تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة الخامسة: المدرسة المغربيّة آلة للإنفاق بلا مردودية ...المغرب

اليوم 24 - اخبار عربية

ثمة سؤال يفضّل المصلحون في الغالب تجنّبه، لما فيه من إحراج: ما فائدة المليارات من الدراهم المستثمرة سنويّاً في التربية؟ المجال الثالث من تقييمنا يغوص في صميم هذا السؤال المزعج، في ما يمكن تسميته « غرفة الآلات » في المنظومة التربويّة. فالمغرب ينفق الكثير على مدرسته – حوالي 6% من ناتجه الداخلي الخام، وهي من أعلى النسب في العالم، وحوالي 25% من ميزانيّة الدولة. وعلى الورق، يشهد هذا الجهد المالي الهائل على إرادة سياسيّة مؤكّدة لوضع التربية في صدارة الأولويّات الوطنيّة. لكن هذا الكرم الميزانيّاتي يصطدم بواقع قاسٍ ومستمرّ: نتائج التعلّم لا تحقق المراد. فنتائج PISA وPIRLS وTIMSS تضع المغرب في ذيل الترتيبات الدوليّة. والتلميذ المغربي يعاني تأخّراً يقارب سنتين مقارنة بمتوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عند تساوي النفقة. لقد أصبحت المنظومة التربويّة آلة للإنفاق بلا إنتاج، ومصنعاً للإهدار حيث تتوافر الموارد الماليّة لكن القيمة المضافة البيداغوجيّة تبقى شحيحة.

فالمعيار الأول من المجال الثالث، الذي يهم التمويل متعدد السنوات والشفاف والناجع، هو « محقَّق جزئيّاً ». وهذا الحكم، رغم اعتداله الظاهر، يخفي واقعاً مقلقاً: المغرب يعرف كيف ينفق، لكنه لا يعرف بعد كيف ينفق جيّداً. لقد اختار وفرة الميزانيّة دون أن يبني الحواجز الواقية للفعالية والمساءلة. فالقانون التنظيمي لقانون الماليّة فرض برمجة ثلاثيّة السنوات ومنطقاً للأداء، لكن التحوّل لا يزال غير مكتمل. فالمؤشرات الثلاثة التي يتألّف منها هذا المعيار – الشفافيّة، والتماشي مع الأولويّات، وفعالية النفقات – ترسم حصيلة متباينة، حيث تقدّم الشكل يقترن بإخفاق المضمون.

    الشفافيّة، مكتسب ثمين لكنه هشّ

    لنحتفي أوّلاً بتقدّم لا يُنكر، يستحقّ التأكيد بقوّة. لقد تغيّر الإطار القانوني تغيّراً جذريّاً مع اعتماد القانون التنظيمي لقانون الماليّة. فمن الآن فصاعداً، كلّ درهم منفق يجب أن يكون مرتبطاً بهدف أداء ومنشوراً للعموم. وينشر المغرب بشكل منهجي تفاصيل ميزانيّات التربية على المنصّة المؤسّساتيّة لوزارة الماليّة . وتقارير مرافق الدولة المسيّرة بشكل مستقلّ والمؤسّسات العموميّة متاحة للجميع. وتقارير المجلس الأعلى للحسابات، العموميّة والمفصّلة، تسجّل بانتظام الاختلالات الماليّة في الأكاديميّات والجامعات. على مستوى الشفافيّة الشكليّة، المغرب نموذجيّ في المنطقة. فـ100% من النفقات المبرمجة والمنجزة في إطار ميزانيّة الدولة قابلة للاطّلاع. والمواطن والباحث يمكنهما، من حيث المبدأ، معرفة أين تذهب الأموال العموميّة.

    لكن الشفافيّة الشكليّة لا تضمن شفافيّة حقيقيّة وتشغيليّة. فإذا كنا نعرف أين تذهب الأموال، فإننا لا نزال نقوم بتقييم النجاعة– أي علاقة التكلفة بالنتيجة – بشكل غير كاف. ننشر تكلفة بناء فصل، لكن ليس نسبة التكلفة إلى التعلّم: كم درهماً يكفي ليتعلّم تلميذ القراءة؟ فالحسابات الوطنيّة للتربية، المنصوص عليها في المادة 52 من القانون الإطار 51.17، لم تر النور بعد، رغم أنها كانت ستحدّد طبيعة النفقات والموارد واستعمالها، والأهمّ معايير مردوديّتها ونجاعتها في ارتباط بأهداف كلّ نفقة. والتقييم المالي الذي تفرضه المادة 54 من القانون الإطار، والذي يوجب تقييم تكلفة وحجم النفقة المتعلّقة بكلّ مكوّن من مكوّنات المنظومة، لا يزال حبراً على ورق. كما أن المعطيات المفتوحة القابلة للاستغلال – بصيغة Excel أو CSV – تبقى محدودة مقارنة بالملفات الثابتة PDF التي لا تسمح بتحليل دقيق. ويسجّل المجلس الأعلى للحسابات بانتظام غموضاً مستمرّاً في تدبير الأموال المرصودة للأكاديميّات، وتفاوتاً صارخاً بين الميزانيّة المخصّصة والقدرة على استهلاك الاعتمادات، وتأخّرات تمتد من 2 إلى 3 سنوات في تنفيذ مشاريع البنية التحتيّة، ممّا يجمّد أموالاً لا تنتج أيّ منفعة فوريّة للمتعلّمين. فالمؤشر 3.1.1 « محقَّق جزئيّاً »: الشفافيّة حقيقيّة لكنها ناقصة، وتفعيلها على المستوى المحلّي لا يزال غير كافٍ.

    التماشي الميزانيّاتي، نجاح هيكلي مهدّد

    على مستوى تخصيص الميزانيّة، التشخيص أكثر إيجابيّة ويستحقّ التنويه. فنظام البرمجة الميزانيّاتيّة الثلاثيّة السنوات، الذي أقرّه القانون التنظيمي لقانون الماليّة، يضمن رؤية على المدى المتوسّط ويتفادى انقطاعات التمويل في منتصف السنة. فالمشاريع الكبرى الاستراتيجيّة لم تعد تعاني من تقلّبات التمويل كالسابق. فالاعتمادات تُلتزم وتُصرف وفق الآجال المحدّدة. ونسبة الموارد المخصّصة للأولويات المخطّطة تقارب 100% على مستوى البرمجة. ووزارة الماليّة والقطاعات الوزاريّة تتحدّث الآن بلغة واحدة: لغة الأداء. ومن الصعب اليوم تمويل مشروع لا يدخل في إحدى خانات التخطيط الاستراتيجي للوزارة المعنيّة. وهذا تقدّم كبير مقارنة بعهد كانت فيه الميزانيّات توزّع حسب طبيعة النفقة دون ارتباط بالأهداف الاستراتيجيّة.

    لكن هذا التماشي، مهما كان متيناً، مهدّد بجمود الهيكل الميزانيّاتي للتربية. فحوالي 80 إلى 90% من الميزانيّة تمتصّها الأجور، ممّا يترك هامشاً ضيّقاً جدّاً للاستثمار البيداغوجي والابتكار. فالاتفاقات الاجتماعيّة لسنة 2024، التي زادت بشكل كبير كتلة أجور الأساتذة، تقلّص ميكانيكيّاً الحصّة المتاحة للاستثمارات المنتجة – التكوين المستمرّ، التجهيزات الرقميّة، البيداغوجيّات المبتكرة. وترتيب الأولويّات في النفقات لا يعكس دائماً ترتيب الأولويّات في التخطيط. والتسويات الميزانيّاتيّة تفضّل غالباً الأثر السياسي الفوري على حساب الاستثمارات طويلة المدى. ولذلك ثمّة فجوة في كثير من الأحيان بين الالتزامات السياسيّة – وعود بزيادة ميزانيّة الجودة – والتسويات الفعليّة، التي تفضّل الإجراءات الاجتماعيّة المرئيّة على المدى القصير. إن المؤشر 3.1.2 « محقَّق » شكلاً، لكن هذا المكتسب هشّ. فالتحفّظ يبقى: إذا كان التخصيص محقَّقاً، فإن فعالية الاستعمال تبقى بحاجة إلى إثبات. فتخصيص حصة مهمّة من الميزانيّة للدعم الاجتماعي هو نجاح في التخطيط، لكن ضمان أن كلّ درهم منفق يقلّص فعلاً الهدر المدرسي هو تحدّي مستمر.

    النجاعة، الإخفاق الأكبر للمنظومة

    المؤشر الثالث، 3.1.3، هو الأقسى والأكثر كشفاً لضعف المنظومة الهيكلي. فهو يقيس فعالية النفقات في ارتباط مع النتائج المحصّل عليها – ما يسمّيه الاقتصاديون مردوديّة الاستثمار التربوي. وهنا، التشخيص لا لبس فيه: المغرب ينفق كثيراً، لكنه ينفق بشكل سيء. فالمنظومة التربويّة المغربيّة « مكلفة » في حين نتائجها تضعها لا تزال في ذيل الترتيبات الدوليّة. بحيث أن التلميذ المغربي يعاني تأخّراً يقارب سنتين مقارنة بمتوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عند تساوي النفقة – وفق تعادل القوّة الشرائيّة. فالجودة غير المرضيّة للتعلّمات، والتكرار، والهدر المدرسي، كلّها تكلف المنظومة مليارات الدراهم « الضائعة » سنويّاً، بسبب التلاميذ الذين يشغلون مكاناً بيداغوجيّاً دون التمكن من الكفايات. وإذا تمّ تقدير العجز في التعلّم الذي تُظهره التقييمات الدوليّة بمقاييس ميزانيّاتيّة، فإن الخسارة كانت لتتراوح في 2025 بين 48 و60 مليار درهم. وهذا رقم مذهل، يمثّل أكثر من نصف الميزانيّة السنويّة المخصصة للتعليم.

    إن نموذج « المدارس الرائدة »، رغم نتائجه الواعدة في المرحلة التجريبيّة – حيث يستدرك 60 إلى 70% من التلاميذ تعثراتهم الدراسية خلال مرحلة الدعم البيداغوجي – لم يؤكّد بعد فعاليته على نطاق واسع. فالمكاسب المحقّقة لا تُحفظ بعد مرحلة التدريس الصريح، ممّا يبيّن حدود هذه التقنيّة البيداغوجيّة. والأهم، أن نتائج المدارس الرائدة، وفق الاختبار التجريبي لـPIRLS 2026 الذي أجرته الوزارة في 2025، تكاد تكون مماثلة لنتائج المدارس غير الرائدة، ممّا يقلّص أثر النموذج على نطاق واسع. لذلك فإنالانتقال من المرحلة التجريبيّة إلى التعميم يبقى التحدّي الأكبر، والنتائج المتباينة لهذا الاختبار التجريبي تلقي بظلالها على طموح تحويل المنظومة بأكملها.

    وفي التعليم العالي، التشخيص مقلق بنفس القدر. فحوالي 40 إلى 50% من الطلبة يغادرون الجامعة بدون شهادة في كليّات العلوم والحقوق والآداب – ما يسمّى بالمسالك ذات الاستقطاب المفتوح. والدولة تموّل سنوات من الدراسة لا تؤدّي لا إلى شهادة ولا إلى إدماج مهني فوري. وهو ما يعني بأن تكلفة كلّ متخرّج في هذه المسالك مرتفعة جدّاً رياضيّاً بسبب نسبة الهدر الجامعي المرتفعة. لذلك فالمؤشر 3.1.3 هو إذاً « غير محقَّق »، وهو يشكّل نقطة ضعف جوهرية في المنظومة التربويّة المغربيّة.

    دروس المجلس الأعلى للحسابات القاسية

    تقارير المجلس الأعلى للحسابات، الذي يعمل كـ »ضمير مالي » للمنظومة، تقدّم إضاءة حاسمة على الاختلالات الهيكليّة. وتبرز استنتاجاته الأخيرة ثلاث قطائع كبرى. أوّلاً، تدبير الأكاديميّات والجامعات: يسجّل المجلس تفاوتاً صارخاً بين الميزانيّة المخصّصة والقدرة الفعليّة على استهلاك الاعتمادات. فالعديد من مشاريع البنية التحتيّة – مدارس، أحياء جامعيّة – تعاني تأخّرات تمتد من 2 إلى 3 سنوات، ممّا يجمّد أموالاً لا تنتج أيّ منفعة فوريّة للمتعلّمين. وثانياً، فعالية البرامج الاجتماعيّة كـ »تيسير » والمطاعم المدرسيّة: إذا كانت هذه البرامج قد عزّزت الإنصاف والولوج، فقد سجّل المجلس ثغرات في استهداف المستفيدين واختلالات لوجستيّة في تدبير المطاعم والداخليّات، ممّا حدّ من العائد على الاستثمار لهذه النفقات الاجتماعيّة. وثالثاً، نقص التجهيز المزمن للتكوين المهني والتعليم العالي: كشفت مراقبة الكليّات ومراكز التكوين أن تجهيزات تقنيّة ثمينة تبقى في بعض الأحيان غير مستعملة أو غير مصانة، محوّلة الاستثمار في الجودة إلى خسارة صافية.

    الخلاصة: إنفاق أفضل، لا إنفاق أكثر

    التشخيص اليوم ثابت بوضوح لا يقبل الجدل: المنظومة التربويّة المغربيّة قويّة ماليّاً، لكنها هشّة تشغيليّاً. إنها تعرف كيف تبرمج وتعدّ الميزانيّة، بفضل تقدّم القانون التنظيمي لقانون الماليّة، لكنها تعجز عن تحويل نفقاتها إلى نتائج تعلّم. وكما يشير المجلس الأعلى للحسابات، فإن زيادة الميزانيّات لا يمكن أن تبقى الجواب الوحيد. فالتحدّي في 2030 لم يعد إنفاقاً أكثر، بل إنفاقاً أفضل، بربط كلّ درهم بإلزاميّة تحقيق نتيجة تربويّة – ما يطلق عليه آلية « المساءلة ».

    ثمّة رافعات ثلاث لا غنى عنها لتحقيق المعيار بحلول 2030. أوّلاً، تعميم المحاسبة التحليليّة: معرفة التكلفة الدقيقة لتلميذ ناجح مقابل تلميذ مكرّر أو منقطع. وثانياً، افتحاص منهجي للأداء: الانتقال من افتحاصالمطابقة – هل تم احترام المساطر؟ – إلى افتحاصالأثر – هل تم تحقيق النتائج؟ وثالثاً، إرساء الحسابات الوطنيّة للتربية، لتحديد من يدفع بالضبط – الدولة، الجماعات الترابيّة، الأسر – وكيف يُنفق هذا المال – رواتب، بناء مدارس، منح، مطاعم. إن المغرب يمتلك الوسائل الماليّة لإنجاح إصلاح التعليم. وما ينقصه بعد هو ثقافة النجاعة والشفافيّة التشغيليّة والمساءلة. حان وقت تحويل الآلة للإنفاق إلى آلة للتعلّم.

     

     

    مشاهدة تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015 2030 الحلقة الخامسة المدرسة المغربي ة آلة

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015 2030 الحلقة الخامسة المدرسة المغربي ة آلة للإنفاق بلا مردودية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على اليوم 24 ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة الخامسة: المدرسة المغربيّة آلة للإنفاق بلا مردودية.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار