ثمة إغراء يستسلم له المصلحون في كثير من الأحيان: الإيمان بأن الإنصاف يُفرض بالأرقام المعلن عنها هنا وهناك للتعبير على القدرة على تحقيق الإنجازات المغرية بالتسويق. تخصيص ميزانيّات للمناطق القرويّة، إنشاء مراكز للتميز في بعض الجهات، توقيع شراكات مع مؤسّسات كبرى: كلّها أفعال ترسم، على الورق، منظومة تربويّة عادلة ومنفتحة. لكن الإنصاف المحاسبي ليس الإنصاف المعاش. وتعبئة الشركاء، رغم إبهارها بنجاحاتها الإعلاميّة، لا تزال تعجز عن تحويل الواقع اليومي لأغلبية التلاميذ المغاربة. فالمعيار الثاني من المجال الثالث، الذي يهم تقييم مدى تعبئة الشركاء والتخصيص المنصف للموارد، هو « محقَّق جزئيّاً ». وهذا الحكم، رغم اعتداله الظاهر، يخفي واقعاً أكثر تعقيداً: لقد نجح المغرب في إنشاء جزر للتميز بفضل مبادرات للشراكة مع القطاع الخاص أو مع مؤسسات عمومية أو شبه عمومية، لكنه لم ينجح بعد في جعل الإنصاف واقعاً منظوميّاً. فمنظومة التربية والتكوين تبقى ذات سرعتين: من جهة، مؤسسات وجامعة متميزة مموّلة من قبل شركاء خارجيّين تحقّق نتائج من مستوى كبير يرقى أحيانا إلى العالمية؛ ومن جهة أخرى، كتلة من المؤسّسات والجامعات التي، رغم استفادتها من موارد، تعاني من تدبير تشغيلي غير فعّال.
تعبئة الشركاء، نجاح مركّز
يجب أوّلاً الاعتراف بنجاح لا يُنكر. لقد عرف المغرب كيف يعبّئ « أبطاله الوطنيّين » – من بنوك كبرى ومؤسسات عمومية وأخرى شبه عمومية ومن مؤسسات غير ربحية – لإنشاء نماذج متميزة. فالمؤسّسة المغربيّة للنهوض بالتعليم الأولي تدير اليوم أكثر من 24.000 قسم، وتستقبل أكثر من 400.000 طفل، بنموذج تدبير مفوّض أظهر مرونة تفوق مرونة الإدارة المركزيّة. وتُقدَّر تكلفة كلّ طفل في هذا النموذج بحوالي 2.500 درهم سنويّاً، مقابل حوالي 4.500 درهم في التعليم الأولي العمومي المدبر من طرف الدولة، ممّا يبرهن عن فعالية نسبيّة تفسر أحيانا بالتكلفة الضعيفة للعنصر البشري خاصة المربيات والمربين الذين يتقاضى الكثير منهم أجورا أقل من الحد الأدنى للأجور. لكن في انتظار أن تبرهن على نجاحها الكيفي لأن جودة التعلمات التي تقدمها أقل من جودة التعلمات في التعليم الأولي غير المهيكل ومن التعليم الخصوصي، فالنجاح الكمّي للمؤسّسة، هو دليل ساطع على قوّة القطاع الثالث حين يكون منظّماً بشكل جيد.
وفي التكوين المهني، تُنشَر مدن المهن والكفاءات التي تعد نموذجا للشراكة بين أطراف متعددة، بشكل واسع في جميع الجهات بالمملكة: 7 منها قيد التشغيل، و3 أخرى ستُفتتح في 2026، و2 في طور الإنجاز. فكلّ جهة من المملكة تملك الآن قطبا متميزا في التكوين المهني، ممّا يكسّر التركيز التاريخي على محور الدار البيضاء-الرباط. أما الجامعات الشريكة، وعلى رأسها جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، فنجدها ضمن أفضل 5 جامعات أفريقيّة من حيث براءات الاختراع والمنشورات المفهرسة، وهو ما يعني أن الأثر على إشعاع البحث العلمي المغربي حقيقي.
لكن هذا النجاح مركّز. فالمساهمة الماليّة الإجماليّة للقطاع الثالث، رغم كونها مرئيّة إعلاميّاً، تبقى هامشيّة كنسبة من الميزانيّة الإجماليّة للتربية – يُرجَّح أنها أقلّ من 5%. أما التمويل الخاصّ فيبقى مركّزاً جدّاً على عدد قليل من الفاعلين الكبار. فنسيج المقاولات الصغرى والمتوسّطة والقطاع الثالث الجمعوي المحلّي لم يُحفَّز بعد – جبائيّاً وقانونيّاً – بما يكفي للمساهمة بشكل دائم في تمويل المدارس ومراكز التكوين القريبة. وغياب قانون للرعاية التربويّة محفّز بما يكفي يفسّر جزئيّاً هذا التردّد. فالمؤسّسة المغربيّة للنهوض بالتعليم الأولي نفسها، رغم نجاحاتها، تعتمد بشكل كبير على إعانات الدولة وهبات المقاولات، التي لا تضمن استدامتها. من جهة أخرى، فإن نموذج التدبير المفوض، الذي يقدّم مزايا عديدة على المستوى الميزانيّاتي، ينطوي على مخاطر قد تمسّ باستدامة التعليم الأولي العمومي على المدى المتوسّط والبعيد، خاصّة مع الارتفاع الكبير في عدد المربيات والمربّين الذين يبقى من حقهم الإدماج في أقرب وقت ممكن في النظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي.
الإنصاف الميزانيّاتي، نيّة تصطدم بالواقع
على مستوى تخصيص الموارد، النيّة معلنة بوضوح. لقد انتقل المغرب من منطق المساواة – إعطاء الشيء نفسه للجميع – إلى منطق الإنصاف – إعطاء أكثر لمن لديه أقلّ. فحوالي 100% من ميزانيّات الدعم الاجتماعي – تيسير قبل إدماجه في الدعم الاجتماعي المباشر، النقل المدرسي، المطاعم – موجّهة إلى الوسط القروي وشبه الحضري. وتُنشَر مدن المهن والكفاءات في كلّ الجهات، بما فيها الأكثر عزلة.
لكن النيّة الميزانيّاتيّة تصطدم بواقع تشغيلي أكثر وعورة. فالمجلس الأعلى للحسابات، في تقاريره الأخيرة، يخفّف من حماس الأرقام. فهو يشير أوّلاً إلى « مفارقة البناء »: ميزانيّات مهمّة مخصّصة لبناء مدارس قرويّة، لكن نسبة التجهيز – الماء، الكهرباء، الأنترنيت – والصيانة تبقى متعثّرة. فالتخصيص المالي لا يضمن الجودة التشغيليّة، إذ إن العديد من المدارس القرويّة، رغم بنائها، تفتقر إلى الماء الصالح للشرب أو الربط بالكهرباء أو إلى الاتصال بالأنترنيت.
ويشير ثانياً إلى « ظلم في الكفاءات »: المناطق القرويّة ترث غالباً أساتذة أقلّ خبرة، ممّا يخلق فجوة بين إنصاف الوسائل الماليّة وظلم الكفاءات البشريّة. فالأساتذة المبتدئون غالباً ما يُوجَّهون إلى المناطق الأكثر عزلة، بينما يبقى الأكثر خبرة في المدن الكبرى، ممّا يديم حلقة مفرغة من جودة أقلّ لتلاميذ القرى. وأخيراً، يسجّل فعالية النقل المدرسي العشوائيّة: رغم تمويله بشكل كبير، فإن الخدمة متفاوتة بين الأقاليم، ممّا يجعل الولوج إلى المدرسة غير مضمون لبعض التلاميذ. أما نموذج مشروع المؤسّسة، الذي يفترض أن يسدّ هذه الاختلالات، أو بعضها على الأقل من خلال اعتماده سياسة القرب، فإنه ليس معمّماً ولا مطبّقاً بشكل يعكس الخصوصيّات المحليّة الحقيقيّة. وبذلك تبقى اللامركزيّة الميزانيّاتيّة إلى حدّ كبير نظريّة.
الأثر على الجودة، مفعول الواجهة
المؤشر الثالث هو الأكثر كشفاً لحدود النموذج المغربي. فأثر الاستثمارات الخارجيّة على الجودة مثبت وقابل للقياس في مراكز التميز. فالأطفال الذين التحقوا بتعليم أولي منظّم يحصلون على مكافأة تقدر بـ30 إلى 40 نقطة على مقياس TIMSS في الرياضيّات. وبرنامج « القراءة للجميع »، المموّل من التعاون الدولي، حسّن بنسبة 15% نتائج الطلاقة في اللّغة العربيّة في المدارس المستفيدة. وجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية ومثيلاتها تحقق إشعاعا دوليّاً.
لكن هذا الأثر يبقى محصوراً في « جزر ». فخطر منظومة ذات سرعتين حقيقي: من جهة، نخبة تتكوّن في مؤسّسات شريكة من مستوى عالمي؛ ومن جهة أخرى، كتلة من التلاميذ والطلبة الذين يتلقّون تعليماً ذا جودة متواضعة. فالاستثمار الخارجي لم ينجح بعد في « صدمة الانتشار ». كما أن برامج الجودة المموّلة من الخارج تنهار غالباً بمجرّد توقّف التمويل، لعدم إدماجها في ميزانيّة التسيير العاديّة للوزارة. لذلك يمكن التأكيد بأن الأثر حقيقي لكنه مؤقّت، ولم تجد المنظومة التربوية المغربية بعد وسيلة لترسيخ هذه التجارب الناجحة بشكل دائم.
الرضا، إحباط إداري
المؤشر الرابع يقيس مناخ الثقة بين الشركاء والدولة. فالمانحون الدوليّون راضون إجمالاً، يثنون على إرساء عقود الأداء ورقمنة التتبّع. لكن الشركاء الخاصّين والجماعات الترابيّة والمستفيدين المباشرين يعبّرون عن إحباط متزايد بسبب الثقل الإداري.
فالشركاء الخاصّون يأسفون لبطء مسارات الدفع وتعقيد إجراءات الصفقات العموميّة. فآجال الدفع قد تضعف سيولة المقاولات، ممّا يثبّط المقاولات الصغرى والمتوسّطة عن الاستجابة لطلبات العروض. والجماعات الترابيّة تشعر بلعب دور صندوق دعم دون إشراك فعلي في كلّ مراحل العمليّة. والمستفيدون – الآباء والمتعلّمون – راضون نسبيّاً عن المجانيّة والمساعدات الاجتماعيّة، لكنهم لا يفهمون كيف تُخصَّص الأموال لصيانة المباني، التي يجب أن تمرّ عبر جمعيّات دعم مدرسة النجاح بدل المسار الإداري الطبيعي، بدعم مالي يتراوح بين 50 ألف و100 ألف درهم، لا يغطي أغلب الحاجيات. من جهة أخرى يشير المجلس الأعلى للحسابات إلى أن الحرص على « الشفافيّة » خلّف تراكماً من العمليات الرقابية لدرجة أن الفعالية تضرّرت.
الخلاصة: نحو إنصاف منظومي
التشخيص واضح: لقد نجح المغرب في الإنصاف المحاسبي وتعبئة الشركاء الكبار، لكنه لم ينجح بعد في الإنصاف الحقيقي وتعميم الشراكات. فالمنظومة التربوية تبقى ذات سرعتين، والفاعلون المحلّيون غالباً ما يشعرون بالإحباط بسبب جمود الإجراءات.
لكي يصبح المعيار الثاني « محقَّقاً » بالكامل، يجب رفع ثلاثة تحدّيات كبرى. أوّلاً، وضع إطار قانوني وجبائي محفّز لتعبئة المقاولات الصغرى والمتوسّطة والجمعيّات المحلّيّة، وراء المجموعات الكبرى. وثانياً، إقران التخصيص المالي بسياسة لجذب الكفاءات الترابيّة، لكي لا يبقى المال دون أثر لعدم وجود موارد بشريّة مؤهّلة. وثالثاً، تحويل النجاحات الخارجيّة إلى معايير داخليّة، بإدماج البرامج التجريبيّة في ميزانيّات التسيير العاديّة وتعميم الممارسات التي أثبتت جدواها.
الطريق لا يزال طويلاً، لكن المغرب وضع الأساسات. ويبقى عليه بناء صرح مدرسة عادلة حقّاً، منفتحة وأدائيّة، حيث يستفيد كلّ طفل، أينما كان، من نفس جودة التعليم.
مشاهدة تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015 2030 الحلقة السادسة المدرسة المغربي ة إنصاف
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015 2030 الحلقة السادسة المدرسة المغربي ة إنصاف مؤجل وواقع ذو سرعتين قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على اليوم 24 ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة السادسة: المدرسة المغربيّة، إنصاف مؤجل وواقع ذو سرعتين.
في الموقع ايضا :
- حذف الفرنسية والفلسفة ومواد أخرى من بكالوريا 2027.. وهذه أبرز التعديلات
- تعيين كمال الدين كربوش واليًا لولاية قسنطينة وإنهاء مهام صيودة عبد الخالق
- عاجل العراق: هادي العامري: الدور الأميركي في دعم هذا الاعتداء الغاشم يضع الولايات المتحدة أمام مسؤولياتها القانونية والأخلاقية…