بنطلحة: أنبوب الغاز الأطلسي يعيد رسم الجغرافيا الاقتصادية لإفريقيا ...المغرب

هسبريس - اخبار عربية

قال الدكتور محمد بنطلحة الدكالي، أستاذ علم السياسة والسياسات العمومية مدير المركز الوطني للدراسات والأبحاث حول الصحراء، إن مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي يتجاوز كونه بنية تحتية لنقل الغاز، موردا أنه يشكل رافعة استراتيجية لإعادة رسم الجغرافيا الاقتصادية لغرب إفريقيا.

وأبرز الدكالي، في مقال معنون بـ”أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي… مشروع يعيد رسم الجغرافيا الاقتصادية لإفريقيا”، توصلت به هسبريس، أن هذا المشروع، الذي دخل مرحلة حاسمة بعد توقيع الاتفاق الحكومي الدولي المنظم له، يجسد رؤية تقوم على جعل الطاقة محركا للتكامل الإقليمي والتنمية المشتركة، عبر ربط الموارد الطبيعية بالصناعة والاستثمار والبنية التحتية، بما يؤسس لمحور اقتصادي جديد يمتد على طول الساحل الأطلسي ويعزز مكانة إفريقيا في الاقتصاد العالمي.

    نص المقال:

    يشكل أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي أحد أكثر المشاريع الاستراتيجية طموحا في القارة الإفريقية خلال العقود الأخيرة؛ فهو يجمع بين أمن الطاقة والتنمية الاقتصادية والتكامل الإقليمي، ويؤسس لمحور اقتصادي جديد يمتد على طول الساحل الأطلسي، ويربط بين الموارد الطبيعية والبنية التحتية والاستثمار والصناعة داخل فضاء يضم مئات الملايين من السكان. وتنبع أهميته من كونه مشروعا يعيد تشكيل الجغرافيا الاقتصادية لغرب إفريقيا، أكثر من كونه مجرد خط لنقل الغاز.

    وقد شكل توقيع الاتفاق الحكومي الدولي الخاص بالمشروع، خلال الدورة التاسعة والستين لقمة رؤساء دول وحكومات المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (سيدياو)، المنعقدة في فريتاون يوم 19 يوليوز 2026، محطة مفصلية في مساره، بعدما أرسى الإطار القانوني والمؤسساتي المنظم لمراحل إنجازه، ومهد للانتقال إلى مرحلة التنفيذ.

    وتزداد أهمية هذه الخطوة إذا استحضرنا أن المشروع لم يولد استجابة لظرف سياسي عابر أو لحاجة ظرفية في سوق الطاقة، وإنما انطلق سنة 2016 من رؤية استراتيجية أعلنها الملك محمد السادس والرئيس النيجيري الراحل محمد بخاري، على هامش مؤتمر المناخ بمراكش، قبل أن تتعزز خلال الزيارة الملكية إلى أبوجا في دجنبر من السنة نفسها، ثم تترجم سنة 2017 إلى اتفاق لإنجاز الدراسات التقنية والهندسية التي أرست الأساس العلمي والاقتصادي للمشروع.

    وعلى امتداد ما يقارب عقدا من الزمن، تطور المشروع بهدوء، بعيدا عن الضجيج الإعلامي الذي يرافق عادة المشاريع الكبرى، إلى أن أصبح اليوم أحد أكثر مشاريع الطاقة طموحا في العالم، ليس بسبب طوله الذي يتجاوز 6800 كيلومتر فحسب، وإنما لأنه يربط بين ثلاث عشرة دولة من غرب إفريقيا والمغرب داخل فضاء اقتصادي يضم أكثر من 400 مليون نسمة، ويجمع بين أكبر احتياطي للغاز في إفريقيا وأحد أهم الممرات الاقتصادية المطلة على المحيط الأطلسي.

    غير أن القيمة الحقيقية لهذا المشروع لا تقاس بطوله، ولا بحجم الاستثمارات المنتظرة فيه، وإنما بالفلسفة التي يقوم عليها. فهو لا ينطلق من اعتبار الغاز مجرد سلعة تنقل من بلد منتج إلى أسواق الاستهلاك، بل يجعل من الطاقة رافعة لبناء اقتصاد إقليمي أكثر تكاملا، عبر توسيع إنتاج الكهرباء، وتشجيع التصنيع، وتحفيز الاستثمار، وربط الاقتصادات الوطنية بشبكة طاقية مشتركة تفتح آفاقا جديدة للنمو.

    ومن هنا، تختلف فلسفة المشروع الأطلسي بصورة واضحة عن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الرابط بين نيجيريا والجزائر، الذي صمم أساسا لنقل الغاز نحو الأسواق الأوروبية عبر الشبكة الجزائرية. أما المشروع الأطلسي، فقد جعل تنمية دول العبور جزءا من بنيته الاقتصادية؛ من خلال توسيع شبكات الطاقة، ودعم إنشاء الصناعات، وتعزيز جاذبية الاستثمار على امتداد مساره، بما يحول الأنبوب إلى ممر اقتصادي، وليس مجرد مرفق لنقل الغاز.

    وتتضح أفضلية هذا التصور عند النظر إلى طبيعة المسارين؛ فالأنبوب الأطلسي يمتد بمحاذاة الساحل الغربي لإفريقيا، ويعبر فضاء يعد الأكثر حيوية من حيث الكثافة السكانية والنشاط الاقتصادي والموانئ والأسواق، قبل أن يصل إلى المغرب. أما مشروع العبور عبر الصحراء، فيمر بمناطق واسعة محدودة الكثافة السكانية، كما يعبر أجزاء من منطقة الساحل التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تصاعدا في التهديدات الأمنية وعدم الاستقرار؛ وهي معطيات تؤثر بالضرورة في كلفة المشاريع الكبرى ومخاطرها واستدامتها.

    وتقاس مشاريع الطاقة اليوم بقدرتها على خلق القيمة المضافة أكثر من قياسها بطول خطوط الأنابيب أو كميات الغاز المنقولة. إن أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، الذي يغذي محطات إنتاج الكهرباء ويواكب إنشاء المناطق الصناعية ويوفر الطاقة للمقاولات ويحفز الاستثمارات الجديدة، يحقق أثرا اقتصاديا يمتد لعقود؛ لأنه يخلق نشاطا إنتاجيا مستداما، ويوسع الأسواق، ويرفع مستوى الاندماج الاقتصادي بين الدول التي يعبرها.

    ومن هذه الزاوية، يتجاوز أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي كونه مشروعا لنقل الطاقة، ليصبح مشروعا لإعادة تنظيم المجال الاقتصادي لغرب إفريقيا. فكل محطة ضغط، وكل نقطة ربط، وكل شبكة توزيع يمكن أن تتحول إلى نواة لاستثمارات صناعية ولوجستية جديدة، وإلى مركز جذب لأنشطة إنتاجية لم تكن ممكنة في غياب مصدر مستقر للطاقة.

    وتتعزز أهمية هذا المشروع بالنظر إلى المكانة التي تحتلها نيجيريا في سوق الغاز العالمية. فالبلاد تمتلك نحو 210 تريليون قدم مكعبة من الاحتياطيات المؤكدة، وهي الأكبر في إفريقيا ومن بين الأكبر عالميا؛ غير أن قيمة هذه الثروة لا تتحدد بحجمها وحده، وإنما بقدرة أصحابها على تحويلها إلى محرك للتنمية، وتنويع منافذ تسويقها، وربطها بالاقتصادات الإقليمية بدل الاقتصار على تصديرها في صورتها الأولية.

    وهنا تبرز إحدى أهم نقاط القوة في المشروع، وهي أنه لا يقتصر على نقل الغاز النيجيري، بل يؤسس لبنية تحتية إقليمية قابلة للتوسع مع الزمن. فالمسار يمر بدول تتوفر بدورها على احتياطيات غازية واعدة، مثل غانا وكوت ديفوار والسنغال وموريتانيا، بما يتيح مستقبلا ربط إنتاجها بالشبكة نفسها. وبهذا المعنى، لا يبني المشروع خطا لنقل غاز دولة واحدة، وإنما يضع الأساس لشبكة غاز إقليمية يمكن أن تصبح العمود الفقري لأمن الطاقة في غرب إفريقيا.

    وتزداد أهمية هذا البعد مع دخول منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية حيز التنفيذ. فالتكامل الاقتصادي لا يتحقق بالاتفاقيات التجارية وحدها، بل يحتاج إلى بنية تحتية تجعل انتقال السلع والطاقة ورؤوس الأموال أقل كلفة وأكثر كفاءة. ومن هنا، يصبح أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي جزءا من منظومة أوسع، تتقاطع فيها الطاقة مع الصناعة والتجارة والاستثمار، بما يهيئ لقيام فضاء اقتصادي إفريقي أكثر ترابطا وقدرة على المنافسة.

    ويجد هذا المشروع امتداده الطبيعي في التحول الذي عرفته السياسة الإفريقية للمغرب خلال العقدين الأخيرين، والقائم على بناء شراكات اقتصادية طويلة الأمد، والاستثمار في المشاريع الهيكلية ذات المنفعة المتبادلة. فقد راهن المغرب على أن التنمية المشتركة تشكل الأساس الأكثر استدامة للعلاقات بين الدول، وجعل من البنية التحتية والطاقة والخدمات اللوجستية أدوات لتعزيز التعاون جنوب-جنوب، وربط المصالح الاقتصادية بمشاريع ملموسة قادرة على إحداث أثر دائم. ويأتي أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي تجسيدا عمليا لهذه الرؤية، لأنه يحول التعاون السياسي إلى شبكة مصالح اقتصادية تمتد عبر جزء واسع من القارة.

    ولا يقف أثر المشروع عند الحدود الإفريقية. فالعالم يعيش منذ سنوات تحولات عميقة في أسواق الطاقة، دفعت الدول المستوردة إلى البحث عن مصادر أكثر تنوعا ومسارات أكثر أمنا. وفي هذا السياق، يوفر الأنبوب منفذا إضافيا لوصول الغاز الإفريقي إلى أوروبا عبر مسار جديد، بما يعزز أمن الإمدادات ويقلل من مخاطر الاعتماد على عدد محدود من خطوط التصدير. وهكذا، يلتقي البعد الإفريقي للمشروع مع متطلبات الأمن الطاقي الأوروبي في إطار شراكة تقوم على المصالح المتبادلة.

    غير أن القيمة الحقيقية للمشروع تبقى في قدرته على تغيير الطريقة التي تنظر بها إفريقيا إلى مواردها الطبيعية. فعلى امتداد عقود طويلة، ارتبطت صورة الثروات الإفريقية بتصدير المواد الخام، بينما كانت القيمة المضافة والصناعة وفرص الشغل تتولد خارج القارة. أما المشروع الأطلسي، فيطرح مقاربة مختلفة، تجعل من الموارد الطبيعية نقطة انطلاق لبناء سلاسل إنتاج وصناعات وأسواق داخل إفريقيا نفسها، بما يعزز استقلالها الاقتصادي ويرفع قدرتها على خلق الثروة.

    واليوم، وبعد سنوات من الدراسات والتنسيق وبناء الإطار القانوني والمؤسساتي، يقف المشروع أمام المرحلة الأكثر حسما، وهي الانتقال إلى التنفيذ. وستكون هذه المرحلة الاختبار الحقيقي لقدرته على تحويل الرؤية إلى واقع، من خلال تعبئة التمويلات وإطلاق الأشغال والحفاظ على مستوى التنسيق بين الدول المشاركة.

    وإذا نجح هذا الانتقال، فإن أثره سيمتد إلى ما هو أبعد من قطاع الطاقة. فالأنبوب مرشح لأن يصبح واحدا من أكبر ممرات التنمية في إفريقيا، بما يتيحه من فرص لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتطوير الصناعات التحويلية، وربط الموانئ ومناطق الإنتاج والأسواق، وجذب استثمارات جديدة على امتداد آلاف الكيلومترات. ومن شأن هذه الدينامية أن تعيد رسم خريطة النشاط الاقتصادي في غرب إفريقيا، وأن تفتح مجالات جديدة للنمو والتكامل الإقليمي.

    ولهذا، يصعب النظر إلى أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي باعتباره مجرد مشروع لنقل الغاز. فهو في جوهره مشروع لإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للقارة، وإعادة توجيه حركة الاستثمار والطاقة والصناعة نحو فضاء إفريقي أكثر ترابطا. وإذا كانت بعض مشاريع البنية التحتية تغير خرائط النقل، فإن هذا المشروع مرشح لأن يغير خرائط التنمية نفسها.

    وعندما يدخل الأنبوب مرحلة التشغيل، لن يكون النجاح مقتصرا على وصول الغاز من نيجيريا إلى المغرب أو إلى الأسواق الأوروبية، بل سيتمثل في ولادة محور اقتصادي جديد يمتد على طول الساحل الأطلسي لإفريقيا، يربط بين الموارد الطبيعية، والطاقة، والصناعة، والاستثمار، والتنمية. وعندها، سيكون هذا المشروع قد تجاوز وظيفته التقنية، ليصبح أحد أبرز التحولات الاقتصادية التي عرفتها القارة خلال العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين.

    بنطلحة: أنبوب الغاز الأطلسي يعيد رسم الجغرافيا الاقتصادية لإفريقيا Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

    مشاهدة بنطلحة أنبوب الغاز الأطلسي يعيد رسم الجغرافيا الاقتصادية لإفريقيا

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ بنطلحة أنبوب الغاز الأطلسي يعيد رسم الجغرافيا الاقتصادية لإفريقيا قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، بنطلحة: أنبوب الغاز الأطلسي يعيد رسم الجغرافيا الاقتصادية لإفريقيا.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار