جاء خطاب جلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش ليعيد توجيه النقاش نحو إحدى أهم ركائز التجربة المغربية، حين أكد أن “المغرب دولة عريقة، تستمد قوتها من تقاليدها الراسخة، كدولة-أمة، تقوم فيها المؤسسات بدورها، في إطار من الانسجام والتكامل”. وهذه العبارة ليست مجرد توصيف سياسي، بل تختزل فلسفة الدولة المغربية كما تشكلت عبر قرون من التاريخ، وتفسر سر استمراريتها وقدرتها على التكيف مع التحولات الداخلية والدولية.
فالحديث عن الدولة-الأمة في المغرب يختلف عن التجربة الأوروبية. ففي الفكر السياسي الغربي، ارتبط مفهوم الدولة-الأمة بالثورات الأوروبية، وبخاصة الثورة الفرنسية، ثم بحركات توحيد الدول القومية خلال القرن التاسع عشر. أما المغرب، فقد عرف قبل ذلك بقرون دولة ذات سيادة، وحدود سياسية، وسلطة مركزية، وشرعية دينية وتاريخية، وهو ما وفر له عناصر الاستمرار التي حافظت على وحدته رغم تعاقب الأزمات والتحولات.
لقد استطاعت الدولة المغربية، منذ قيام الدولة الإدريسية، أن تؤسس نموذجا سياسيا يقوم على وحدة السلطان ووحدة الجماعة ووحدة المرجعية، وهو ما منحها قدرة استثنائية على الصمود. وبينما شهدت دول عديدة في محيط المغرب انهيارات متتالية وانقطاعات في بنيتها السياسية، حافظ المغرب على استمرارية الدولة، وتعاقب الأسر الحاكمة دون انقطاع الكيان السياسي أو ضياع الشرعية.
من هنا تكتسب عبارة جلالة الملك حول “الدولة-الأمة” دلالة خاصة؛ فهي لا تشير فقط إلى وجود دولة ذات مؤسسات، بل إلى وجود مجتمع ارتبط تاريخيا بمؤسساته وبمرجعيته السياسية والدينية في إطار علاقة متواصلة بين الحاكم والمحكوم.
وتعد البيعة إحدى أهم ركائز هذه العلاقة. فالبيعة في التجربة المغربية ليست مجرد طقس بروتوكولي أو تقليد موروث، وإنما هي عقد سياسي وأخلاقي يقوم على الحقوق والواجبات المتبادلة بين الأمة وإمامها. وقد صاغ الفقه السياسي الإسلامي هذا العقد باعتباره التزاما متبادلا: التزاما من الحاكم بإقامة العدل، وصيانة الدين، وحماية البلاد، ورعاية مصالح الناس، والتزاما من الأمة بالطاعة في المعروف، والحفاظ على وحدة الجماعة.
من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى البيعة باعتبارها أحد أشكال الشرعية التعاقدية التي عرفها التاريخ الإسلامي، وإن اختلفت في مرجعيتها وآلياتها عن نظريات العقد الاجتماعي التي طورها مفكرو أوروبا الحديثة، مثل هوبز ولوك وروسو. فبينما انطلقت تلك النظريات من تصور فلسفي لعلاقة الفرد بالدولة، انطلقت البيعة من تصور يجمع بين الشرعية الدينية والسياسية والاجتماعية في إطار تاريخي خاص بالمجتمعات الإسلامية.
وقد يلفت الانتباه أن الديمقراطيات الغربية نفسها لا تعتمد دائما الانتخاب المباشر في اختيار رئيس الدولة. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، تعتمد نظام المجمع الانتخابي، حيث ينتخب المواطنون ناخبين كبارا يتولون بدورهم اختيار رئيس الجمهورية. ويعكس هذا النظام فكرة الوساطة في إنتاج الشرعية السياسية، وهي فكرة عرفتها أنظمة سياسية متعددة عبر التاريخ بأشكال مختلفة.
وفي التجربة المغربية التقليدية، اضطلع أهل الحل والعقد بهذا الدور، بوصفهم ممثلين للقبائل والعلماء والوجهاء والقوى الاجتماعية، يشاركون في إقرار البيعة وإعلانها. ورغم اختلاف السياق التاريخي والمؤسساتي بين التجربتين، فإن كليهما يقوم على مبدأ أن الشرعية لا تُبنى فقط على التعبير الفردي المباشر، وإنما أيضا على آليات تمثيلية تعكس توازن المجتمع ومؤسساته. وهذه ليست مساواة بين النظامين، بل إبراز لوجود أشكال متعددة تاريخيا لإنتاج الشرعية السياسية.
ولعل ما يمنح البيعة المغربية خصوصيتها هو أنها لم تبق مجرد آلية لاختيار الحاكم، بل تحولت إلى إطار حافظ على استمرارية الدولة عبر القرون. ففي الوقت الذي شهدت فيه أوروبا ثورات دامية، وحروبا أهلية، وانهيار ملكيات، وتعاقب جمهوريات وإمبراطوريات، احتفظ المغرب باستمرارية مؤسساته، واستطاع أن يكيف نظامه السياسي مع التحولات الكبرى دون أن يفقد هويته أو شرعيته التاريخية.
ولذلك لم يكن غريبا أن يجعل خطاب العرش من الاستقرار الرأسمال الاستراتيجي الأول للمغرب. فالاستقرار ليس نتيجة الصدفة، ولا ثمرة ظرف دولي مؤقت، وإنما هو حصيلة تراكم تاريخي وثقافة سياسية تقوم على استمرارية الدولة، ونجاعة المؤسسات، والانسجام بين مختلف مكوناتها.
ويكتسب هذا المعطى أهمية أكبر في عالم يعيش على وقع اضطرابات غير مسبوقة. فالحروب، والأزمات الاقتصادية، والكوارث الطبيعية، والتحولات التكنولوجية، أعادت ترتيب أولويات الدول، وأصبح الأمن والاستقرار شرطين سابقين على التنمية. ومن هنا نفهم قول جلالة الملك إن الاستقرار أصبح “عملة نادرة”، وإنه يمثل “الرأسمال الاستراتيجي” للمغرب.
ولم يعد هذا الاستقرار هدفا في حد ذاته، بل أصبح أساسا لبناء اقتصاد قوي، وجذب الاستثمارات، وتطوير الصناعات الاستراتيجية، وتعزيز السيادة الوطنية. فكل ما أورده الخطاب من مؤشرات اقتصادية وصناعية وسياحية يجد تفسيره في وجود دولة مستقرة، ومؤسسات منسجمة، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.
كما أن من أبرز رسائل الخطاب التأكيد على أن المنجزات التي تحققت “تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني”. وهذه العبارة تؤسس لفهم عميق للدولة المغربية؛ فهي تؤكد أن المشاريع الكبرى ليست رهينة بتغير الحكومات أو الأغلبية البرلمانية، بل تندرج ضمن استمرارية الدولة، حيث تتعاقب المؤسسات والحكومات على تنفيذ رؤية استراتيجية واحدة.
إن قوة المغرب، كما يعكسها خطاب العرش، لا تكمن فقط في حجم استثماراته أو نسبة نموه، وإنما في امتلاكه نموذجا تاريخيا للدولة استطاع أن يجمع بين الأصالة والتحديث، وأن يحافظ على استمرارية الشرعية مع تطوير المؤسسات، وأن يحقق التوازن بين الثبات والتجديد. ولهذا ظل المغرب، عبر تاريخه الطويل، دولة قائمة بذاتها، قادرة على التكيف مع التحولات دون أن تفقد هويتها أو وحدتها.
ومن ثم، فإن مفهوم “الدولة-الأمة” الذي استحضره جلالة الملك ليس وصفا احتفاليا، بل هو مفتاح لفهم التجربة المغربية كلها؛ تجربة جعلت من الاستمرارية مصدر قوة، ومن الاستقرار شرطا للتنمية، ومن الشرعية التاريخية والمؤسساتية أساسا لبناء المستقبل.
"الدولة ـ الأمة" في المغرب .. الاستمرارية والاستقرار في ضوء "خطاب العرش" Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة الدولة ـ الأمة في المغرب الاستمرارية والاستقرار في ضوء خطاب العرش
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الدولة ـ الأمة في المغرب الاستمرارية والاستقرار في ضوء خطاب العرش قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، "الدولة ـ الأمة" في المغرب .. الاستمرارية والاستقرار في ضوء "خطاب العرش".
في الموقع ايضا :
- موريتانيا تمضي في مشروع العوج للحديد باستثمار ملياري دولار
- سي إن إن عن بيانات مارين ترافيك: ما لا يقل عن 14 سفينة تجارية عبرت مضيق هرمز خلال الـ24 ساعة الماضية عاجل
- المصادقة على قرض من البنك الافريقي للتصدير والاستيراد لدعم الميزانية