“ميركاتو” الانتخابات.. موسم الهجرة إلى الـ”بام” يحول الأحزاب إلى أوعية انتخابية ...المغرب

صوت المغرب - اخبار عربية

مع الإعلان عن نهاية الولاية التشريعية الحالية، ودخول الأحزاب السياسية العد العكسي نحو الانتخابات المرتقبة في الأسبوع الأخير من شتنبر 2026، عادت ظاهرة الترحال الانتخابي إلى واجهة المشهد الحزبي من جديد.

ويلاحظ أن الدينامية الجديدة تنشط أكثر داخل وبين مكونات أحزاب الأغلبية الحكومية الثلاث: التجمع الوطني للأحرار، وحزب الاستقلال، وحزب الأصالة والمعاصرة. فخلال الأسابيع الأخيرة تسارعت وتيرة انتقال عدد من البرلمانيين ورؤساء الجماعات الترابية والأعيان المحليين بين هذه الأحزاب، بما يكشف عن حركية سياسية غير اعتيادية، قد تعيد رسم موازين القوة الانتخابية قبل موعد الاقتراع.

    غير أن الترحال الانتخابي لا يعكس، في السياق المغربي، تحولات في القناعات الإيديولوجية مثلا، بقدر ما يعكس قراءة براغماتية، وحتى انتهازية، لاتجاهات الرياح داخل مركز السلطة.

    فالأعيان، بحكم طبيعة أدوارهم ووظائفهم الانتخابية، يميلون إلى الاصطفاف مع الحزب الذي يعتقدون أنه الأقرب إلى تصدر المشهد السياسي وقيادة الحكومة المقبلة، لأنهم فاعلون يستثمرون في احتمالات الفوز أكثر مما يدافعون عن قناعات حزبية معينة.

    ومن ثم، فإن تتبع مسارات الترحال لا يكشف فقط عن انتقال أشخاص من حزب إلى آخر، وإنما يسمح أيضا بقراءة “اتجاه الرياح” داخل الحقل السياسي، أي الحزب الذي تفضله السلطة لقيادة المرحلة المقبلة.

    وعليه، يمكن القول إن الترحال الانتخابي الذي تشهده الساحة الحزبية قبيل انتخابات 2026 ليس مجرد سلوك انتخابي يتكرر عشية كل انتخابات تشريعية أو جهوية وجماعية، بل بات يمثل في العقدين الأخيرين على الأقل، مؤشرا قويا على الكيفية التي تدرك بها كتلة الأعيان في الجهات والأقاليم كيف تتحول موازين القوة من حزب إلى آخر، وكيف يعاد تشكيل التحالفات انطلاقا من توقعات الوصول إلى السلطة، وليس انطلاقا من الانتماء الحزبي أو البرنامج السياسي.

    سوق الترحال الانتخابي

    من الناحية النظرية، يفترض أن تمثل الانتخابات، اللحظة المركزية في الديمقراطية التمثيلية، لأن الأحزاب تتنافس فيها على كسب ثقة المواطنين من خلال تقديم برامج ورؤى، ومن خلال اختبار قدرتها على إقناع الناخبين بما تقدمه وتقترحه من أفكار وحلول.

    وهي أيضا لحظة يصبح فيها الناخب سيّدا، لأنه يتحول في يوم الاقتراع إلى فاعل حاسم في إعادة توزيع السلطة عبر صناديق الاقتراع. غير أن ما يميز الاستعدادات الجارية للانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026، يكشف عن دينامية مختلفة، إذ يبدو أن المنافسة الحقيقية قد تحولت بعيدا عن المواطن نحو المجال النخبوي؛ فلم تعد الأحزاب تخوض معركتها الأولى داخل المجتمع، وإنما داخل نخبة محدودة لكنها نافذة، أي عبر التنافس على استقطاب المنتخبين والأعيان ورؤساء الجماعات الترابية، خصوصا الذين يمتلكون شبكات نفوذ انتخابية محلية فعالة.

    وبهذا المعنى، لم يعد الترحال الانتخابي مجرد انتقال أعيان بين حزب وآخر، بل أصبح أحد المؤشرات القوية على الكيفية التي يعاد بواسطتها تشكيل توازنات القوة داخل الحقل السياسي.

    فحين تنتقل شخصيات ذات وزن انتخابي من حزب الاستقلال مثلا إلى حزب الأصالة والمعاصرة، كما حصل مع الخطاط ينجا في الداخلة مثلا، فإن هذه الحالة لا تنقل معها انتماءها الحزبي السابق فقط، وإنما تنقل معها أيضا رأسمالا انتخابيا واجتماعيا، يتكون أساسا من شبكات الولاء والعلاقات العائلية والقبلية والقدرة على تعبئة الأصوات.

    لذلك، لا يمكن فهم موجات الترحال التي تسبق انتخابات 2026، باعتبارها مجرد تعبير عن هشاشة الانتماء الحزبي فقط، إذ يمكن اعتبارها عملية لإعادة توزيع الموارد الانتخابية بين الأحزاب قبل انطلاق المنافسة الرسمية في يوم الاقتراع.

    وبالرجوع إلى التجارب الانتخابية لما بعد دستور 2011 حتى اليوم، يمكن القول إن الأحزاب المغربية أصبحت تتنافس فيما بينها على مرحلتين متتاليتين: الأولى تبدأ بعمليات استقطاب الأعيان النافعين ممن يمكن تسميتهم بـ”حاملي الأصوات”، على اعتبار أنهم يملكون قواعد انتخابية جاهزة ومستقرة، تعبر عن أنماط تمثيل غير سياسي، تتشكل عبر أنماط الولاء والقرابة والزبونية وغيرها، وهي قواعد انتخابية مرتبطة بالشخص/العائلة (السيمو مثلا في الشمال)، وليس بالحزب مهما تكن إديولوجيته أو برنامجه الانتخابي. ولهذا السبب يتحرك هؤلاء الأعيان وفق حسابات دقيقة للربح والخسارة، وهي حسابات تستحضر أساسا ميول السلطة ورهاناتها لا غير. في حين تبدأ المرحلة الثانية مع انطلاق الحملة الانتخابية، حيث يجري التنافس بين الأحزاب على بقية أصوات المواطنين من الكتل المتأرجحة بين هذا الحزب أو ذاك، وهي كتل كلما عزفت عن التصويت، ارتفعت قدرة الأعيان على التحكم في سوق الانتخابات أكثر.

    وعليه، يمكن القول إن الرهان الأساسي للأحزاب يبدأ أولا باستقطاب الأعيان النافعين حاملي الأصوات ممن يتوفرون على قاعدة انتخابية جاهزة ومستقرة ووفية لهم، وبهذا يضمن الحزب عددا من المقاعد في البرلمان بحسب عدد الأعيان النافعين الذين أقنعهم بالانضمام إليه. بينما الرهان على إقناع المواطن الحر والمستقل، أي المواطن فعلا، ببرنامج سياسي معين يأتي لاحقا، بل قد يخصص له وقتا أقل، على اعتبار أن المواطن النقدي هذا صعب الإقناع، وقد لا يصوت في النهاية بسبب ضعف اقتناعه بالقواعد المنظمة للعبة الانتخابية ككل. ويعني ذلك أن الجهد الأكبر للأحزاب بات يصرف قبل الحملة الانتخابية، في التفاوض حول التزكيات، وإعادة توزيع المرشحين، وفي الحفاظ على الأعيان، أو استقطابهم من الأحزاب المنافسة لتعويض من يرحل منهم.

    في هذا السياق يمكن التذكير بواقعة جهة الشرق. إذ بعد إبعاد عزيز أخنوش من رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار لصالح محمد شوكي، عبّر منتخبون وفاعلون محليون في الجهة عن رغبتهم في الرحيل من الحزب، في هزة تنظيمية كبرى، أجبرت عزيز أخنوش على التدخل شخصيا للحفاظ على تماسك الحزب بالجهة، حيث قاد لقاءات مباشرة مع المنتخبين والفاعلين المحليين من أجل احتواء حالات التذمر، وإقناع بعض الأسماء الوازنة انتخابيا بالعدول عن فكرة الالتحاق بحزب الأصالة والمعاصرة، ومن بينهم البرلماني ورجل الأعمال مصطفى توتو.

    ولا تكمن أهمية هذه الواقعة في نجاح أخنوش في الحفاظ على تماسك حزبه في جهة الشرق فقط، وإنما في دلالتها السياسية؛ إذ تكشف أن الحفاظ على المنتخبين من الأعيان النافعين، أصبح قضية استراتيجية لدى قيادة الأحرار، تستوجب أن يتنقل أخنوش في طائرة خاصة إلى وجدة من أجل الاحتفاظ بمنتخبي حزبه، بما يعني أن الصراع الانتخابي لم يعد يدار على مستوى الفروع المحلية فقط، بل أصبح جزءا من إعادة توزيع موازين القوة بين الأحزاب على المستوى الوطني.

    كما تكشف هذه الحالة عن تحول آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تغير وظيفة الأحزاب السياسية نفسها. فبدلا من أن تنصرف الأحزاب إلى توسيع قواعدها الاجتماعية، وتأطير المواطنين، وإنتاج النخب، وبناء التنظيمات المحلية، أصبحت تخصص جزءا متزايدا من مواردها لإدارة ما يشبه سوق الترحال الانتخابي، حيث تغدو التزكية موضوعا للمساومات، ربما على غرار المناقصات التي تجرى في ميدان الصفقات العمومية، في الوقت الذي أصبح المنتخب المحلي رأسمالا سياسيا تتنافس عليه الأحزاب قبل تنافسها على أصوات المواطنين.

    ويلاحظ أن هذا المنطق لم يعد يقتصر على حالات فردية معزولة، بل أصبح يشمل عائلات انتخابية بأكملها، كما تعكسه حالة عائلة السيمو بإقليم العرائش، أو انتقال عبد الحفيظ المكوتي من التجمع الوطني للأحرار إلى الأصالة والمعاصرة، أو انتقال محمد العربي احنين من حزب التقدم والاشتراكية إلى الأصالة والمعاصرة، فضلا عن إعادة التموضع التي عرفتها أسماء أخرى خلال مرحلة التزكيات. وتؤكد هذه الحالات أن ترحال أعيان بين الأحزاب لا يعني ترحال أفراد، وإنما ترحال شبكات نفوذ انتخابية كاملة.

    يدفعنا هذا التحليل إلى القول إن الدينامية الجارية حول ترحال الأعيان تستوجب إعادة النظر في طبيعة المنافسة الانتخابية في السياق المغربي. فمن زاوية نظرية، يفترض أننا إزاء منافسة مباشرة بين الأحزاب على أصوات المواطنين، لكن من زاوية واقعية يبدو أن المنافسة الانتخابية في سياقنا باتت تمر عبر مستوى وسيط، يتمثل في المنافسة على شبكة من الأعيان النافعين، باعتبارهم وسطاء انتخابيين ممن يحتكرون، بدرجات متفاوتة، الإمكانات والقدرات اللازمة لتعبئة الكتل الناخبة في دوائرهم الانتخابية.

    بهذا المعنى، فإن الترحال الانتخابي لا يعكس فقط ضعف الالتزام الحزبي، كما يُقال، بل يكشف عن استمرار مركزية الأعيان في إنتاج أنماط بديلة عن التمثيل السياسي باعتباره علاقة سياسية عقلانية، كما يكشف عن محدودية قدرة جل الأحزاب على الاعتماد على قواعدها التنظيمية الذاتية لتعبئة القاعدة الناخبة من أجل الفوز في الانتخابات.

    بناء عليه، إذا تم تجاوز النظرة الأخلاقية أو القانونية إلى ظاهرة الترحال الانتخابي، يمكن أن نكشف عن الوجه الآخر للظاهرة، باعتبارها مؤشرا بنيويا على الكيفية التي يعاد بواسطتها تشكيل ميزان القوة داخل وبين الأحزاب السياسية.

    فكلما اتسعت حركة استقطاب الأعيان النافعين، دلّ ذلك على اتجاه الرياح لدى السلطة، كما يدل السلوك نفسه على ميول الأحزاب نفسها التي أصبحت تراهن أكثر على قواعد اجتماعية جاهزة، أكثر من الرهان على بناء قواعد اجتماعية جديدة. وكلما نشطت الأحزاب في استقطاب الأعيان، دلّ ذلك أيضا على تحول في طبيعة المنافسة الانتخابية، التي لم تعد تبدأ يوم افتتاح الحملة الانتخابية، وإنما منذ اللحظة التي تبدأ فيها الأحزاب بفتح أبوابها أمام إعادة توزيع الأعيان النافعين فيما بينها، لأن هذه المرحلة هي التي تحدد، إلى حد بعيد، موازين القوة التي ستدخل بها إلى يوم الاقتراع.

    “البام”… الوعاء الجديد

    إذا كان الترحال الانتخابي يعكس، في أحد أبعاده، هشاشة الحقل الحزبي وتراجع الالتزم السياسي، فإنه يعكس، في بعده الأعمق، محاولة النخب المحلية من أعيان وغيرهم استباق اتجاهات الرياح داخل مركز السلطة. وإذ أصبح حزب الأصالة والمعاصرة الوجهة الأكثر جاذبية للأعيان النافعين، كما تؤكد ذلك عدة تقارير إعلامية، فإن السؤال هو لماذا أصبح هذا الحزب، دون غيره، الوجهة الأكثر جاذبية للرأسمال الانتخابي المحلي؟

    لا يبدو أن الجواب يكمن في تحول جذري في هوية الحزب أو في تجديد خطابه أو في تقديم مشروع سياسي مختلف. فالأصالة والمعاصرة لم يشهد، خلال سنواته الأخيرة، أية مراجعة فكرية كبرى، ولا حتى إعادة بناء في برنامجه السياسي، حتى يمكننا تفسير حجم الاستقطاب الذي عرفه مؤخرا. لكن ما تغير، في المقابل، هو موقع الحزب داخل إدراك الأعيان وجزء من النخب المحلية والوطنية. إذ أخذ يتشكل، تدريجيا، انطباع لدى عدد من المنتخبين والأعيان بأن الحزب يوجد في موقع متقدم ضمن معادلة السلطة المقبلة، وأن الاستثمار السياسي داخله قد يكون أكثر جدوى من البقاء في مواقعهم السابقة.

    نظريا، قد تكون الإدراكات أكثر تأثيرا من الوقائع نفسها. فالفاعلون لا يبنون قراراتهم على ما تحقق فعلا، وإنما على ما يعتقدون أنه سيتحقق. لذلك لا ينتظر الأعيان إعلان نتائج الانتخابات حتى يعيدوا تموقعهم، بل يتحركون بمجرد أن يقتنعوا بأن اتجاه الرياح بدأ يميل في اتجاه معين. ومن هنا يمكن فهم ما اصطلح عليه إعلاميا بـ”مفعول لقجع”. فمجرد تداول فرضية التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة، وربط اسمه بإمكانية قيادة ما سمي إعلاميا بـ”حكومة المونديال”، قد ساهم في تعزيز الصورة الذهنية حول الحزب باعتباره أحد أكثر الأحزاب حظا في المرحلة المقبلة. ولا يعني ذلك أن انتقال الأعيان حصل فعلا بسبب “مفعول لقجع”، لكنه يكشف كيف تتحول لغة الإشارات السياسية إلى عنصر مؤثر في حسابات الفاعلين.

    وتؤكد طبيعة الالتحاقات التي عرفها الحزب أن الأمر لا يتعلق باستقطاب مناضلين جدد، بقدر ما يتعلق باستقطاب رأسمال انتخابي جاهز. فالخطاط ينجا، رئيس جهة الداخلة–وادي الذهب، ليس مجرد اسم سياسي التحق بحزب جديد، بل نقل معه شبكة واسعة من المنتخبين والفاعلين المحليين، بما يجعل انتقاله أقرب إلى رحيل مركز ثقل انتخابي كامل داخل الأقاليم الجنوبية من الاستقلال نحو “البام”.

    وتقدم حالة عبد الحق شفيق بالدار البيضاء نموذجا آخر على هذا النوع من الترحال الانتخابي الجديد، وهو الذي برّر انتقاله بمنطق “الترشح النافع”، أي اختيار الحزب الذي يعتقد أنه يمتلك أكبر فرصة للمشاركة في الحكومة المقبلة.

    وفي العرائش، حملت حالة زينب السيمو دلالة مختلفة؛ إذ لم يعد الأمر يتعلق بترحال فردي، وإنما بتوزيع الرأسمال الانتخابي للعائلة الواحدة بين أكثر من حزب، بعدما احتفظ محمد السيمو، لحد الآن، بتموقعه داخل التجمع الوطني للأحرار، في الوقت الذي اختارت فيه ابنته الترشح باسم الأصالة والمعاصرة. كما تندرج في السياق نفسه انتقالات أخرى، من قبيل عبد الحفيظ المكوتي، أو إعادة تموقع شخصيات محلية ذات نفوذ انتخابي، بما يؤكد أن ما يجري هو انتقال لشبكات انتخابية أكثر منه انتقال لأفراد.

    تكشف هذه الحالات، على اختلاف سياقاتها، عن تحول في طبيعة المنافسة الحزبية، كما سبقت الإشارة. فالأحزاب لم تعد تتنافس، في المقام الأول، على كسب ثقة المواطنين، وإنما على استقطاب الوسطاء الذين يملكون القدرة على تعبئة المواطنين. وهذا يعني أن الأحزاب لم تعد تفكر في بناء قاعدة اجتماعية جديدة، بل صارت أولوياتها تتركز حول كيفية استقطاب حصتها من الأعيان النافعين ممن يمتلكون قاعدة انتخابية جاهزة. ويمكن القول أيضا، إن الحزب السياسي في المغرب لم يعد معنيا بالتأطير السياسي بقدر ما أصبح وعاء لجلب الرأسمال الانتخابي المتحرك بين الأحزاب.

    وإذا كان حزب الأصالة والمعاصرة هو الوجهة الأكثر استقطابا للأعيان عشية انتخابات 2026، فهو ليس سوى تجربة مكررة في السياق المغربي، إذ أنه يعيد في العمق ما حصل مع حزب التجمع الوطني للأحرار قبيل انتخابات 2021.

    فقد تحول الأحرار آنذاك إلى الوجهة المفضلة للأعيان والمنتخبين المحليين، بعدما ترسخ لديهم الاعتقاد بأنه الحزب الأقرب إلى قيادة الحكومة. واستقطب الحزب، خلال تلك المرحلة، عددا كبيرا من المنتخبين القادمين من أحزاب مختلفة، قبل أن يترجم ذلك انتخابيا بحصوله على 102 مقاعد وتصدره نتائج الانتخابات، مقابل 86 مقعداً للأصالة والمعاصرة.

    واليوم، يبدو أن المشهد يعيد إنتاج نفسه، ولكن مع اختلاف الحزب المستفيد. فالحزب الذي كان يجذب الرأسمال الانتخابي سنة 2021، أصبح يجد نفسه سنة 2026 في موقع الدفاع عنه، بينما تحول الأصالة والمعاصرة إلى الوعاء الجديد الذي تتجه إليه حركة اتجاه الريح.

    وتكشف طريقة تفاعل التجمع الوطني للأحرار مع هذه التحولات حجم التغير الذي عرفته موازين القوة. فانتقال عزيز أخنوش شخصيا إلى جهة الشرق من أجل احتواء احتمال مغادرة بعض المنتخبين، وفي مقدمتهم مصطفى توتو، لم يكن مجرد نشاط حزبي عادي، بل مؤشر على أن المعركة الأساسية أصبحت تدور حول الحفاظ على الرأسمال الانتخابي قبل يوم الاقتراع.

    فالحزب الذي كان قبل خمس سنوات يستقطب الأعيان، أصبح مطالبا اليوم بمنع هجرتهم والحفاظ عليهم، بينما يمارس الأصالة والمعاصرة الدور الذي كان يؤديه الأحرار في الاستحقاق السابق.

    غير أن المقارنة بين التجربتين تكشف أيضا حدود هذا التفسير. فليس “مفعول أخنوش” بالأمس ولا “مفعول لقجع” اليوم هو الذي يفسر، وحده، حركة الأعيان. فالاسم، مهما كانت رمزيته، لا ينتج الظاهرة بمفرده، وإنما يعمل داخل سياق أوسع يتشكل فيه إدراك جماعي بأن حزبا معينا أصبح أقرب إلى مركز القرار. ومن ثم، فإن الأشخاص قد يتغيرون، لكن القاعدة التي تحكم سلوك الأعيان تكاد تظل ثابتة: إعادة التموضع نحو الحزب الذي يبدو، في لحظة معينة، الأكثر قدرة على تمثيل السلطة المقبلة.

    وبالتالي، فإن حزب الأصالة والمعاصرة ليس، في الحقيقة، استثناء في الحياة الحزبية المغربية، بل يمثل الحلقة الأخيرة في سلسلة من الأحزاب التي تحولت، في لحظة معينة، إلى وعاء للرأسمال الانتخابي. وما يتغير من استحقاق إلى آخر ليس منطق انتقال الأعيان، وإنما الحزب الذي يستقبلهم.

    وفي الجوهر، لعل المشكلة لا تكمن في حزب بعينه، بل في بنية تنافس انتخابي أصبحت تمنح الأولوية لاستقطاب الأعيان قبل التنافس على أصوات المواطنين.

    الترحال.. تحويل الحزب إلى وعاء انتخابي

    انطلاقا مما سبق، يبدو أن شد الرحال من لدن الأعيان نحو حزب الأصالة والمعاصرة ليس سوى حلقة في مسار قد يمنحه زخما انتخابيا لا أكثر. لأنه ثمة فرق جوهري بين الحزب الذي ينجح في الفوز بالانتخابات، والحزب الذي ينجح في بناء تنظيم سياسي متماسك.

    الأول يقاس بنتائج صناديق الاقتراع، أما الثاني فيقاس بقدرته على إنتاج النخب، وتأطير المواطنين، والمحافظة على تماسكه بغض النظر عن تغير الظرف الانتخابي. ومن هذه الزاوية، لا يضمن الترحال سوى الحصول على قوة انتخابية نسبية جدا، دون أن يضمن بالضرورة ترسيخ قوة الحزب باعتباره فكرة ومشروعا سياسيا.

    وتكشف هذه التطورات عن تحولات عميقة في طبيعة الحزب السياسي بالمغرب. ففي العقود الماضية، تأسس الحزب السياسي حول مشروع سياسي أو هوية إيديولوجية أو قاعدة اجتماعية مستقرة، مثلما هو الحال بالنسبة لأحزاب الحركة الوطنية واليسارية والإسلامية، بينما أصبح الحزب يتشكل اليوم، وبصورة متزايدة، حول قدرته على استقطاب الأعيان وحاملي الرأسمال الانتخابي.

    وتدريجيا، صارت قيمة الحزب، مثل الأحرار والبام، تقاس بما يستقطبه من منتخبين جاهزين، وليس بما ينتجه من مناضلين أو نخب سياسية. وهكذا، لم يعد الترحال يعيد توزيع فائض الأعيان بين الأحزاب فقط، بل أصبح يعيد تشكيل الأحزاب نفسها بوصفها أوعية انتخابية أكثر منها مؤسسات سياسية.

    وتؤكد التجربة المغربية خلال العقدين الأخيرين هذا التحول. فالحزب الذي يصبح الوجهة المفضلة للأعيان في استحقاق انتخابي، يتحول بعد سنوات إلى حزب يفقد جزءا من هؤلاء الأعيان لصالح منافس جديد. وهذا ما حدث مع الأصالة والمعاصرة سنة 2011، ثم مع التجمع الوطني للأحرار بعد انتخابات 2021، ويبدو أن الدورة نفسها تتكرر قبيل انتخابات 2026.

    ما يتغير في كل مرة ليس دوران الأعيان بين الأحزاب فقط، وإنما أيضا الحزب الذي يؤدي وظيفة “الوعاء الانتخابي” في لحظة سياسية معينة، بما يعني أن الرأسمال الانتخابي أكثر استقرارا من الانتماء الحزبي نفسه.

    إن أخطر ما ينتجه هذا النمط من التنافس هو انتقال الأحزاب تدريجيا من منطق المشروع السياسي إلى منطق المشروع الانتخابي. فحين يصبح استقطاب الأعيان النافعين أكثر جدوى من تكوين المناضلين، واستيراد الرأسمال الانتخابي أكثر فاعلية من إنتاجه، تتراجع وظائف الحزب التقليدية في التأطير والتنشئة وصياغة البدائل السياسية، لصالح وظيفة أكثر براغماتية تتمثل في إدارة الموارد الانتخابية قبل كل استحقاق. وبهذا المعنى، يسهم الترحال في إعادة إنتاج أحزاب انتخابية، أكثر مما يسهم في بناء أحزاب مشاريع سياسية.

    “ميركاتو” الانتخابات.. موسم الهجرة إلى الـ”بام” يحول الأحزاب إلى أوعية انتخابية صوت المغرب.

    مشاهدة ldquo ميركاتو rdquo الانتخابات موسم الهجرة إلى الـ rdquo بام rdquo يحول

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ ميركاتو الانتخابات موسم الهجرة إلى الـ بام يحول الأحزاب إلى أوعية انتخابية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، “ميركاتو” الانتخابات.. موسم الهجرة إلى الـ”بام” يحول الأحزاب إلى أوعية انتخابية.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار