تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة الثالثة: تخطيط المدرسة، نعم. لكن إلى أيّ حدّ؟ ...المغرب

اليوم 24 - اخبار عربية
تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة الثالثة: تخطيط المدرسة، نعم. لكن إلى أيّ حدّ؟

يشبه التخطيط الاستراتيجي في الإصلاح التربوي أساسات البيت: غير مرئي، لكنه لا غنى عنه. لقد استثمر المغرب سنوات وطاقات هائلة في بناء صرح من القيادة الهندسيّة، تثير براعته التقنيّة الإعجاب. رؤية استراتيجيّة، قانون إطار، خارطة طريق، مؤشرات أداء، لوحات قيادة، نظام « مسار » للمعلوماتيّة – كلّ شيء في مكانه من أجل حكامة حديثة ودقيقة. ومع ذلك، حين ننزل إلى الميدان، وحين ننصت إلى الأساتذة والآباء والتلاميذ، يكشف السؤال عن شعور خفيّ بالانفصال. التخطيط نموذجي، لكن تنفيذه يعاني. وهذه الفجوة، بين جمال الخطط وخشونة الواقع، هي ربما أكبر تحدٍّ يواجه الإصلاح التربوي المغربي.

انتصار التقنية

    يجب أن نعترف بالإنجاز الذي لا يمكن إنكاره. لقد نجح المغرب، في عقد واحد، في الانتقال من رؤية فلسفيّة إلى آلة قيادة بالأرقام والمؤشرات. فتكاملت الرؤية الاستراتيجيّة 2015-2030، والقانون الإطار 51.17، والمشاريع 18 التي صاغتها الوزارة في نهاية الولاية الحكومية 2016-2021 واندرجت في سلسلة مترابطة ومنطقيّة وقابلة للتحقّق. فأصبح كلّ هدف يُترجم إلى مشاريع مرصودة، تُتبع بمؤشرات أداء في إطار قانون الماليّة. ويوفّر نظام « مسار » معطيات أكثر من من ثمانية ملايين تلميذ، ممّا يسمح بمتابعة آنيّة للأعداد، والنتائج، والمسارات. وتسمح لوحة القيادة الاستراتيجيّة بقيادة عن بُعد، من الوزارة إلى أبعد مدرسة في المناطق النائية. ولم نعد نتحدّث عن « تحسين الجودة » بشكل فضفاض، بل عن « رفع نسبة إتقان الأساسيّات في القراءة بـ10% بحلول 2026 ». لقد حلّت لغة الأداء والنتائج محلّ لغة النوايا الحسنة والتصريحات العموميّة.

    على مستوى القياس والإحصاء، المغرب في طليعة منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فجميع الأهداف الاستراتيجيّة تقريباً مقترنة بمؤشرات رقميّة وأهداف زمنيّة محدّدة. وتحصي مشاريع الأداء، المدمجة في قانون الماليّة، أكثر من 130 مؤشراً دقيقاً – نسب التأطير، نسب النجاح في الامتحانات، نسب الهدر المدرسي، وغيرها. وحتّى المجالات المعقّدة كالتربية على القيم والحكامة التشاركية رُقمنت وحُوّلت إلى مؤشرات عملياتيّة: عدد الكتب المدرسيّة المنقّحة، نسبة المؤسّسات التي اعتمدت مشروعاً خاصا بها، نسبة الأطر المكوّنة في التدريس الصريح. إنّ قيادة الإصلاح هي حقيقة واقعة، وليست مجرّد شعار. وهذا تقدّم هائل، يميّز المغرب عن كثير من بلدان المنطقة حيث القيادة تبقى انطباعية، بل معدومة في بعض الأحيان. وهذه الدقّة التقنيّة تكتسي أهمية مضاعفة لأنها تندرج في حركة أوسع لتحديث الدولة، قادها القانون التنظيمي لقانون الماليّة لسنة 2016، الذي فرض منطق الأداء على جميع القطاعات الوزاريّة.

    فشل التنفيذ

    غير أن هذا الإنجاز التقنيّ يصطدم بجدار من الوقائع الصلبة. فمؤشّر تحقيق الأهداف لا يحتمل التأويل: على مستوى البنايات والعرض التربوي، تلامس نسبة الإنجاز 80%. فالمدارس شُيّدت، والأساتذة انتدبوا، والألواح الإلكترونيّة وُزّعت، والمطاعم المدرسيّة فُتحت. التخطيط اللوجستي نجاح لا يُنكر، يشهد على قدرة المنظومة على تعبئة وسائل هائلة في آجال مضغوطة. لكن في مستوى التعلّمات – الهدف الأسمى لأيّ إصلاح تربوي – لا تتجاوز نسبة الإنجاز 35 إلى 40% من الأهداف المحدّدة. ونتائج المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي مثيرة للقلق: في السنة الرابعة ابتدائي، 19% فقط من التلاميذ يبلغون المستوى المطلوب في القراءة، رغم تحسّن ملحوظ خلال المرحلة التجريبيّة لبرنامج الدعم البيداغوجي، الذي رفع النسبة من 10% إلى 23% في الاختبار البعديّ. وتراجعت نتائج TIMSS 2023 بشكل دراماتيكي، إذ لا يتجاوز 18% من تلاميذ الإعدادي الحدّ الأدنى في العلوم، مقابل قرابة النصف في 2019. والهدر المدرسي، بدلاً من الانحسار، يستقرّ حول 276 ألف طفل سنويّاً، بعد أن كان قد عاد للارتفاع مقارنة بانخفاض 2021 الذي سجّل 219 ألفاً و638 حالة انقطاع. المنظومة توفر الوسائل، لكنها لا توفر النتائج. وهذا انفصال مؤلم، يكشف حدود تخطيط مركّز على المدخلات دون المخرجات، مفرط في الاهتمام بالإجراءات ومقصّر في العناية بالغايات النبيلة.

    ضجيج الإصلاحات وصمت القاعدة

    مؤشّر آخر يدقّ ناقوس الخطر بحدة: وضوح وملاءمة الأهداف الاستراتيجيّة لفاعلي الميدان. أطر الإدارة يتقنون أسرار الإصلاح ويعرفون لغته وأدواته. أمّا الأساتذة، فهم تائهون. يعانون من « تضخم الإصلاحات » المتتالية التي ترهقهم وتُفقدهم البوصلة. رؤية، قانون إطار، خارطة طريق، نموذج تنموي جديد، مدارس رائدة، تدريس صريح، دعم بيداغوجي – لم يعودوا يعرفون أيّ مرجعية تسود، وأيّ مسار يتبعون، وأيّ طريقة يطبّقون. إنهم متّفقون على أهميّة الأساسيّات – لا أحد ينكر ضرورة القراءة والكتابة والحساب – لكنهم متشكّكون بشدّة في شروط التنفيذ. فصول مكتظّة، وسائل بيداغوجيّة ناقصة، تكوين أساس ومستمر غير كاف، غياب الاعتراف الاجتماعي، وقبل كلّ شيء دور تنفيذي محض يحوّلهم إلى مصرفين لسيناريوهات بيداغوجيّة تصاغ في الرباط، دون أيّ هامش للتكيف المحلي. ومعطيات TALIS 2024 بليغة: 29% فقط من الأساتذة يرون أن آراءهم محلّ تقدير من صنّاع القرار السياسي. أكثر من 70% منهم يشعرون بالإقصاء من عمليّة تصميم الإصلاحات. وريبة الإدارة التاريخيّة، التي تغذّيها عقود من الوعود غير المنجزة، تسمّم إدراك الإصلاح وتقوّض الحماسة الضرورية لأيّ تغيير دائم.

    أمّا الآباء، فلا يفقهون لغة المصطلحات التقنيّة التي يتقنها الاستراتيجيون. فالإصلاح يبدو لهم خطاباً بعيداً، مجرّداً، منفصلاً عن همومهم اليوميّة وعن الصعوبات الملموسة التي يواجهونها مع مدرسة أبنائهم. إنهم يؤمنون بمدرسة الجودة والإنصاف – من لا يؤمن؟ – لكنهم لا يرون كيف ستحسّن المسار المعلن مدرسة حيّهم، قريتهم، منطقتهم. فالإستراتيجيّة تُدرَك كشأن للخبراء المحصورين في مكاتب العاصمة، لا كمشروع جماعي يشركهم ويحمّسهم. وهذا الإدراك يتعزّز بالغموض الاستراتيجي بين المرجعيّات المختلفة – القانون الإطار من جهة، والنموذج التنموي الجديد من جهة أخرى – ممّا يربك قراءة الصورة العامة ويغذّي/ الريبة حول النوايا الحقيقيّة للحكومة.

    تهميش الرؤية الاستراتيجية

    يكشف مؤشّر الاتساق الوطني عن جوهر المشكلة، حيث يُلعب مستقبل الإصلاح برمّته. كانت الرؤية الاستراتيجيّة 2015-2030 مشروعاً مجتمعياً شاملاً، تعتبر المدرسة بوتقة للتحوّل المواطناتيّ والثقافي والاجتماعي، لا مجرّد أداة للتكوين المهني. وجعلها القانون الإطار إطاراً قانونياً ملزماً لجميع الفاعلين. لكن تدخّل النموذج التنموي الجديد سنة 2021 عمل كمنخل مختزل، بل كمنشار مفاهيمي. فبتركيزه على أولويّات قابلة للقياس التقني – التعلّمات الأساسيّة، المؤشّرات الرئيسيّة للأداء، النتائج الرقميّة قصيرة المدى – أجرت الحكومة « تقطيعاً » للرؤية الأولى. بعض الملفات الحسّاسة، كالتربية على المواطنة، وإصلاح المحتويات المرتبطة بالهويّة والقيم، وإعادة هيكلة تكوين الأساتذة في منظور التنمية الشخصيّة، أُزيلت بهدوء من النقاش العمومي. فُضّلت الإجراءات التوافقيّة، والمكاسب السريعة، والنتائج سهلة القياس والتواصل، على حساب مشروع المجتمع الذي كان علّة وجود الإصلاح. ولم تعد المدرسة تُعتبر بوتقة مستقبل مشترك، ولا فضاءً متميّزاً للتماسك الاجتماعي والحراك الصاعد، بل جهازاً إنتاجيّاً يجب أن يظهر نتائج رقميّة في آجال محدّدة. والانزياح الدلالي ليس هامشيّاً: إنه عرض يعبر عن تخلٍّ صامت عن طموح إصلاحي كان قد أثار آمالاً كبيرة.

    النتيجة: تخطيط لامع وتنفيذ هش

    في نهاية هذا التحليل، يمكن التأكيد بأن المغرب أجاد في تصميم إطار تخطيط استراتيجي رفيع المستوى. وهو نجاح تقني لا يُنكر، يضع المملكة في صدارة بلدان المنطقة في مجال القيادة الاستراتيجيّة. لكنه يصطدم بصعوبات كبرى في التنفيذ، وفي الترجمة العملياتيّة، وفي إثبات الفعاليّة في أعين المعنيّين الأساسيّين – الأساتذة والآباء والتلاميذ.

    التخطيط نجاح تقني. التنفيذ إخفاق نسبي، يهدد بتشويه سمعة المشروع برمّته. التملّك الاجتماعي هشّ، بل في طريقه إلى التفتّت. المنظومة قادرة على تمدرس عدد أكبر من الأطفال، وبناء مدارس أكثر، وانتداب أساتذة أكثر. لكنها تفشل في ضمان اكتساب المعارف والكفايات الأساسيّة للجميع. إنها تنتج مؤشّرات لامعة، لكن ليس بعد مواطنين متفتّحين، ناقدين، ملتزمين. تنسّق نصوصاً، لكن ليس بعد الإرادات، والطاقات، والتطلّعات.

    للخروج من هذا المأزق، لا بدّ من صحوة وشجاعة سياسيّتين. فالمصالحة بين التخطيط والميدان تقتضي أوّلاً القبول بأن الاستراتيجيّة لا تُفرض في مكاتب الرباط: إنها تُعاش في الفصول، وتُشارك مع الأساتذة، وتُبنى مع الآباء والتلاميذ. وتقتضي ثانياً استعادة الاتساق والهرميّة بين المرجعيّات – إعطاء القانون الإطار سيادته، والنموذج التنموي الجديد مكانته كمكمّل، لا كبديل. وتقتضي أخيراً القبول بأن تحويل المدرسة ليس مسألة مكاسب سريعة ولا تواصل منتصر، بل مشروع طويل الأمد، يتطلّب ثباتاً وشجاعة وشفافية وثقة.

    للمغرب الأدوات. له النصوص. له الهياكل. عليه الآن أن يجد الإرادة السياسيّة لاستخدامها بالكامل، والتواضع للإنصات إلى الذين بهم كلّ يوم تحيا المدرسة، والمثابرة على مواصلة المسار، دون الانصياع لإغراءات الاستعجال ولا لأوهام القصير المدى. التخطيط فنّ. التنفيذ انضباط. لا ينتج أحدهما دون الآخر سوى سراب وخيبات.

     

    مشاهدة تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015 2030 الحلقة الثالثة تخطيط المدرسة نعم لكن

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015 2030 الحلقة الثالثة تخطيط المدرسة نعم لكن إلى أي حد قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على اليوم 24 ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة الثالثة: تخطيط المدرسة، نعم. لكن إلى أيّ حدّ؟.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار