كتب Charles Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:
انتهت زيارة الرئيس جوزاف عون بانطباع إيجابيّ. غير أنّها أثارت تساؤلات حول إمكان إحداث تغيير في مسار بلدٍ منقسم، تحاصره تحديات من كل الجهات، ولا مصلحة للفاعلين فيه في مسار التطبيع المنشود الّذي يتطلع إليه اللبنانيون منذ سنوات. فالأزمات تتراكم، وقدرة اللبنانيين على الصمود تخضع لاختبار شديد القساوة.
أمّا الطائفة الشيعية، فتبدو أكثر رفضًا من أي وقت مضى لفكرة الانفصال عن حركة سياسية متطرفة. فهذه الحركة مرتبطة ارتباطًا عضويًّا بسياسة تقويض شيعية تقودها إيران، كما ترتبط بشبكات الإرهاب والجريمة المنظمة الّتي جرى بناؤها بشكل منهجيّ على مدى عقود.
وتفسّر الروابط الطائفية الّتي يستند إليها حزب الله صلابته، وتمسكه بمشروعه، وحالة الانغلاق الجماعيّ الّتي تفسّر عدم اكتراثه بالمآسي الّتي تسبب بها. فالكوارث الّتي أعقبت انخراطه العسكريّ، وما نتج عنها من تداعيات كارثية، لم تكفِه حتى الآن كي يطلق مراجعات نقدية، أو يعيد النظر في الخيارات المتبعة. وهي خيارات من المفترض أن تهدف إلى وضع حد لدورات العنف، وعبثية حرب بالوكالة تخدم مشروعًا إمبراطوريًّا شيعيًّا يقوده النظام الإيرانيّ.
ويعجز لبنان، في مواجهة الانقسامات الأيديولوجية والحروب المرتبطة بها، عن إعادة تأكيد سيادة الدولة، وعن بلورة سردية وطنية مشتركة تجمع اللبنانيين، وعن فرض مقتضيات دولة القانون الّتي جرى تجاوزها تباعًا لمصلحة أيديولوجيا طائفية ومشروع توسع إمبراطوريّ. فسياسة الهيمنة الّتي يعتمدها حزب الله تستند إلى سردية طائفية تناقض السردية الوطنية اللبنانية، وتتحرك ضمن سياسة تقويضية يديرها النظام الإيرانيّ. أمّا الحدود الوطنية اللبنانية، فلا تكتسب أي قيمة إلا بقدر ما تسمح بتأمين حماية للمشروع الإمبراطوريّ الإيرانيّ.
ويتمثل التحدي الأكبر أمام الدولة اللبنانية في استعادة سيادتها الّتي تعرضت للتقويض على مدى عقود طويلة. كما يكمن في احتواء مسارات التفكك، وفتح المجال أمام إعادة بناء البلاد على أساس مجموعة من الخيارات الاستراتيجية الّتي تحظى بإجماع وطنيّ.
وتعمل ديناميات الطائفية الشيعية من دون رادع، ومن دون اعتبار لأي رؤية أخرى أو لأي مصالح استراتيجية تتعارض معها. وتمر استعادة الدولة لدورها حتمًا عبر إعادة تأكيد قواعد التوافقية، ومرتكزاتها المعيارية والإجرائية. وفي وقت يظهر فيه الانفصال الشيعيّ عصيًّا على أي منطق للتسوية، أدى حجم الكوارث الّتي أفرزها هذا المشروع الإمبراطوريّ المتشدد، على العكس، إلى تعزيز التطرف في الأجندة السياسية والإبقاء على خيارات صدامية مدمرة.
وتشكل مسألة نزع سلاح حزب الله مؤشرًا إلى خلل أكثر عمقًا، يتمثل في ظاهرة الكيانات ذات الامتدادات في خارج الدولة. فلا شك أنّ هذه الامتدادات أسهمت في مسار تفكيك السيادة اللبنانية تدريجيًّا، وفي تقويض الدولة اللبنانية، وفي تغذية حروب الوكالة الّتي دمرت هذا البلد. كما أتاحت لكيانات موازية للدولة التموضع في مواجهة هذه الأخيرة والطعن في شرعيتها. وما دامت هذه المسألة تُغرق في تعابير ملتبسة تحيل إلى مواقف غامضة حيال سيادة الدولة الفعلية، سيواصل لبنان انحداره نحو الهاوية.
ليس غياب السيادة مسألة عابرة في حياة بلدنا، بل هو في الواقع نتيجة سبعين عامًا من الصراعات المتواصلة الّتي دمّرته وجعلت إعادة بنائه أمرًا بالغ الصعوبة. نحن أمام تحديات تطال شرعية البلد، وتوازناته البنيوية، وحضور السردية الوطنية، وهندسة المؤسسات، ومركزية الحقوق الإنسانية في الحياة السياسية. غير أنّنا نواجه في المقابل وقائع مضادة، تعمل بصورة منهجية على تقويض الأسس المعيارية لنظام دولتيّ متداعٍ، وبلدٍ مهدد بفقدان مقوماته.
وتتحول مسألة المناطق التجريبية إلى قضية هاجسية بحد ذاتها، تختزل في سيناريوهات مشكوك فيها لانسحاب حزب الله، ترافقها عمليات تراجع وإعادة تموضع شمال الليطاني، بهدف احتواء الامتدادات المتحولة في خارج الدولة. وفي غياب أي التزام مبدئيّ واضح، ستتحول جميع المحاكاة الجارية إلى مجرد مناورة، في حين كان من المفترض أن تضع زيارة واشنطن حدًّا لحالة الالتباس، لا أن تُبقي البلاد في دائرة خطوات عقيمة. فإعادة انتشار حزب الله الاستراتيجيّ، واستمرار تهريب الأسلحة، والإبقاء على الأنفاق تحت الأرض، تكفي وحدها لتقويض المسار بكامله. كما أنّها تعيد لبنان إلى مسار الانفجار، بما يتناسب مع حجم أراضيه المثقلة بالألغام من كل جانب.
وستشكل زيارة واشنطن انطلاقة جديدة إذا جاءت المواقف المبدئية واضحة وغير قابلة للتأويل، وإذا تبعتها أفعال ملموسة. ومن الضروريّ أيضًا أن تقترن الاستحقاقات بجداول زمنية دقيقة تخرجنا من مناطق الغموض ومن الالتزامات الّتي لا أفق لها. فلا يمكن أن ينخرط لبنان في دبلوماسية إنهاء النزاعات انطلاقًا من التزامات متناقضة أو تمنيات عابرة، إذ يفرض مبدأ عدم التناقض المنطقيّ نفسه على السياسة أيضًا.
لا يعتمد نجاح عملية المناطق التجريبية على استراتيجية تنفيذية صارمة فحسب، بل يرتبط كذلك بأفق سياسيّ مختلف عن الواقع الّذي نعرفه. فمن المفترض أن تضع إزالة الألغام من الميدان، وهي ضرورة ملحّة، حدًّا لسياسات ترحيل الصراعات؛ ولبلوغ ذلك، لا بد من التوصل إلى إبرام معاهدة سلام مع دولة إسرائيل، كما أعلن رئيس الجمهورية بوضوح في خلال الاجتماع في المكتب البيضاويّ في البيت الأبيض.
ويشكل تجدد المواجهات بين الولايات المتحدة والنظام الإسلاميّ الإيرانيّ، ورفض حزب الله الصريح للاتفاق الإطاريّ، وعودة النزعة الإمبريالية التركية، والتعقيدات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وتحرّك خطوط التصدعات الجيوسياسية وانعكاساتها على مشهد إقليميّ يعيش حالة من الاضطراب، عوامل مثيرة للقلق، تفرض إعادة قراءة المشهد بشكل دقيق.
ونتساءل خصوصًا عن إمكان تحقيق انفراج عند تقاطع عقدة استراتيجية بهذا القدر من التعقيد. فالهجوم الأميركيّ المضاد يندرج ضمن رؤية استراتيجية بديلة، وفي إطار هندسة جديدة للتحالفات الاستراتيجية. وينبغي أخذ هذا التحول في الاعتبار والتصرف على أساسه. كما ينبغي أن نحاول اغتنام الفرصة، من دون الانجرار خلف أوهام أنّ التمنيات قادرة على صناعة الواقع، أو خلف آمال عابرة لا أفق لها.
تحديات الجمهورية هنا لبنان.
مشاهدة تحديات الجمهورية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ تحديات الجمهورية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هنا لبنان ( لبنان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، تحديات الجمهورية.
في الموقع ايضا :
- رياح شديدة تقتلع الفصول الخشبية بمدرسة الشهيد عثمان القطراني في قرية دار السيد غرب قعطبة أثناء هطول الأمطار
- استراتيجية التمكين الاقتصادي والتحول الدوائي:حكومة التغيير والبناء تعيد تشكيل »سلسلة القيمة« للعسل اليمني
- مفوّض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: على إسرائيل إنهاء احتلال مناطق واسعة في جنوب لبنان ووقف هدم المنازل
