وسيم بن حسين / خبير اقتصادي
شهدت بورصة تونس يوم 28 جويلية 2026 جلسة استثنائية، بعد أن تجاوز تراجع مؤشر TUNINDEX نسبة 3%، مما أدى إلى تفعيل آلية الإيقاف المؤقت للتداول، أو ما يُعرف بـ Circuit Breaker، وفقًا لنظام التداول المعتمد في بورصة تونس.
ما حدث يستوجب الانتباه والتحليل، لكنه لا يبرر في تقديري القفز مباشرة إلى الحديث عن انهيار السوق أو دخول الاقتصاد التونسي في أزمة مصرفية شاملة.
وفي المقابل، لا يمكن أيضًا اختزال ما حدث في مجرد شاشات حمراء أو ذعر عابر سينتهي بمجرد استئناف التداول.
الحقيقة، كما أراها، توجد بين الموقفين.
أولًا: الإيقاف المؤقت ليس إعلانًا عن انهيار السوق
آلية الإيقاف المؤقت للتداول هي أداة وقائية تعتمدها الأسواق المالية للحد من التقلبات الحادة، وإعطاء المستثمرين وقتًا لإعادة تقييم المعلومات والقرارات بعيدًا عن ضغط الخوف والسلوك الجماعي.
تفعيل هذه الآلية لا يعني أن الشركات المدرجة أصبحت فجأة في وضع مالي سيئ، ولا يعني أن النظام المصرفي في طريقه إلى الانهيار.
لكنه يعني أن السوق شهد ضغطًا بيعيًا قويًا وسريعًا تجاوز الحدود العادية، وهو ما يستوجب البحث الجدي في أسبابه.
المشكلة في الأسواق المالية لا تكون دائمًا في الحدث نفسه، بل في كيفية انتقال الخوف من مستثمر إلى آخر، وتحول القرارات الفردية إلى موجة بيع جماعية قد تدفع الأسعار إلى مستويات لا تعكس بالضرورة القيمة الاقتصادية الحقيقية للشركات.
ثانيًا: هل ما حدث مجرد جني أرباح؟
حققت بورصة تونس خلال الفترة السابقة ارتفاعًا استثنائيًا، ووصل مؤشر TUNINDEX إلى مستويات تاريخية قبل أن يدخل في موجة تصحيح.
لذلك، من الطبيعي أن يكون جزء من عمليات البيع مرتبطًا بـ:
* جني الأرباح بعد الارتفاعات الكبيرة؛
* إعادة تقييم أسعار بعض الأسهم؛
* انخفاض السيولة خلال الفترة الصيفية؛
* رغبة بعض المستثمرين في تخفيض مستوى المخاطر؛
* السلوك الجماعي لصغار المستثمرين عند بداية التراجع.
لكن تفسير ما حدث فقط بالمقولة البورصية المعروفة:
Sell in May and go away
يظل تفسيرًا غير كافٍ.
هذه المقولة تصف نمطًا موسميًا لوحظ تاريخيًا في بعض الأسواق الدولية، لكنها ليست قاعدة اقتصادية ثابتة، ولا يمكن اعتمادها وحدها لتفسير حركة قوية ومفاجئة في سوق مثل بورصة تونس.
التفسير الأكثر واقعية هو أن السوق كان مهيأً للتصحيح بعد موجة ارتفاع قوية، ثم جاءت مستجدات تنظيمية وتشريعية لتزيد من حساسية المستثمرين وتسرّع عمليات البيع.
ثالثًا: مرسوم التمويلات دون فوائد غيّر توقعات المستثمرين
من بين أبرز المستجدات التي تزامنت مع تراجع السوق صدور الأمر عدد 148 لسنة 2026، المتعلق بالتمويلات الصغرى على الشرف.
ويقضي الإجراء بتخصيص جزء من أرباح البنوك لتمويل قروض دون فوائد، ودون ضمانات أو تأمينات، لفائدة الأفراد وأصحاب المشاريع والمؤسسات الصغرى والمتوسطة والشركات الأهلية، مع سداد هذه التمويلات في أجل أقصاه سنتان.
ومن الطبيعي أن يتفاعل المستثمرون، خاصة حاملي الأسهم البنكية، مع هذا القرار، لأن قيمة السهم لا تتحدد فقط وفق أرباح البنك الحالية، بل أيضًا وفق توقعات أرباحه المستقبلية ومستوى المخاطر التي سيتحملها.
لكن يجب هنا تجنب التبسيط.
تخصيص نسبة من الأرباح لخط تمويل لا يعني بالضرورة أن كامل هذه الأموال ستختفي من ميزانيات البنوك أو ستتحول فورًا إلى خسائر.
هذه الأموال ستُمنح في شكل قروض قابلة للسداد، وهو ما يعني أنها تظل في الأصل أصولًا مالية في ميزانية البنك.
غير أن هذا لا يلغي وجود تكاليف ومخاطر حقيقية، أهمها:
* حرمان البنك من عائد الفائدة؛
* ارتفاع مخاطر عدم السداد بسبب غياب الضمانات؛
* إمكانية تكوين مؤونات عند ظهور مؤشرات تعثر؛
* ارتفاع تكاليف دراسة الملفات ومتابعتها واستخلاصها؛
* التأثير المحتمل في الأرباح القابلة للتوزيع مستقبلًا؛
* الضغط على السيولة وعلى مردودية رأس المال.
إذن، القرار ليس دون أثر، لكنه أيضًا لا يعني آليًا خسارة كامل المبالغ المخصصة أو انهيار ربحية البنوك.
الأثر الحقيقي لا يمكن قياسه بالشعارات، بل يحتاج إلى نماذج مالية ودراسات تأثير تأخذ بعين الاعتبار معدلات التعثر، ونسب الاستخلاص، وتكلفة الفرصة البديلة، والمعالجة المحاسبية والاحترازية لهذه التمويلات.
رابعًا: هل موجة البيع كانت ذعرًا أم إعادة تسعير عقلانية؟
عندما يتغير إطار قانوني أو تنظيمي يؤثر في نشاط مؤسسة مدرجة في البورصة، يعيد المستثمرون تقييم القيمة المستقبلية لهذه المؤسسة.
ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار جزء من عمليات البيع التي شهدتها الأسهم البنكية إعادة تسعير للمخاطر، وليس مجرد ذعر غير عقلاني.
لكن الانتقال من هذه الملاحظة إلى القول إن تونس دخلت أزمة مصرفية عميقة يبقى استنتاجًا سابقًا لأوانه.
لإثبات وجود أزمة هيكلية، يجب تحليل مجموعة من المؤشرات، من بينها:
* حجم التداولات مقارنة بالمعدلات المعتادة؛
* تركيز عمليات البيع حسب القطاعات والأسهم؛
* طبيعة المستثمرين الذين قاموا بالبيع؛
* تطور ودائع البنوك وسيولتها؛
* نسب القدرة على تحمل الخسائر؛
* جودة محافظ القروض؛
* معدلات الديون المصنفة؛
* قدرة البنوك على مواصلة تمويل الاقتصاد والدولة.
جلسة بورصية واحدة، مهما كانت حادة، لا تكفي وحدها لإثبات أزمة مصرفية أو اقتصادية شاملة.
خامسًا: الاقتصاد الحقيقي والسوق المالية
من النقاط التي تستحق النقاش وجود فجوة بين الأداء البورصي وبين واقع الاقتصاد الحقيقي.
ارتفاع أسعار الأسهم لا يعني بالضرورة أن الاستثمار والإنتاج والتشغيل قد تحسنت بالمستوى نفسه.
وقد تستفيد بعض المؤسسات، وخاصة البنوك، من أنشطة مالية أو من تمويل حاجيات الدولة، في الوقت الذي تظل فيه المؤسسات الخاصة تعاني من صعوبة النفاذ إلى التمويل وارتفاع تكلفته.
هذه الوضعية يمكن أن تخلق ما يُعرف بـ أثر المزاحمة، عندما يستحوذ تمويل الدولة على جزء متزايد من الموارد البنكية، على حساب تمويل الاستثمار الخاص.
لكن القول إن النشاط في السوق الثانوية لا يفيد الاقتصاد الحقيقي مطلقًا يحتاج أيضًا إلى مراجعة.
فعندما يشتري مستثمر سهمًا من مستثمر آخر، لا تحصل الشركة مباشرة على أموال جديدة. ومع ذلك، تظل السوق الثانوية ضرورية لأنها:
* توفر السيولة للمستثمرين؛
* تمكن من تقييم الشركات؛
* تسهّل الزيادات المستقبلية في رأس المال؛
* تشجع المستثمرين على الاكتتاب في الإصدارات الجديدة؛
* تساعد المؤسسات على تعبئة الموارد بشروط أفضل.
المشكلة إذن ليست في وجود سوق ثانوية نشطة، بل في ضعف قدرة هذه السوق على التحول إلى أداة حقيقية لتمويل الاستثمار والإنتاج والابتكار.
سادسًا: هل يمكن أن نشهد تصلبًا ائتمانيًا؟
طرح بعض المحللين احتمال اتجاه البنوك إلى مزيد من التشدد في إسناد القروض، لتعويض المخاطر والتكاليف الجديدة المفروضة عليها.
هذا السيناريو ممكن من الناحية الاقتصادية، لكنه ليس حتميًا.
قد تسعى البنوك إلى:
* تشديد شروط التمويل للفئات والقطاعات الأكثر مخاطرة؛
* رفع الانتقائية في دراسة الملفات؛
* تخفيض بعض أنواع القروض؛
* إعادة توجيه محافظها نحو الأصول الأقل مخاطرة؛
* محاولة تعويض تراجع المردودية من خلال العمولات أو أنشطة أخرى.
لكن تأكيد حدوث Credit Crunch أو شلل ائتماني يحتاج إلى متابعة فعلية لتطور القروض الجديدة، وأسعار التمويل، ورفض الملفات، والسيولة البنكية، ونسب الملاءة.
لا ينبغي تحويل سيناريو محتمل إلى نتيجة مؤكدة قبل ظهور المؤشرات.
سابعًا: الخطر الحقيقي هو أزمة الثقة وعدم استقرار القواعد
في تقديري، أهم ما كشفته جلسة اليوم ليس فقط هشاشة أسعار الأسهم، بل هشاشة الثقة أمام القرارات المفاجئة.
المستثمر لا يخشى المخاطر فقط، فهو يعرف أن كل استثمار يحمل قدرًا من المخاطر. ما يخشاه أكثر هو عدم القدرة على توقع القواعد التي ستطبق عليه مستقبلًا.
عندما تتغير قواعد توزيع الأرباح أو توجيه الموارد أو تحمل المخاطر بصورة مفاجئة، فإن السوق تضيف ما يمكن تسميته أتاوة المخاطر التنظيمية.
أي أن المستثمر يصبح مستعدًا لدفع سعر أقل للسهم، أو يطالب بعائد أكبر، لأنه لم يعد قادرًا على بناء توقعاته على إطار مستقر وواضح.
دعم الشباب والمؤسسات الصغرى وتمكينها من التمويل هدف اقتصادي واجتماعي مشروع ومهم.
لكن نجاح أي آلية تمويلية يحتاج إلى:
* دراسة أثر مسبقة؛
* تحديد دقيق للمخاطر والمسؤوليات؛
* وضع معايير واضحة لاختيار المنتفعين؛
* آليات متابعة واستخلاص فعالة؛
* توضيح المعالجة المحاسبية والاحترازية؛
* توزيع عادل للمخاطر بين الدولة والبنوك والمنتفعين؛
* توفير آلية ضمان جزئي عند الضرورة؛
* التواصل المسبق والشفاف مع القطاع المالي والمستثمرين.
لا يمكن معالجة مشكلة النفاذ إلى التمويل بخلق مشكلة جديدة في الاستقرار المالي أو في الثقة الاستثمارية.
ثامنًا: الطمأنة لا تعني إنكار المخاطر
في مثل هذه الظروف، يحتاج الاقتصاد التونسي إلى الهدوء، لكنه لا يحتاج إلى خطاب إنشائي أو تطمينات غير مدعومة بالأرقام.
الطمأنة الحقيقية لا تكون بالقول إن كل شيء على ما يرام، بل من خلال:
* نشر المعطيات الدقيقة وفي الوقت المناسب؛
* شرح أهداف القرارات وآليات تنفيذها؛
* تقييم آثارها على البنوك والمستثمرين؛
* إزالة الغموض القانوني والمحاسبي؛
* حماية صغار المستثمرين من الإشاعات والمعلومات المضللة؛
* تعزيز التنسيق بين السلطات والقطاع البنكي والسوق المالية.
الثقة لا تُفرض بقرار، ولا تُبنى برسالة إيجابية فقط.
الثقة تُبنى بالشفافية، والحوكمة، واستقرار القواعد، وجودة المعلومة، والقدرة على إدارة المخاطر.
لا أرى أن ما حدث يمثل مجرد حركة موسمية مرتبطة بالصيف، ولا أرى أنه مجرد ذعر عابر لا يستحق الاهتمام.
وفي الوقت نفسه، لا أرى أن جلسة واحدة تسمح لنا بالحديث عن أزمة بنكية شاملة أو شلل اقتصادي حتمي.
ما حدث، في تقديري، هو:
تصحيح قوي بعد ارتفاع استثنائي، تزامن مع صدمة تنظيمية أثرت في توقعات المستثمرين، خاصة بشأن ربحية البنوك ومخاطرها، فكشف عن هشاشة الثقة وحساسية السوق تجاه القرارات المفاجئة.
الخطر ليس في انخفاض المؤشر وحده، بل في أن تتحول الضبابية إلى سلوك دائم، وأن تؤدي القرارات غير المصحوبة بدراسات أثر واضحة إلى رفع تكلفة المخاطر وتقليص الاستثمار والتمويل.
لذلك، فإن المسؤولية اليوم تقتضي تجنب موقفين متناقضين:
* التهويل الذي يحول كل تراجع إلى انهيار؛
* والإنكار الذي يحول كل إشارة خطر إلى مجرد تصحيح عادي.
القراءة المسؤولة تعترف بالمخاطر، لكنها لا تضخمها. وتطالب بالشفافية، لكنها لا تنشر الذعر. وتدافع عن الأهداف الاجتماعية، لكنها تطالب بأن تكون أدوات تحقيقها سليمة وقابلة للاستدامة.
تونس تحتاج اليوم إلى خطاب اقتصادي عقلاني ومسؤول، وإلى قرارات مدروسة تحمي الفئات المحتاجة إلى التمويل، دون إضعاف البنوك أو الإضرار بالمستثمرين أو زعزعة الثقة في السوق.
فالاقتصاد لا يُدار بالخوف، ولا بالتطمينات المجانية، وإنما بالأرقام والحوكمة والتوقع والاستباق وحسن إدارة المخاطر.
ظهرت المقالة ما حدث في بورصة تونس: بين التصحيح الطبيعي والصدمة التنظيمية… قراءة بلا تهويل ولا إنكار أولاً على أنباء تونس.
مشاهدة ما حدث في بورصة تونس بين التصحيح الطبيعي والصدمة التنظيمية hellip قراءة بلا
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ ما حدث في بورصة تونس بين التصحيح الطبيعي والصدمة التنظيمية قراءة بلا تهويل ولا إنكار قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على أنباء تونس ( تونس ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، ما حدث في بورصة تونس: بين التصحيح الطبيعي والصدمة التنظيمية… قراءة بلا تهويل ولا إنكار.
في الموقع ايضا :
- هل تستعد اليمن لتقلبات جوية قوية؟.. أمطار غزيرة وحرارة تصل إلى 45 درجة
- وزير الخارجية يبحث هاتفيا مع رئيس الوزراء وزير خارجية قطر التطورات الإقليمية
- وزير الخارجية يتبادل مع نظرائه بدول مجلس التعاون الرؤى حول تطوّرات المرحلة الراهنة
