المغرب وفرنسا في القرن الأطلسي .. من ذاكرة العلاقة إلى جغرافيا القوة ...المغرب

هسبريس - اخبار عربية

لا يمكن فهم مستقبل العلاقات المغربية الفرنسية من خلال التاريخ المشترك وحده، رغم ما راكمه البلدان من روابط سياسية واقتصادية وثقافية وبشرية عميقة. فالعلاقات بين الدول لا تستمر بقوة الذاكرة فقط، بل تتجدد حين تنجح في التكيف مع التحولات التي تمس موازين القوة ومصادر النفوذ وأولويات الأمن القومي. لذلك، لا يتعلق التقارب الجاري بين الرباط وباريس بمجرد تجاوز مرحلة من التوتر الدبلوماسي، بل بإعادة تحديد وظيفة هذه العلاقة داخل بيئة دولية تختلف عن تلك التي نشأ فيها نموذج الشراكة التقليدية بين البلدين.

وتندرج هذه التحولات ضمن ما يمكن تسميته بالقرن الأطلسي، باعتباره الإطار الجيوسياسي والجيواقتصادي الذي تتشكل في ظله موازين القوة خلال القرن الحادي والعشرين. ففي هذه المرحلة، تجاوزت المنافسة الدولية السيطرة على المجال الترابي، لتتأسس الرؤى الاستراتيجية على القدرة على تنظيم التدفقات التجارية والطاقية والصناعية والرقمية التي تربط القارات. وبذلك، يصبح الوزن الإقليمي والعالمي للدول رهينًا بقدرتها على إدارة هذه الشبكات وتأمينها وتحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة مضافة في الاقتصاد الدولي.

    لقد تغير المغرب خلال العقود الأخيرة، كما تغير موقع فرنسا داخل أوروبا وإفريقيا. لم تعد المملكة تتحرك باعتبارها دولة تقع في المحيط الجنوبي للفضاء الأوروبي، بل بوصفها فاعلاً ينظم علاقاته انطلاقًا من موقعه عند تقاطع البحر المتوسط والمحيط الأطلسي وعمقه الإفريقي. وفي المقابل، تواجه فرنسا تراجعًا نسبيًا في بعض مجالات نفوذها التقليدي، ولا سيما في إفريقيا، وتبحث عن صيغة جديدة للحضور تتلاءم مع صعود دول إفريقية أكثر استقلالاً في قراراتها وأكثر تنوعًا في شراكاتها الخارجية.

    هيمنت المقاربة المتوسطية طويلاً على إدراك فرنسا وأوروبا للمغرب. غير أن التحولات الجيواستراتيجية تفرض اليوم الانتقال من رؤية تعتبره امتدادًا للضفة الجنوبية للمتوسط إلى قراءة أطلسية لموقعه ووظيفته. فالمملكة أصبحت إحدى نقاط الارتكاز في فضاء يصل أوروبا بإفريقيا، ويربط طرق التجارة والطاقة والممرات البحرية بالشبكات القارية.

    وفي هذا التحول المتزامن تكمن أهمية التقارب الحالي. فالمغرب لم يعد يحتاج إلى فرنسا وفق الشروط التي حكمت العلاقة خلال القرن الماضي، كما لم تعد باريس قادرة على الحفاظ على موقعها في المملكة والقارة الإفريقية اعتمادًا على الرصيد التاريخي وحده. ومن ثم، تتجه العلاقة نحو صيغة تقوم على المصالح المتبادلة والاعتراف بتحول مكانة كل طرف داخل محيطه الإقليمي والدولي.

    يساعد التفكير الجيوسياسي الكلاسيكي على فهم هذا التحول. فقد أبرز هالفورد ماكندر أن الموقع لا يصبح مصدرًا للقوة إلا عندما تنجح الدولة في توظيفه داخل التنافس بين المجالات الكبرى. ولم يكن اهتمامه منصبًا على الأرض باعتبارها مساحة جامدة، بل على قدرتها على ربط الأقاليم وتوجيه حركة القوى بينها. ومن هذا المنظور، يستمد المغرب قيمته من وجوده في نقطة اتصال بين أوروبا وإفريقيا، ومن إشرافه على مجالين بحريين يختصران جزءًا مهمًا من حركة التجارة العالمية.

    غير أن الجغرافيا لا تفرض على الدولة دورًا بعينه. فالموقع قد يتحول إلى عبء إذا لم تدعمه بنية تحتية فعالة واستقرار سياسي وقدرة مؤسساتية على تنظيم العلاقات المحيطة به. وقد عمل المغرب خلال العقود الأخيرة على تحويل موقعه إلى وظيفة، من خلال الموانئ الكبرى والمطارات وشبكات الطرق والصناعات التصديرية والمؤسسات المالية والمشاريع الطاقية وحضوره المتزايد داخل القارة الإفريقية. وأتاح له ذلك الانتقال من وضعية المعبر بين فضاءات مختلفة إلى موقع الدولة التي تساهم في تنظيم العلاقة بينها.

    وتتضح هذه الوظيفة أكثر عند قراءة التحول المغربي من خلال أفكار ألفرد ثاير ماهان حول القوة البحرية. في هذا الصدد، لم يحصر ماهان هذه القوة في امتلاك الأساطيل، بل ربطها بالموانئ والتجارة والموقع والقدرة الصناعية وحماية طرق الملاحة. وعلى ضوء هذا التصور، لا يمكن التعامل مع طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي باعتبارها مشاريع اقتصادية منفصلة، بل باعتبارها عناصر ضمن واجهة بحرية متكاملة تعزز حضور المغرب في سلاسل الإمداد الدولية وتفتح امتدادات جديدة نحو غرب إفريقيا ودول الساحل.

    لقد أصبحت الموانئ جزءًا من السياسة الخارجية للدول، لأنها تحدد قدرتها على استقبال التدفقات وتوجيهها وحمايتها. كما تحولت الطاقة والكابلات البحرية والمناطق الصناعية وشبكات الكهرباء إلى عناصر مرتبطة مباشرة بالأمن القومي. وقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن اضطراب ممر بحري ضيق يمكن أن يمتد أثره إلى أسواق الطاقة والنقل والتأمين وسلاسل التوريد في مختلف أنحاء العالم. فقد كان يعبر المضيق خلال سنة 2025 ما يقارب عشرين مليون برميل يوميًا من النفط ومشتقاته، أي نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا، فضلاً عن نسبة مهمة من تجارة الغاز الطبيعي المسال. كما ظلت إمكانات تجاوز المضيق محدودة، لأن خطوط الأنابيب البديلة لا تستطيع استيعاب سوى جزء من الكميات التي تمر عبره.

    وأكدت الأزمة أن القيمة الاستراتيجية للممر البحري لا ترتبط بإغلاقه الكامل فقط. فمجرد ارتفاع مستوى التهديد أو تعرض السفن والمنشآت الساحلية للهجمات يكفي لدفع الناقلات إلى التوقف أو تغيير مسارها، ورفع تكاليف التأمين والشحن وتعطيل عمل الموانئ ومرافق التصدير. وقد شهدت حركة السفن عبر هرمز في يوليو 2026 انخفاضًا حادًا مع تصاعد المواجهة الأمريكية الإيرانية، بما أظهر أن التأثير في التدفقات قد يتحقق بالردع والتهديد وتقويض الثقة التجارية، من دون الحاجة إلى احتلال الممر أو إغلاقه ماديًا بصورة دائمة.

    وتهم هذه القراءة العلاقات المغربية الفرنسية مباشرة، لأن الشراكة التي يسعى الطرفان إلى بنائها لم تعد تقتصر على توسيع المبادلات الاقتصادية، بل ترتبط أيضًا بقدرتهما على تطوير شبكات طاقية وصناعية ولوجستية أكثر مرونة في مواجهة الاضطرابات التي قد تصيب الممرات البحرية الدولية.

    ولا تقتصر السيادة، ضمن هذا المنظور، على التحكم في التراب الوطني، بل تشمل أيضًا القدرة على إدارة شبكات النقل والطاقة والبنية التحتية وضمان استمرارها عند تعرض أحد مكوناتها للاضطراب. وهنا يبرز مفهوم “StraitBelt” بوصفه قراءة تربط المضائق والموانئ والمحاور البرية ضمن منظومة واحدة. فقد أظهرت أزمة هرمز أن تركيز جزء كبير من التدفقات في ممر ضيق يمنحه قيمة استراتيجية استثنائية، لكنه يحوله أيضًا إلى نقطة ضعف. لذلك أصبحت القوة ترتبط بتنويع المسارات، وربط الموانئ بالشبكات البرية والطاقية والصناعية، وتطوير بدائل تسمح بإعادة توجيه التجارة عند تعطل أحد الممرات.

    وتكتسب البنية المينائية المغربية، في هذا الإطار، أهمية خاصة. فامتداد المملكة على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، وموقعها عند مدخل مضيق جبل طارق، وتكامل موانئ طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط والداخلة الأطلسي، يمنحها قدرة على العمل عبر أكثر من واجهة بحرية. ولا تهدف المقارنة بين جبل طارق وهرمز إلى القول إنهما يؤديان الوظيفة نفسها أو يشهدان الحجم نفسه من التدفقات، بل إلى إبراز أن الدول التي تنوع منافذها وتربطها بشبكات النقل والطاقة والصناعة تكون أكثر قدرة على التكيف مع التحولات التي قد تصيب حركة التجارة الدولية.

    ومن هنا تبرز أهمية مفهوم سيادة الربط، الذي لا يحل محل السيادة الترابية، بل يضيف إليها بعدًا وظيفيًا يتعلق بإدارة شبكات الحركة والاتصال. فقد تكون الدولة مستقلة من الناحية القانونية، لكنها تظل معرضة للضغط إذا كانت عاجزة عن حماية إمداداتها الطاقية أو بياناتها أو تجارتها أو سلاسل تموينها. أما الدولة التي تمتلك موانئ فعالة وشبكات نقل متطورة وقدرة على تنويع شركائها ومساراتها، فإنها توسع هامش استقلالها الاستراتيجي وتعزز قدرتها على التكيف مع الأزمات.

    من الشراكة التاريخية إلى الشراكة الاستراتيجية الاستثنائية

    تمنح هذه التحولات للعلاقة مع فرنسا مضمونًا مختلفًا. فباريس تملك قاعدة صناعية وتكنولوجية ومالية وعسكرية متقدمة، لكنها تحتاج إلى مجالات جديدة للنمو والتأثير. ويملك المغرب الموقع والاستقرار والشبكات الإفريقية والبنية اللوجستية، لكنه يحتاج إلى شراكات صناعية وتكنولوجية تسرع انتقاله من اقتصاد يستقبل الاستثمار إلى اقتصاد يشارك في إنتاج التكنولوجيا والقيمة. لذلك، لا تقاس جدوى الشراكة المقبلة بحجم المبادلات التجارية وحده، بل بقدرة الطرفين على بناء سلاسل إنتاج مشتركة، وتمويل مشاريع عابرة للحدود، وتطوير حضور منسق داخل إفريقيا.

    ولا ترتبط أهمية الشراكة مع المغرب بالنسبة إلى فرنسا بالحفاظ على حضورها في القارة الإفريقية فقط، بل أيضًا برغبتها في توسيع مجال حركتها في مرحلة أصبحت فيها خياراتها الخارجية أكثر تأثرًا بالتوازنات الأوروبية وبالمنظومة الأمنية الأطلسية. فرغم احتفاظها بقدرات صناعية وعسكرية ودبلوماسية مهمة، أصبحت قدرتها على التحرك المستقل أكثر ارتباطًا بإطار الاتحاد الأوروبي وبالدور الأمريكي في الأمن الأوروبي.

    ولا يمثل التقارب مع المغرب خروجًا عن الإطار الأوروبي أو الأطلسي، بل يمنح باريس مجالاً إضافيًا للعمل من خلال شريك يجمع بين القرب من أوروبا والامتداد الإفريقي والانفتاح الأطلسي والعلاقات المتقدمة مع الولايات المتحدة ودول الخليج وعدد من القوى الصاعدة. كما يمتلك المغرب شبكات اقتصادية ومؤسساتية وخبرة ميدانية في فضاءات أصبحت أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى القوى الأوروبية.

    ولا تكمن قيمة المغرب بالنسبة إلى فرنسا في كونه منفذًا جغرافيًا إلى إفريقيا، بل في قدرته على المشاركة في بناء فضاء مشترك للإنتاج الصناعي والربط اللوجستي والتعاون الطاقي. فهذه الشراكة توسع مجالات التحرك الفرنسي، وتساعد المغرب في الوقت نفسه على تسريع انتقاله الصناعي والتكنولوجي وتعزيز اندماجه في سلاسل القيمة الأوروبية والدولية. ولا يتعلق الأمر باستعادة امتيازات تاريخية، بل بعلاقة تقوم على تبادل عناصر القوة وتوسيع مجال القرار لدى الطرفين.

    ويترتب على ذلك أن التعاون المغربي الفرنسي في إفريقيا لا يمكن أن يقوم على منطق الوصاية أو توزيع الأدوار الذي طبع مراحل سابقة، بل على شراكة بين فاعلين يتمتع كل منهما باستقلالية قراره ومصالحه الخاصة. فالمغرب يطور علاقاته الإفريقية انطلاقًا من أولوياته الوطنية ورؤيته للتعاون جنوب–جنوب، بينما تجد فرنسا في هذا التعاون فرصة لبناء مشاريع أكثر ارتباطًا باحتياجات الدول الإفريقية نفسها. ويظل نجاح هذا المسار رهينًا بقدرة الدول المعنية على المشاركة في تحديد المبادرات وصياغتها والاستفادة منها، بعيدًا عن إعادة إنتاج أنماط تعود إلى مرحلة تاريخية مختلفة.

    وتظهر الواقعية السياسية عند هنري كيسنجر أهمية هذا التوازن. فاستقرار العلاقات الدولية لا يقوم على التطابق الكامل بين الدول، بل على اعتراف كل طرف بالمصالح الحيوية للطرف الآخر. وقد بينت الأزمة التي مرت بها العلاقات المغربية الفرنسية أن القرب التاريخي لا يكفي عندما تختلف تصورات السيادة والمكانة. كان المغرب يعتبر موقف فرنسا من قضية الصحراء معيارًا لصدق الشراكة، بينما حافظت باريس لفترة طويلة على قدر من الغموض، اعتقادًا منها أنه يسمح بمراعاة توازنات إقليمية متعارضة.

    غير أن هذا الغموض تحول مع مرور الوقت إلى مصدر لعدم الثقة. فالدولة التي تطلب تعاونًا استراتيجيًا واسعًا لا تستطيع أن تتردد في التعامل مع المصلحة السيادية الأساسية لشريكها. ومن هنا اكتسب التحول الفرنسي في قضية الصحراء أهمية تتجاوز الملف نفسه، لأنه أعاد تقريب التصور الفرنسي للعلاقة من مفهوم المغرب لأمنه القومي.

    وفقًا للمنطق الكيسنجري، لا تكمن قيمة هذا التحول في التطابق السياسي، بل في استعادة الحد الأدنى من التوازن الضروري لبناء شراكة طويلة المدى. فالمغرب وفرنسا لن يتفقا في جميع القضايا، وقد تختلف مصالحهما في ملفات أوروبية أو إفريقية أو دولية، لكن العلاقة يمكن أن تستمر إذا ظلت الخلافات داخل إطار يحمي المصالح الكبرى ويمنع تحولها إلى أزمة شاملة.

    تمثل الصحراء المغربية، ضمن هذه الرؤية، أكثر من قضية ترابية. فهي جزء من العمق الاستراتيجي للمملكة، كما أصبحت مجالاً محوريًا في مشاريع الربط بين شمال المغرب وامتداده الإفريقي. ومن خلال الموانئ والطرق ومشاريع الطاقة والاستثمار، تتحول الأقاليم الجنوبية إلى نقطة اتصال مع الساحل وغرب إفريقيا والمحيط الأطلسي.

    وتجمع الصحراء المغربية بين الأبعاد البرية والبحرية التي تناولها كل من ماكندر وماهان. فهي تمنح المغرب امتدادًا قاريًا نحو الساحل، وتوسع في الوقت نفسه واجهته البحرية نحو جنوب الأطلسي. ولذلك، فإن استقرارها لا يرتبط بالمغرب وحده، بل بمستقبل الممرات التجارية ومشاريع الطاقة وإمكان منح دول الساحل الحبيسة منافذ جديدة نحو البحر.

    ولا تقاس قيمة الموقف الفرنسي من الصحراء بالتصريحات وحدها، بل بقدرته على التحول إلى حضور اقتصادي وثقافي ومؤسساتي. فالاستثمار في الأقاليم الجنوبية، والمشاركة في مشاريع الطاقة والمياه والربط اللوجستي، وتطوير التعاون الجامعي، يمكن أن تنقل الموقف الفرنسي من مستوى الاعتراف السياسي إلى مستوى الشراكة العملية. كما يمنح موقع فرنسا داخل الاتحاد الأوروبي فرصة للمساهمة في بناء علاقة أكثر استقرارًا بين المغرب والمؤسسات الأوروبية.

    غير أن نجاح هذا المسار يظل مرتبطًا بقدرة باريس على التعامل مع المغرب بوصفه شريكًا مستقلًا. فقد وسعت المملكة علاقاتها مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والصين وروسيا والهند ودول الخليج وإفريقيا، في إطار سياسة تهدف إلى تنويع الشراكات وتجنب الارتهان لمركز دولي واحد. ولا يتعارض هذا التعدد مع روابط المغرب الأوروبية، بل يعكس انتماءه إلى دوائر عربية وإسلامية وإفريقية ومتوسطية وأطلسية متداخلة.

    أما فرنسا، فتواجه تحدي الحفاظ على قدرتها الدولية في ظل قيود أوروبية وأطلسية متزايدة. ومن هذه الزاوية، يمكن للعلاقة مع المغرب أن توسع مجال حركتها وتحافظ على اتصالها بالفضاءين الإفريقي والمتوسطي، شريطة أن تقبل قواعد الشراكة الجديدة.

    ولا ينبغي أن تتحول هذه العلاقة إلى محور مغلق بين الرباط وباريس، لأن المجال الأورو-إفريقي-الأطلسي أوسع من قدرة دولتين على تنظيمه بمفردهما. وتكمن قيمة التقارب في اندماجه ضمن شبكة تشمل إسبانيا والبرتغال والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول الخليج والدول الإفريقية الأطلسية، بما يعزز شرعيته ويبعده عن منطق مجالات النفوذ الحصرية.

    ولا ينبغي إغفال أن كل شراكة تكتسب وزنًا استراتيجيًا تصبح، في الوقت نفسه، عرضة لمحاولات التشويش والاحتواء. فمن الطبيعي أن تسعى بعض الأطراف، سواء بدافع المنافسة الجيوسياسية أو تضارب المصالح، إلى إثارة أزمات ظرفية أو تضخيم خلافات أو توظيف حملات إعلامية وقضائية من أجل إبطاء مسار التقارب أو زعزعة الثقة المتبادلة. غير أن قدرة الشراكات الاستراتيجية لا تقاس بغياب هذه المحاولات، بل بقدرة مؤسساتها السياسية على احتوائها ومنعها من تحويل الخلافات العابرة إلى أزمات تمس جوهر العلاقة أو تعطل المشاريع طويلة المدى.

    ولعل تزامن بروز بعض السجالات الإعلامية والسياسية مع كل مرحلة يشهد فيها التقارب المغربي الفرنسي تقدمًا ملموسًا يذكر بأن العلاقات الاستراتيجية الكبرى لا تتطور في فراغ، وإنما تتحرك في بيئة تتقاطع فيها المصالح والتنافس ومحاولات التأثير. ويؤكد ذلك أن ترسيخ هذه الشراكة لا يقتصر على تطوير المشاريع الاقتصادية أو تنسيق المواقف السياسية، بل يقتضي أيضًا بناء قدر أكبر من الثقة والقدرة المشتركة على مواجهة التهديدات التي قد تستهدف مسارها أو البيئة التي تتحرك فيها.

    ومن هذا المنظور، يكتسب التعاون الأمني أهمية خاصة، لأن مفهوم الأمن اتسع ليشمل، إلى جانب حماية الحدود، الموانئ وشبكات الطاقة والكابلات البحرية والبيانات وسلاسل التموين. كما أصبحت التهديدات الإرهابية والجريمة المنظمة والتهريب والهجمات السيبرانية وحملات التضليل تتحرك بين المجالين المادي والرقمي.

    تملك فرنسا قدرات متقدمة في الصناعات الدفاعية والطيران والفضاء والأمن السيبراني، بينما راكم المغرب خبرة في مكافحة الإرهاب وفهمًا للبيئات الإفريقية وقدرة على التنسيق الأمني مع شركاء متعددين. ويتيح الجمع بين هذه القدرات بناء تعاون يتجاوز تبادل المعلومات والتمارين العسكرية إلى حماية البنية التحتية والممرات البحرية وتطوير صناعات دفاعية مشتركة.

    ومع ذلك، من غير المرجح أن تتحول العلاقة إلى تحالف عسكري كلاسيكي. فالمغرب يحافظ على استقلال قراره وتنوع شراكاته، بينما تتحرك فرنسا داخل التزامات أوروبية وأطلسية. لذلك تبدو الشراكة الأمنية المرنة أكثر انسجامًا مع مصالح الطرفين، لأنها تسمح بالتعاون في مجالات محددة من دون فرض تطابق شامل في السياسات الدفاعية والخارجية.

    ويظل الاقتصاد المجال الذي ستختبر فيه جدية التحول. فالانتقال من الشراكة التقليدية إلى شراكة استراتيجية استثنائية يقتضي تجاوز نموذج السوق والمستثمر نحو الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا وبناء سلاسل قيمة تمتد إلى إفريقيا وأوروبا. وتمثل الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والربط الكهربائي وصناعة السيارات والطيران والفضاء والصناعات الدفاعية مجالات قادرة على منح العلاقة مضمونًا طويل المدى.

    كما يشكل التعليم والبحث العلمي ركيزة أساسية في هذه العملية. فقد لعبت اللغة والمؤسسات التعليمية دورًا مهمًا في العلاقات المغربية الفرنسية، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تعاون يقوم على مختبرات مشتركة وبرامج في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والطاقة والمياه والهندسة. ومن شأن ذلك أن ينقل العلاقة من إعادة إنتاج النخب التقليدية إلى تكوين كفاءات قادرة على التعامل مع التحولات الصناعية والتقنية المقبلة.

    مسارات العلاقة وشروط نجاحها

    يمكن للعلاقات المغربية الفرنسية أن تسلك خلال السنوات المقبلة مسارات مختلفة. قد تستعيد شكلها التقليدي القائم على الزيارات والاستثمارات والتعاون الثقافي والأمني، من دون تغيير حقيقي في بنيتها. وقد تتطور إلى شراكة قطاعية تركز على الطاقة والدفاع والصناعة، لكنها تظل من دون رؤية جامعة. أما المسار الأكثر طموحًا، فيتمثل في بناء شراكة استراتيجية متوازنة تجعل من البلدين نقطتي ارتكاز داخل المجال الأورو-إفريقي-الأطلسي.

    ويتطلب هذا المسار تثبيت الثقة السيادية، وربط المواقف السياسية بالمشاريع الاقتصادية، وإنشاء آليات دائمة لمتابعة الاتفاقات وتسوية الخلافات. كما يتطلب التخلي عن جزء من اللغة الرمزية التي طبعت العلاقات الثنائية. فعبارات الصداقة والاستثناء لا تضمن استمرارية الشراكة. وما يحدد قوتها هو حجم المشاريع المنجزة، وقدرتها على إنتاج التكنولوجيا والوظائف والقيمة، ومدى مساهمتها في تعزيز استقلال الطرفين.

    ولا يتعلق مستقبل العلاقات المغربية الفرنسية بالعودة إلى مرحلة سابقة، لأن الشروط التي أنتجتها تغيرت. فقد أصبح المغرب أكثر استقلالاً وتنوعًا في شراكاته، بينما تحتاج فرنسا إلى إعادة تعريف حضورها في إفريقيا والمتوسط. وفي ظل التنافس المتزايد حول الطاقة والموانئ والممرات والتكنولوجيا، يمكن للعلاقة بين البلدين أن تكتسب أهمية أكبر إذا قامت على تبادل الوظائف والقدرات، لا على الامتياز التاريخي أو التراتبية.

    يقدم المغرب الموقع والعمق الإفريقي والاستقرار والبنية اللوجستية، بينما تقدم فرنسا الخبرة الصناعية والتكنولوجية والمالية والقدرة على العمل داخل المؤسسات الأوروبية. وعندما تندمج هذه العناصر ضمن رؤية مشتركة، يمكن للعلاقة أن تتجاوز التعاون الثنائي نحو المساهمة في تنظيم مجال استراتيجي أوسع.

    إن القرن الأطلسي، الذي تتشكل ملامحه خلال القرن الحادي والعشرين تحت تأثير التحولات الجيوسياسية والجيواقتصادية، لن تحدده الدول المطلة على المحيط فحسب، بل الدول القادرة على تنظيم العلاقات بين ضفتيه وربطهما بامتداداتهما المتوسطية والإفريقية. ومن هذه الزاوية، يمكن للشراكة المغربية الفرنسية أن تتجاوز إطارها الثنائي لتصبح إحدى البنى المنظمة لهذا الفضاء، بما تتيحه من وصل بين أوروبا وإفريقيا، وبين المتوسط والأطلسي، وبين القدرات الصناعية والمالية والتكنولوجية من جهة، والعمق الجغرافي واللوجستي والإفريقي من جهة أخرى. وعندئذ، لا يعود الرهان مقتصرًا على إدارة المصالح المشتركة، بل يمتد إلى المساهمة في صياغة هندسة جيوسياسية جديدة تقوم على سيادة الربط، وتكامل التدفقات، والمرونة الاستراتيجية، بما يؤهل البلدين للإسهام في تشكيل أحد أهم أقطاب الاستقرار والتعاون داخل المجال الأورو-إفريقي-الأطلسي.

    فإذا كان القرن التاسع عشر قد ارتبط بتوازن القوى، والقرن العشرون بالتحالفات الكبرى، فإن القرن الأطلسي للقرن الحادي والعشرين قد يقاس بقدرة الدول على هندسة الترابط بين الفضاءات الإقليمية وتنظيم التدفقات التي تعبرها. وفي هذا السياق، يمكن للشراكة المغربية الفرنسية أن تشكل إحدى التجارب الأكثر تقدمًا في هذا التحول.

    المغرب وفرنسا في القرن الأطلسي .. من ذاكرة العلاقة إلى جغرافيا القوة Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

    مشاهدة المغرب وفرنسا في القرن الأطلسي من ذاكرة العلاقة إلى جغرافيا القوة

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ المغرب وفرنسا في القرن الأطلسي من ذاكرة العلاقة إلى جغرافيا القوة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، المغرب وفرنسا في القرن الأطلسي .. من ذاكرة العلاقة إلى جغرافيا القوة.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار