عندما ظهر هذا العمل سنة 2005، لم يكن مجرد رواية سياسية عابرة، بل كان نصًا صادمًا يضع السلطة أمام مرآتها القاسية. ثم عاد في طبعة موسعة سنة 2016 عن دار منشورات القرن 21 (21 Century Publications) بالجزائر. وبعد عقد من الزمن، يبدو غريبًا أن يُقرأ هذا الكتاب في 2026 وكأنه كُتب اليوم؛ لأن الأسئلة التي طرحها عبد العزيز غرمول لم تفقد حدتها، ولأن الآليات التي فككها ما تزال حاضرة في النقاش حول السلطة، والخوف، والفساد، وصناعة الطاعة.
جمال قتالة
تنتمي «زعيم الأقلية الساحقة» إلى الرواية السياسية في الأدب الجزائري. إنها رواية تختار أن تضع القارئ أمام حاكم مجهول الإسم والملامح، يصل إلى العرش بطرق مختصرة، ثم يبني سلطته عبر المقربين منه، وعبر شبكة من المصالح التي تحوّل الحكم إلى منظومة مغلقة.
لكن غرمول لا يروي قصة ملك فقط، بل يكشف كيف تتحول السلطة حين تنفصل عن المجتمع إلى آلة لإنتاج الخوف والامتيازات والانقسامات. فالملك في الرواية ليس مجرد شخص، بل صورة لنظام كامل يعيد إنتاج نفسه عبر التابعين، والانتهازيين، والصامتين.
الدخول إلى عقل المستبدّ
لم يكتب عبد العزيز غرمول عن الاستبداد من موقع الخصم الذي يكتفي بإدانته، بل اختار الطريق الأكثر خطورة: الدخول إلى عقل المستبدّ نفسه. في «زعيم الأقلية الساحقة» لا نسمع صوت الضحية ولا خطاب المعارض، بل نواجه اعترافات حاكم يرى أن السلطة لا تُدار إلا بالقوة والمال والخوف.
غرمول لا يضع الملك أمام محكمة خارجية، بل يتركه يتحدث. يجعله يكشف منطقه الخاص، وأدواته، وطريقته في النظر إلى المجتمع. ومن هنا تأتي قوة الرواية: فالسلطة لا تظهر كوحش غامض، بل كمنظومة لها قواعدها وحساباتها وأساليبها في البقاء.
وعلى مستوى البناء الأدبي، تنتمي الرواية إلى ما يُعرف بالرواية الجديدة؛ فهي لا تعتمد على السرد التقليدي وحده، بل تفكك الخطاب السياسي نفسه. السخرية والمفارقة والاعتراف تتحول إلى أدوات نقدية تكشف تناقضات السلطة من الداخل.
ومنذ الصفحات الأولى، يضع الكاتب مفتاح مشروعه في العبارة التي تختصر رؤيته : «جمهورية النهار تصنع مملكة الليل». ليست هذه الجملة مجرد توصيف لمرحلة سياسية بعينها، بل تشريح لعلاقة معقدة بين المجتمع والسلطة. فالاستبداد لا يولد من فراغ، ولا يصل فجأة إلى القصر، بل يجد دائمًا من يمهد له الطريق بالخوف أو الصمت أو المصلحة.
المستبدّ لا يولد في القصر… بل تصنعه المنظومة
تكمن قوة رواية غرمول في أنها ترفض اختزال الاستبداد في شخص واحد. فالملك ليس بداية الحكاية، بل نتيجتها. وراء كل سلطة مغلقة شبكة من العلاقات والمصالح، حيث يصبح التبرير وظيفة، والصمت وسيلة، والخضوع طريقة للنجاة.
في عالم الرواية، لا يبدأ انهيار القيم بقرار كبير، بل بخطوات صغيرة تجعل الخطأ عاديًا، والفساد مقبولًا، والخوف سلوكًا طبيعيًا. ومع مرور الوقت، تتحول السلطة إلى عالم منفصل، له منطقه الخاص، حيث يصبح الحفاظ على العرش أهم من حماية المجتمع.
يشرح الملك أن الحكم لا يقوم فقط على القمع المباشر، بل على خلق حالة دائمة من الانشغال والفوضى. فالمجتمع الغارق في أزماته اليومية يصبح أقل قدرة على السؤال، وأقل استعدادًا لمواجهة من يملك القرار.
وهنا يضع غرمول القارئ أمام السؤال الأكثر قسوة: ليس فقط كيف يحكم المستبد، بل كيف يصبح وجوده ممكنًا؟
إنها الفكرة المركزية التي تحكم الرواية: الحاكم لا يظهر وحده، بل تصنعه بيئة كاملة تسمح له بالصعود والاستمرار. فالعرش ليس مجرد كرسي، بل نتيجة شبكة معقدة من المصالح والخوف والتنازلات.
المال والوعي… صناعة الولاء وصناعة الصمت
في قلب هذه المنظومة يحتل المال مكانة مركزية. يقول الملك بوضوح: «المال هو رئيس هذه المملكة». هنا لا يعود المال مجرد وسيلة للثروة، بل يتحول إلى أداة حكم. به تُشترى الولاءات، وتُبنى شبكات النفوذ، ويصبح الفساد جزءًا من بنية النظام.
فالسلطة في عالم غرمول لا تعتمد فقط على القوة، بل تحتاج إلى دائرة من المستفيدين الذين يحمون استمرارها. ومن خلال هذه الدائرة يتحول القانون إلى واجهة، والمؤسسات إلى أدوات تخدم ميزان القوة.
لكن الكاتب يذهب إلى المنطقة الأخطر: السيطرة على الوعي. فالسلطة التي تريد البقاء لا تحتاج فقط إلى التحكم في المؤسسات، بل تحتاج إلى التحكم في طريقة تفكير الناس.
ومن هنا تأتي العبارة الأكثر قسوة في الرواية: «نحن في حاجة إلى الرؤوس الفارغة لصناعة ملك». إنها تكشف أن صناعة الحاكم لا تمر فقط عبر القصر، بل عبر إضعاف القدرة على السؤال، وصناعة الوهم، وإبعاد المجتمع عن التفكير في جذور أزماته.
ومن خلال شخصية الكولونيل، يقدم غرمول نموذجًا لكيفية إنتاج النظام لرجاله. فالمشكلة ليست فقط في أفراد فاسدين، بل في منظومة تكافئ من يشبهها وتعيد إنتاج نفسها.
الكولونيل ليس حالة استثنائية، بل نتيجة طبيعية لعالم سياسي تصبح فيه القواعد مقلوبة، ويصبح القرب من السلطة أهم من الكفاءة أو القانون.
كتاب 2016… قراءة 2026 وتشريح مستمر للسلطة
ما يجعل «زعيم الأقلية الساحقة» حاضرًا اليوم أنه لم يكتب عن حاكم واحد، بل عن آلية كاملة. فالسلطة حين تتحول إلى غاية في ذاتها تحتاج إلى أدوات تحميها: المال، والخوف، وتزييف الوعي، وصناعة الوهم.
قوة عبد العزيز غرمول ليست في تقديم خطاب سياسي مباشر، بل في اختياره السخرية والتشريح. إنه يجعل الحاكم يكشف نفسه بنفسه، ويترك القارئ يكتشف التناقضات داخل خطاب السلطة.
ولهذا تبدو الرواية اليوم وكأنها كُتبت للحظة الراهنة. ليست لأن الزمن توقف، بل لأن الأسئلة التي طرحها غرمول ما تزال مفتوحة.
في النهاية، لا يترك غرمول القارئ أمام سؤال من يحكم فقط، بل أمام السؤال الأخطر: كيف يُصنع الحاكم الذي يظن أنه خالد؟
فالمشكلة ليست في الشخص الذي يجلس فوق العرش، بل في المصنع الذي ينتج العروش ويحميها.
«زعيم الأقلية الساحقة» لا يهاجم المستبد من الخارج، بل يجعله يتكلم حتى يفضح نفسه. فالملك الذي يعتقد أنه يسيطر على الجميع يكتشف، في النهاية، أنه مجرد حلقة في سلسلة أكبر منه.
بعد عشر سنوات من طبعته الموسعة، يعود الكتاب لا ليحكي عن الماضي، بل ليضع الحاضر أمام مرآته. فالوجوه قد تتغير، والأسماء قد تتبدل، لكن الآليات التي تصنع السلطة وتعيد إنتاجها قد تبقى.
إنه كتاب صدر في 2016، لكنه يُقرأ بلسان 2026.
ظهرت المقالة «زعيم الأقلية الساحقة» لعبد العزيز غرمول : السلطة والخوف والفساد وصناعة الطاعة أولاً على أنباء تونس.
مشاهدة laquo زعيم الأقلية الساحقة raquo لعبد العزيز غرمول السلطة والخوف والفساد
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ زعيم الأقلية الساحقة لعبد العزيز غرمول السلطة والخوف والفساد وصناعة الطاعة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على أنباء تونس ( تونس ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، «زعيم الأقلية الساحقة» لعبد العزيز غرمول : السلطة والخوف والفساد وصناعة الطاعة.
في الموقع ايضا :
- "الوكالة الوطنية": قوات الجيش الإسرائيلي نفذت تفجيرًا كبيرًا في مدينة بنت جبيل سمع صداه في قرى القضاء
- المتحدث باسم الخارجية الإيرانية: لا يمكن أن نسمح بتحول مضيق هرمز إلى أداة بأيدي المعتدين للإضرار بأمننا القومي
- The yellow line is closing in on the tents of displaced people, and the space for survival is shrinking
