حين مَاتَ الصَّوْتُ أمَام العُيون ...المغرب

هسبريس - اخبار عربية

كيف يستطيع الإنسان أن يشاهد رجلا يطلب النجدة ثم يواصل حياته كأن شيئا لم يقع؟ كيف تتحول كلمة «ساعدوني» إلى صوت معلق بين الأرض والسماء، ثم تنتهي إلى صمت لا يملك صاحبه بعده حق التوضيح ولا فرصة الدفاع؟ شاهدت مقطعا من اللحظات الأخيرة في حياة المواطن المغربي عبد الرحيم فقير، فشعرت أن الصورة لا تنقل موت رجل واحد، وإنما تكشف موت معنى كامل من معاني الرحمة والمسؤولية.

ماذا رأينا في ذلك المقطع؟ رأينا جسدا محاصرا، ونفسا يضيق، وصوتا يضعف، وأعينا تراقب، وأيْدِيًا تملك القوة، فيما الحياة تنسحب ببطء من إنسان ظل يعلن عجزه عن التنفس. هل كان يحتاج المشهد إلى مزيد من الصراخ حتى يفهم الواقفون أن الخطر صار وشيكا؟

    هل كان يجب أن يتوقف قلبه كي يدرك الجميع أن الاستغاثة لم تكن تمثيلا، وأن السكون لم يكن استسلاما، وأن الجسد الذي كفّ عن المقاومة لم يهدأ وإنما انهار؟ كيف يموت الإنسان وهو يشرح موته، وكيف يتحول طلب الهواء إلى آخر ما يقوله قبل أن يصير اسمه قضية وصورته دليلا وصمته اتهاما؟

    شاهدتُ المقطع مثلَ غيري فتمنَّيت لو أنني لم أشاهده. بعض الصور تمر أمام العين ثم تختفي، وهذه الصور دخلت الذاكرة بعُنف واستقرَّت فيها مثل جرح مفتوح. رأيت جسدا ملقى على الأرض، وأيدي تحاصره، ووجها يلامس الإسفلت، وصوتا يتضاءل تحت ثقل الخوف والعجز. لم أر مجرما يهدد مدينة، رأيت إنسانا يستغيث بمن يفترض فيهم أن يحموا حياته.

    جاءت استغاثته قصيرة، متقطعة، خائفة. طلب المساعدة. قال إنه لا يستطيع التنفس. قاوم جسده كي يحصل على جرعة هواء، فيما استمرت القبضة حوله حتى سكَن تماما. لا يحتاج الإنسان إلى معرفة طبية دقيقة كي يدرك أن الصمت الذي يعقب الاستغاثة ليس هدوءا، وأن الجسد الذي يتوقف عن المقاومة لا يعلن انتهاء الخطر، وإنما يعلن اقتراب النهاية.

    ما أقسى أن يموت المرء وهو يشرح موتَه لمن يقفون حوله. ما أقسى أن يصرخ: «لا أستطيعُ التنفس»، ثم لا يجد في الوجوه القريبة منه خوفا يوازي خوفه، ولا استعجالا يليق بحياة تنسحب أمامهم. كانت كلماته تقريرا فوريا عن انهيار جسده، وكانت حركته المتعبة إنذارا واضحا، وكان صمته الأخير دليلا لا يحتاج إلى مترجم.

    لا يملك المقطع وحده سلطة إصدار حكم قضائي نهائي، لكنه يملك قوة طرح سؤال أخلاقي لا تستطيع أي مؤسسة دفنه: لماذا استمرت السيطرة على رجل فقد قدرته على المقاومة؟ متى تحوّلت مهمة إخضاع شخص مضطرب إلى مشهد ينتهي بجثة؟

    كيف حضر الأمن وغاب الأمان؟ كيف وقفت الخبرة الطبية قريبة من الجسد ولم تمنع النهاية؟ التحقيق وحده يحدد المسؤوليات الجنائية، أما الضمير فيعرف منذ اللحظة الأولى أن إنسانا مات بطريقة لا يجوز لأي مجتمع يحترم الكرامة أن يقبلها.

    قد يقول البعض إن عبد الرحيم تصرف باضطراب، أو أتلف ممتلكات، أو أخاف مَنْ حوله. لا تمنح هذه الأفعال أحدا رخصة لإنهاء حياته. القانون يوقف الإنسان، يحاسبه، يعالجه حين يحتاج إلى العلاج، ويحميه من نفسه ومن الآخرين. القانون لا يعاقب الجسد بالاختناق، ولا يحول الاضطراب النفسي إلى حُكم بالموت.

    كان عبد الرحيم أكثر من اسم في عنوان إخباري. عاش سنوات طويلة في إيطاليا، عمل، وأنشأ نشاطا صغيرا في التنظيف ونقل الأثاث، وحمل همومه كما يحمل ملايين المهاجرين همومهم في مدن لا تمنحهم دائما الشعور الكامل بالانتماء. كان له أهل ينتظرون صوته، وامرأة عرفت تفاصيل أيامه، وعائلة رأت في المقطع نهاية رجل من لحم وذاكرة وحكايات.

    آخر ما رآهُ عبد الرحيم

    يزيد المشهد قسوة أن عبد الرحيم لم يمت وحيدا في مكان معزول. مات أمام أعين مفتوحة، وأمام هواتف تُسجِّل، وأمام سلطة تملك القوة، وأمام أشخاص يملكون المعرفة الطبية. حولت الكاميرا لحظته الأخيرة إلى شهادة عامة، وأسقطت المسافة المريحة التي تسمح للمجتمعات بإنكار ما يقع في زواياها المعتمة. شاهد العالم الرجل يطلب حقه الأول والأبسط: أن يتنفس.

    لا يجوز أن يتحول الغضب على موته إلى اعتداء أعمى، يجب أن يتحول الغضب إلى ضغط قانوني وإعلامي وحقوقي لا يهدأ، وإلى مطالبة بتشريح مستقل، وتحقيق شفاف، ونشر كامل للتسجيلات، وفحص دقيق لتصرفات عناصر الشرطة وطواقم الإسعاف، ومحاسبة كل من يثبت أنه أخطأ أو أهمل أو تجاوز سلطته. العدالة لا تحتاج إلى انتقام، تحتاج إلى حقيقة كاملة لا تحميها الرُّتب ولا تخنقها المصالح السياسية.

    لا نريد بيانات باردة تطلب منا انتظار النتائج ثم تنسى اسم الرجل. لا نريد خطابا يشرح لنا صعوبة التدخل الأمني ويصمت عن صعوبة الموت تحت الأيدي. لا نريد أن تتقدم صورة المؤسسة على حياة المواطن، أو أن تتحول قرينة البراءة إلى ستار يمنع الأسئلة. قرينة البراءة تحمي الأفراد من الأحكام المتعجلة، ولا تمنع المجتمع من المطالبة بالحقيقة والمساءلة.

    لا تخص قضية عبد الرحيم فقير المغاربة وحدهم، ولا تخص المهاجرين وحدهم، ولا تخص مدينة بولونيا وحدها. إنها تختبر معنى الدولة حين تستخدم القوة، وتختبر قيمة الإنسان حين يبدو ضعيفا ومضطربا وغريبا، وتختبر قدرة العدالة على النظر في عيون السلطة من غير خوف. المجتمع الذي يسمح بمرور هذا المشهد من دون مراجعة صارمة يهيئ الأرض لمشهد آخر وضحية أخرى واستغاثة أخرى.

    رحل عبد الرحيم وترك جملة معلقة فوق ضمير العالم: «لا أستطيع التنفس». يجب ألا تتحول هذه الكلمات إلى صدى عابر في ذاكرة الإنترنت. يجب أن تبقى اتهاما أخلاقيا يطارد الصمت، وسؤالا يواجه المؤسسات، ونداء يفرض إصلاح قواعد التدخل الأمني مع الأشخاص الذين يمرون بأزمات نفسية أو صحية. حياته انتهت، غير أن حقه في الحقيقة لم ينته. صوته انقطع، غير أن مسؤوليتنا تبدأ من اللحظة التي سمعناهُ فيها.

    رحم الله عبد الرحيم فقير، وصبَّر أسرته، وأنصفه بعد موته. لعل العدالة تعيد لاسمه بعض ما سلبته منه تلك اللحظات القاسية. لا تستطيع العدالة أن تعيد إليه أنفاسه، لكنها تستطيع أن تمنع تحويل موته إلى رقم، وأن تقول بوضوح إن الإنسان لا يفقد حقه في الحياة حين يضطرب، ولا يفقد كرامته حين تسقطه القوة أرضا، ولا يصبح جسده مباحا حين يحمل اسما مغربيا في شارع أوروبي.

    لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر.

    حين مَاتَ الصَّوْتُ أمَام العُيون Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

    مشاهدة حين م ات الص و ت أم ام الع يون

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حين م ات الص و ت أم ام الع يون قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، حين مَاتَ الصَّوْتُ أمَام العُيون.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار