الحروب في النهاية لا تُحسم بالخطابات الحماسية بل بقدرة المجتمعات على الاحتمال، والناس لا يقيسون قوة الدول بعدد الصواريخ التي أطلقتها أو بالأنفاق التي حفرتها، بل بعدد المرات التي ضغطوا فيها على مفتاح الكهرباء فلم يضئ، أو فتحوا فيها الصنبور في ليلة حارة فلم ينزل منه ماء
كتب إلياس عيسى إلياس لـ”هنا لبنان”:
في أحد أحياء شمال طهران، ينقطع التيار الكهربائي مجدداً. يتوقف المكيف، وينقطع الماء عن صنابير الشقة.
يتطلع “رضا” إلى طفليه في الصالة الحارّة، بينما ينقل أفراد العائلة ما تبقى من ثلج إلى وعاء صغير للحفاظ على برودته.
المشهد يبدو عادياً في الظاهر، لكنه يختصر معضلة أكبر؛ فعندما تتجاوز الحرارة الأربعين درجة، تبدو خطابات الردع والبيانات العسكرية نائية جداً ولا تعني المواطن العادي في شيء.
هذا هو وجه الحرب الذي تغفله الخرائط والنشرات.
في حروب القرن الحادي والعشرين، لم يعد معيار القوة يُقاس فقط بحجم الجيوش أو بمدى الصواريخ على خطوط النار، بل بقدرة المدن على توفير الكهرباء والماء والاتصالات تحت الضغط.
والحقيقة التي تفرض نفسها في إيران اليوم ليست مجرد مواجهة عسكرية أو سجال تفاوضي، بل هي سؤال البقاء المادي للخدمات الأساسية.
الضربات التي طالت سلاسل إمداد الغاز لمحطات التوليد أخرجت أكثر من 4200 ميغاواط من القدرة الإنتاجية. وهو رقم يترجم في الشارع إلى ساعات طويلة من العتمة.
وتكلفة الإصلاح الأولي تُقارب المليار دولار، في قطاع يغرق أصلًا في ديون حكومية وفواتير غير مسددة تراكمت على مدى سنوات.
المسألة تعدت إرباك المنازل إلى اضطراب أداء الأسواق والمرافق الاقتصادية تحت وطأة انقطاعات التيار المبرمجة.
وفي قطاع الاتصالات المجهد، استشهد أحد كوادر القطاع أثناء تأدية واجبه الميداني وسط الاستهدافات، في تذكير صارخ بأنّ النزيف يتسرب إلى التفاصيل الميدانية لإبقاء الشرايين الحيوية قيد العمل.
ثم جاء الصيف ليزيد من تعقيد المشهد.
درجات الحرارة لامست الخمسين في بعض المناطق. ورغم أنّ أمطار الربيع رفعت منسوب سد “أمير كبير” المغذي للعاصمة إلى تسعين في المئة بعد جفاف شتوي حاد، إلا أنّ هذا التعافي المؤقت لم يمنع تراجع مخزون السدود على مستوى البلاد إلى نحو النصف، مع هبوط كبير في الهطول المطري بمحافظتي طهران وقم.
يُضاف إلى ذلك تهالك الشبكات؛ إذ تضيع نحو أربعين في المئة من المياه في أنابيب متهالكة قبل وصولها إلى المنازل.
من هنا يكتسب تحذير مسعود بزشكيان أبعاده العملية حين كرر أنّ نقل العاصمة أصبح أمراً إجبارياً.
الدولة تدرك أنّ نقل المركز السياسي والسكاني مكلف وقد يتجاوز مئة مليار دولار، لكن العطش يفرض استحقاقاته بقطع النظر عن الميزانيات.
هذا المأزق الخدماتي يوازيه انقسام داخل مؤسسات القرار.
فبينما كان وزير الخارجية عباس عراقجي يدافع في مقابلة تلفزيونية عن خيار التفاوض ويشير إلى اجتماعات عُقدت داخل أنفاق، شنّ المتشددون هجوماً عليه بتهمة إفشاء أسرار أمنية.
بدا وكأنّ النقاش الرسمي يدور حول التكتيكات تحت الأرض، بينما الأزمة الحقيقية تتّسع فوقها في بيوت الملايين الذين يشغلهم كيفية تدبير يومهم وسط الانقطاعات الممتدة.
هذا التباين يوضح أيضاً حدود التقييمات الاستخبارية الغربية والإسرائيلية.
فالرهان على الاغتيالات أو مراهنة البعض على هندسة تغيير سياسي من الخارج يتجاهل طبيعة المجتمع الإيراني وحسه القومي الممتد منذ عقود.
الناس لا ينتظرون حلولاً من الخارج، لكنهم يعيشون تحت إنهاك يومي ملموس.
الحروب في النهاية لا تُحسم بالخطابات الحماسية، بل بقدرة المجتمعات على الاحتمال.
ففي المحصلة، لا يقيس الناس قوة الدول بعدد الصواريخ التي أطلقتها أو بالأنفاق التي حفرتها، بل بعدد المرات التي ضغطوا فيها على مفتاح الكهرباء فلم يضئ، أو فتحوا فيها الصنبور في ليلة حارة فلم ينزل منه ماء.
عطش طهران وأوهام الحسم.. عندما تتداعى البنية التحتية خلف غبار الحرب هنا لبنان.
مشاهدة عطش طهران وأوهام الحسم عندما تتداعى البنية التحتية خلف غبار الحرب
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ عطش طهران وأوهام الحسم عندما تتداعى البنية التحتية خلف غبار الحرب قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هنا لبنان ( لبنان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، عطش طهران وأوهام الحسم.. عندما تتداعى البنية التحتية خلف غبار الحرب.
في الموقع ايضا :
- By the Numbers… An International Company Reveals the Scale of Paralysis that Has Struck the Saudi Oil Sector as a Result of the Yemeni Blockade
- One-third of US precision munitions depleted… A report reveals the scale of consumption during the confrontation with Iran
- التلفزيون الإيراني: ممر الملاحة الآمن في مضيق هرمز هو المحدد مسبقا أما الممرات الأخرى فلن تؤدي إلى أي مكان
