريخها
- عاجل وبالصورة.. إصابات عقب تدافع المئات في عدن بعد انتهاء مباراة الارجنتين وأسبانيا
- إدارة الغابات تدعو إلى تجنب أي سلوك قد يتسبب في اندلاع النيران