يوسف دينتش - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
كان من المفترض أن تكون العملات المشفرة جلاد الدولار. لكن الدولار جذب العملات المشفرة إلى مساره. وكان يُفترض أن يصبح الذهب راية تمرد البنوك المركزية. غير أن تصحيحاً في الأسعار كان كافياً ليجعلنا نظن أن التمرد قد انتهى. وأثارت مجموعة "بريكس" حماس العالم باحتمال إطلاق عملة مشتركة، لكنها انتهت إلى الحديث عن استخدام العملات المحلية وتسهيل أنظمة الدفع بدلاً من العملة المشتركة. إن الاعتراض الهيكلي على هيمنة الدولار لم يختفِ، لكن فكرة الثورة خرجت من جدول الأعمال.
لماذا؟ لأن منافسي الدولار جمعوا أصولاً بديلة، ومدوا مسارات بديلة، وكتبوا سيناريوهات بديلة، لكنهم لم يطرحوا إرادة حقيقية لإقامة نظام نقدي بديل.
لنبدأ بالعملات المشفرة. فقد وعدت في بداياتها بنظام جديد للقيمة مستقل عن الدولة، والبنك المركزي، ومنظومة الدولار. إلا أن الولايات المتحدة، بدلاً من مواجهتها، قامت بدمجها في تدفقها النقدي.
وقد ألحقت الأرباح التي حققتها مشاريع العملات المشفرة التابعة لعائلة ترامب، والتي بلغت مليارات الدولارات، إلى جانب تلاشي الحدود بين السلطة العامة والمصلحة الخاصة، ضرراً بالغاً بصورة العملات المشفرة باعتبارها "بديلاً محايداً ولا مركزياً".
وأقول "السلطة العامة"، لأن الولايات المتحدة تؤسس البنية المؤسسية التي تمنع العملات المشفرة من التحول إلى منافس للدولار، بل إنها تفعل ذلك لتعزيز مكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية. أي أن العملات المشفرة لم تُسقط الدولار، بل أصبحت جزءاً من منظومته.
نعم، تستمر النقود في التحول إلى الشكل الرقمي. لكن الرقمنة لا تعني تلقائياً التخلص من هيمنة الدولار. بل على العكس، فالولايات المتحدة تحول التكنولوجيا الجديدة إلى شبكة توزيع خاصة بها. وإذا لم يقم التكيف مع النظام النقدي الجديد على أساس الثقة، فإن واشنطن ستفرض هذا التكيف عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، من خلال الضغط على الدول أو تهديدها، تماماً كما فعلت مع تركيا، عندما أدرجتها على "القائمة الرمادية"، ثم اعتبرت تنظيمها للعملات المشفرة أحد أسباب إخراجها من تلك القائمة.
أما القضية الثانية فهي مجموعة "بريكس". ففي عهد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، ومع توسع المجموعة، أثار احتمال إصدار عملة مشتركة أو إنشاء نظام مدفوعات خارج الدولار حماساً كبيراً. لكن اشتراك الدول الأعضاء في الاعتراض على هيمنة الدولار لا يعني أنها كانت مستعدة لتحمل التكلفة نفسها. فلم يستطع حماس "الثورة" داخل بريكس أن يتغلب على الخوف من الولايات المتحدة. ولذلك خفضت المجموعة سقف طموحاتها، وحصرت النقاش في استخدام العملات المحلية وتسهيل عمليات الدفع بدلاً من العملة المشتركة.
ورغم غياب العملة المشتركة، لا تزال هناك سيناريوهات تتحدث عن اليوان الصيني. لكن لماذا قد يرغب أحد في الهروب من تهديد "الدولرة" ليتحمل مخاطر "اليواننة"؟ سيكون الأمر أشبه بالهروب من المطر إلى البرد القارس. بل إن طرح اليوان بديلاً عالمياً قد يكون أحد أسباب عدم قدرة الصين على بناء الثقة الدولية.
ومع ذلك، تواصل الصين توسيع نطاق البنية التحتية للمدفوعات العابرة للحدود، مثل مشروع mBridge. لكن قناة الدفع شيء، والعملة شيء آخر، والثقة شيء مختلف، والحوكمة شيء آخر.
أما الذهب، فتشير أحدث التقارير إلى أن حصة الدولار ضمن الاحتياطيات العالمية، التي بدأت في التراجع، عادت إلى الارتفاع مجدداً. وقد بدأ من كانوا يعتقدون أن الذهب سينهي هيمنة الدولار يشعرون بأنهم أخطأوا في تقديراتهم، وكأنهم باتوا تحت وطأة حجم ادعائهم. لكن كان ينبغي لهم أن ينظروا إلى حصة الدولار في الاحتياطيات بالقيمة الحقيقية لا بالقيمة الاسمية.
فلا يوجد أي تغير في توجهات البنوك المركزية نحو تنويع احتياطياتها، كما أنها لم تتوقف عن شراء الذهب. ففي الربع الأول من عام 2026، بلغ صافي طلب البنوك المركزية نحو 244 طناً. وما زالت هذه البنوك تسعى إلى زيادة مخزونها المحلي من الذهب. إلا أن انخفاض القيمة السوقية للذهب يجعل تطور حصته في الاحتياطيات يبدو، عند احتسابه بالدولار، وكأنه يسير في الاتجاه المعاكس.
وفي الحقيقة، عندما كان يُقال إن هيمنة الدولار على الاحتياطيات العالمية تتراجع، كان هذا أيضاً جزءاً من الواقع. فقد كانت كميات الذهب ترتفع، لكن قيمة الذهب كانت ترتفع بوتيرة أسرع، مما أدى إلى خفض حصة الدولار في الاحتياطيات إلى مستويات لفتت انتباه الجميع.
وما أقصده هو أنه إذا نظرنا إلى الأمر بالقيمة الاسمية، فإن وصول سعر الذهب إلى 10 آلاف دولار سيؤدي إلى انخفاض حصة الدولار إلى مستويات متدنية، أما إذا بلغ 20 ألف دولار، فلن تكاد تبقى للدولار أي حصة تُذكر.
وخلاصة القول، لا يمكننا الوصول إلى استنتاجات استناداً إلى حصة الدولار في الاحتياطيات وحدها، لأن الذهب ما زال يُقاس بالدولار.
فالعملة، شأنها شأن أمور أخرى، هي قبل كل شيء مسألة إرادة.
قد تتمكن دولة تمتلك الإرادة من تجاوز الولايات المتحدة في الصناعة، أو التكنولوجيا، أو الفضاء، أو التجارة. والتاريخ الحديث مليء بأمثلة على ذلك. لكن حتى عندما تجاوزتها في هذه المجالات، كانت الولايات المتحدة هي التي خرجت منتصرة في النهاية.
لأن أحداً لم يمتلك إرادة نقدية حقيقية، بل اكتفى بإدارة الشؤون النقدية.
يمتلك العالم أصولاً خارج الدولار، وتقنيات بديلة للدفع، واحتياطيات من الذهب، وقوة تجارية، بل وخطاباً واسعاً مناهضاً للدولار. لكن ما ينقصه هو الإرادة القادرة على تحويل كل ذلك إلى نظام مشترك وموثوق. أما الذهب، فهو في الأصل وسيلة للهروب من تحمّل هذه الإرادة.
وأخشى أن تكون الولايات المتحدة هي من سيُظهر مرة أخرى الإرادة اللازمة لوضع بديل للدولار. نعم، سيأتي يوم ينهار فيه الدولار، لكن السؤال هو: هل ستكون الولايات المتحدة هي من سيضع بديلاً له، أم ستفعل ذلك إرادة أخرى؟
وعندما نبحث عن هذه الإرادة، فإن العنوان يقودنا مرة أخرى إلينا. ففي عالم اليوم، توجد لدينا منطقة تمتلك القدرة على إصدار عملة مشتركة، كما توجد منظمة التعاون الإسلامي التي تضم 57 دولة في أربع قارات، فلماذا لا يكون ذلك ممكناً؟ لقد نجح الاتحاد الأوروبي في إصدار عملة إقليمية رغم ما يواجهه من مشكلات تتعلق بالطاقة والغذاء والأمن والخلافات السياسية.
أما نحن، فلدينا الطاقة، والغذاء، والصناعة، والممرات الاستراتيجية، والأمن... لدينا كل ما يلزم.
ولن يسهم ذلك في تحقيق السلام والاستقرار في منطقتنا فحسب، بل في العالم أيضاً.
مشاهدة من سي سقط الدولار
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ من سي سقط الدولار قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، من سيُسقط الدولار؟.
في الموقع ايضا :
- عضو مجلس القيادة الخنبشي يؤكد أهمية تعزيز الخطاب الديني لمواجهة الفكر الحوثي ويشدد على توحيد الجبهة الداخلية
- سفارة بلجيكا بتونس تحتفي بـ70 عامًا من العلاقات الثنائية: شراكة استراتيجية واستثمارات جديدة ترسم ملامح المستقبل
- سفن إسرائيلية وأميركية وسعودية تحت تهديد الحوثيين في البحر الأحمر.. تحذير أوروبي جديد
