“العظماء يموتون في أفريل”: بورقيبة بين واقعية التاريخ و مخيال الرواية ..اخبار محلية

أنباء تونس - اخبار محلية
“العظماء يموتون في أفريل”: بورقيبة بين واقعية التاريخ و مخيال الرواية

 كتبت الأستاذة أميرة غنيم رواية تجمع بين التاريخ و التخييل بعنوان “العظماء يموتون في أفريل”، و أعطت الكلمة فيها لشخوص عديدين ليقوموا بسرد مروياتهم التي نسجت بشكل أو بآخر في صلة بسيرة الزعيم الحبيب بورقيبة في مرحلة ما بين النشأة و الشيخوخة المتأخرة. و قد اختار الزعيم الممرضة سعاد التي ترافقه في عزلته الأخيرة ليقص عليها “كلمات تائهة لرجل كان يوما يتربع على سجادة التاريخ قبل أن يلقى به غدرا فوق حصير الهوامش.”

سعيد بحيرة *

    و بين مرحلة الصعود الى القمة و مرحلة الترجل تحصي الرواية احداثا تعيد تركيبها باحثة عن خفاياها و تفاصيلها لصياغة أوتوبيوغرافيا محورة لم يأتي عليها صاحبها و لم يرى جدوى من بسطها عندما ألقى سلسلة محاضراته أمام طلبة معهد الصحافة في أكتوبر من سنة 1973.

    فهل توفقت الروائية في كشف المخبأ الذي تناساه الزعيم؟ و هل تخلص هو من سطوة المسؤولية ليصحح سرديته فيجعلها أكثر صدقا و واقعية ؟ و هل ارادت أميرة غنيم ان تنصفه و تعطيه الكلمة ليفصح عن عواطفه المغلولة و يضيئ المشاعر الإنسانية الفياضة بعد خلع رداء الرئيس مدى الحياة؟

    بورقيبة يعود بعد ربع قرن من وفاته

    اننا أمام مكاشفة و تجاذب بين سيرة تخييلية و أخرى ذاتية و ثالثة رواها المؤرخون الذين مشطوا مسار الرجل انطلاقا من الوثائق و شهادات الرفاق و رواياتهم.

    لكن ما الذي جعل بورقيبة يعود بعد ربع قرن من وفاته ؟ و ما هي البواعث التي دفعت الجيل الجديد من الروائيات و الروائيين لينبشوا في سير االزعماء الذين لم يعايشوهم فيعيدونهم الى الساحة بتوهج و اصرار ؟ و لا شك في أن أميرة غنيم واحدة من كتاب الرواية التونسية الجديدة الذين برزوا بعد انتفاضة 2010-2011.و من أكثر الاعلام الذين سجلوا عودة ملفتة نجد شخصية الحبيب بورقيبة التي تركت بصمة حاسمة في الأحداث التونسية طيلة القرن الماضي باستثناء فترات قصيرة من الهدوء، و كانت له أدوار رئيسيه تذكر فتثير التعاطف بقدرما ما تثير النقد و التشكيك.

    و عندما انهار النظام الذي أزاح بورقيبة عن الحكم استفاق البورقيبيون محاولين إعادة الاعتبار للرجل، و تجند خصوم الأمس ليذكروه بتسامح مريب، و انبرى جيل الشباب من الباحثين و الكتاب يعيدون قراءة التاريخ و يبحبثون عن الحقيقة في شيء من التعاطف و الفضول لكن الرواية التاريخية لا تكتفي بالاستقصاء بل تعمل على تطويع الأحداث و صياغتها بتبسيط او بتعقيد لاكسابها جاذبية أكبر تشد القارئ لكنها لا تشفي غليله بل تقدم له نصا متخيلا بديلا لنص الباحث في التاريخ الذي كثيرا ما يكون صارما و جافا، و هكذا يسمح الروائي لنفسه بكسر حواجز الممنوعات و تجاوز المقدس الذي يرفض الشك.

    و في هذا السياق نستحضر مؤلفات الأستاذة هالة الوردي التي حاولت إعادة كتابة ملابسات وفاة الرسول محمد و ما صاحبها من مناورات لتأسيس الخلافة، و قد استفزت حراس المعبد من رجال دين و مؤرخين و مثقفين.

    اما  Marianne Jaeglé مؤلفة رواية “صديق الأمير” فإنها أعطت الكلمة لشخصية Sénèque السيناتور و الفيلسوف و السياسي ليسرد مسيرته في علاقة بالإمبراطور نيرون سفاح روما و قد كان مدربه منذ طفولته ليصبح سيد الإمبراطورية الرومانية. 

    أما بورقيبة المغدور فتدفعه شيخوخته الثقيلة إلى سبر أغوار ذاكرته المتعبة و يبحث عن المستور و المنسي و يقصه على الممرضة سعاد مفعما بالحرية بعد أن صار الملك عاريا.

    و بعد أن يستعيد بورقيبة ذكريات انتقاها من طفولته إلى شبابه المبكر في الصادقية و ساعدته أميرة غنيم على إكسابها رونقا خاصا مثل الطياب الذي كان يدلك جسم الطفل الحبيب ليقول له : “عظمتك بلا فص يا بني”، مما باغت الطفل فانتابه الهوس حول رجولته و لن يخرج منه إلا بفضل ماتيلد و ابنه جون بورقيبة ابنه الوحيد… بعد ذلك تذكر لنا الباخرة “وجدة” التي ستأخذه إلى فرنسا لدراسة الحقوق…

    و عندما اكتسحته نوبة من الأرق في منتصف العشرينات و هو الطالب اليافع نصحه زميله جان جاك بالبحث عن امراة تسكن أوجاعه… فذهب اليها و لم يعد بل عادت هي معه و تبعته الى بلاده لتساعده في كسر شوكة بلادها …

    و لبورقيبة مع النساء قصص مشحونة و غامضة و مثيرة لم يقنع متابعوه خصوما و مناصرين بما باح به من بعض الملامح ، لكن أميرة غنيم تسللت الثنايا المعتمة لتكشف المستور بخيال خلاق و سرد ملهم و تعاطف يحتمل التواطئ.

    لقد غاصت في عمق ذاكرته لتلقي الضوء على نبوءات مبكرة حول الزعيم و النساء إذ “قالت العرافة العمياء لأمه فطومة الأربعينية الحبلى : أطلقي سراح الوحش، اطلقي الدنفير يخرج من شطوط المستير و دول العالم فيه تحير…”

    و قال له متشرد التويلوري في باريس : “في حياتك أربع نساء أيها الصغير:  الأولى إمرأة تجدها، ترفعك فتضعها، و منها نسلك. و الثانيه إمراة تجدك، ترفعها فتضعك و معها مجدك. و الثالثة إمرأة تسير بك إلى حتفك. و الرابعة توصلك إلى قبرك. “

    و عندما ألقى بورقيبة بنفسه في معترك السياسة و النضال بعد العودة من باريس لم يعد يعرف ما يخفيه غده فكان كالذي يسير في الضباب …

    بنى أمة ووحد شعبا كان في عداد غبار الأفراد

    و لم يصعب على أميرة غنيم ان تمنح الرجل ما كان و ما كان يمكن أن يكون مع سبق الإصرار الذي لا يبلغ حد تحريف التاريخ… و هي تعرف ذلك البرزخ الذي يفصل السرد الروائي عن السرد التاريخي إذ بينهما معابر محدودة تمنع الخلط بين غلواء الروائي و صرامة المؤرخ. 

    لقد أرادت الكاتبة أن تفوز بشهادة من زعيم دخل التاريخ من الباب الكبير و خرج منه عبر كوة صغيرة فغمرته المرارة و اكتسحه الاستياء فراح يتأمل و يتذكر انتصاراته و مجده المندثر وهو الذي بنى أمة شارفت على الذوبان ووحد شعبا كان في عداد غبار الأفراد و حرر المراة كما لم يفعل أي زعيم عربي أو مسلم ، و أعلن نظاما جمهوريا على أنقاض حكم عائلي عتيق شبه أجنبي، و نشر التعليم في كل أرجاء البلاد، و أقحم تونس في الحداثة لتنعم منها بروح العصر، و غاص في سمك تاريخ البلاد لينفض الغبار عن يوغرطة المقاوم … و لم يخلو المسار من الكبوات و العثرات و التناقضات التي عصفت بالصورة الناصعة أمام الاستفراد بالسلطة و اقصاء المنافسين، و قبول الرئاسة مدى الحياة.

    و ذكرت أميرة غنيم تلك الأخطاء و هي ابنة الجيل الذي يدين لبورقيبة بالحرية و الانعتاق، و تساءلت عن الفائدة من “التطويل و التمسك بعمر سائر نحو الرذالة و حكم ماضي نحو الأراذل.”.

    و لعلها تكون المراة الخامسة الرمزية في مسار بورقيبة و غفل عنها متشرد التويلوري،  فالأولى ماتيلد و الثانية وسيلة و الثالثة سعيدة و الرابعة سعاد الممرضة، أما الخامسة فهي المراة التونسية التي استنجدت بمواطنيتها لتذود عن مكاسبها أمام غزوات السلفيين فنزلت النساء الى الشوارع لترفضن أن تكون مكملا للرجل في دستور الثورة … ذلك الحدث للذي يأتي في سياق الحداثة السياسية البورقيبية و كذلك حركة التاريخ. 

    لم تكن أميرة غنيم لينة مع الزعيم في ندمه على التعلق بالسلطة الى حدود غرق الشيخوخة لكنها شدت ازره ليتذكر الأيام المجيدة التي كانت مثل شريط الصور تحت جفن المسجى تستعرض تونس بأسرها و هي تستقبل الزعيم في غرة جوان بعد أن ودع السجون و المنافي و العذاب و الهوان…

    لم يخف بورقيبة من الموت الذي داهمه في أفريل 2000 مثلما حصل لعظماء اخرين: انشتاين و داروين و سارتر و بيكاسو و مارتان لوثر كينغ… و ربما يوغرطة أيضا… و لكن العظماء يموتون في كل الأشهر و الأيام. 

    * باحث جامعي.

    ظهرت المقالة “العظماء يموتون في أفريل”: بورقيبة بين واقعية التاريخ و مخيال الرواية أولاً على أنباء تونس.

    مشاهدة ldquo العظماء يموتون في أفريل rdquo بورقيبة بين واقعية التاريخ و مخيال

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ العظماء يموتون في أفريل بورقيبة بين واقعية التاريخ و مخيال الرواية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على أنباء تونس ( تونس ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، “العظماء يموتون في أفريل”: بورقيبة بين واقعية التاريخ و مخيال الرواية.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار محلية


    اخر الاخبار