يأتي خطاب العرش لهذه السنة في سياق سياسي خاص، ليس فقط لأنه يسبق بأسابيع قليلة الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، وإنما أيضا لأنه يأتي في لحظة يبدو فيها المغرب أمام مرحلة جديدة من تراكم المشاريع والاستراتيجيات الكبرى التي تتجاوز في امتدادها الزمني الولاية الحكومية والبرلمانية كما جاء في الخطاب. وأيضا لانه أجمع العديد من الفاعلين السياسيين والاكاديميين والسياسيين على انها انتخابات بدون رهان سياسي.
وقد أثار الخطاب، كما هو متوقع، قراءات سياسية متعددة. اتجه بعضها إلى إبراز المنجزات الاقتصادية والاستراتيجية التي استعرضها، من تعزيز السيادة الصناعية والهيدروجين الأخضر، والأمن السيبراني، والصناعات الدفاعية، والأسواق المالية، إلى تطور الصناعات الغذائية والدوائية، والسياحة، والحماية الاجتماعية، والتنمية الترابية، فيما اختارت قراءات أخرى الانطلاق مما لم يحظَ بحيز مماثل في الخطاب، خصوصا في ما يرتبط بالصحة والتعليم والتشغيل وبعض الاختلالات الاجتماعية.
غير أن وضع الخطاب في مواجهة هذه الثنائية “ما قاله” مقابل “ما لم يقله”، قد يقود إلى قراءة محدودة لوظيفة الخطاب الملكي. فالخطاب ليس تقريرا سنويا شاملا للسياسات العمومية، ولا حصيلة حكومية أو برنامجا انتخابيا للحكومة المقبلة، وبالتالي لا يبدو من المنهجي تحميله مسؤولية تقديم إجابات تفصيلية عن كل قطاع أو كل مؤشر اجتماعي. والأهم أن غياب موضوع عن خطاب معين لا يعني بالضرورة غيابه عن أجندة الدولة.
من هنا، يمكن اعتبار أن ما لم يتطرق إليه الخطاب يكشف بصورة غير مباشرة، عن المجالات التي يفترض أن تشكل مساحة التنافس السياسي والحكومي خلال المرحلة المقبلة.
وعلى هذا الأساس يطرح السؤال: إذا كانت الاختيارات الاستراتيجية الكبرى والمشاريع المهيكلة للدولة تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، فأين يكمن الرهان الانتخابي للحكومة والأحزاب السياسية؟ وهل انتقل هذا الرهان من التنافس حول الاختيارات الكبرى إلى التنافس حول كيفية تدبيرها وتحويلها إلى نتائج اجتماعية ملموسة؟
خطاب العرش بين عرض المنجزات ورسم أفق المرحلة المقبلة
ينبغي أولا قراءة الخطاب ضمن وظيفته السياسية والمؤسساتية، لا باعتباره برنامجا حكوميا. فقد ركز خطاب هذه السنة على إبراز ما اعتبره مكاسب وتراكمات تحققت خلال السنوات الماضية، وربطها بتوجه استراتيجي واضح وباستمرارية في الاختيارات الكبرى.
ومن أبرز ما استوقف في الخطاب تأكيده أن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية المحققة تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، باعتبارها نتيجة سنوات متوالية من التراكمات والاختيارات الاستراتيجية. كما ربط المرحلة المقبلة بانبثاق حكومة جديدة وإطلاق «دورة جديدة» في المسار التنموي تقوم على تحسين المكاسب ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى
هذه العبارة تستحق التوقف عندها، لأنها تضع الانتخابات المقبلة داخل علاقة مختلفة مع صناعة السياسات العامة. فالحكومة التي ستنبثق عن انتخابات شتنبر لن تبدأ من نقطة الصفر، ولن تكون مطالبة بإعادة تحديد جميع الاختيارات الكبرى للدولة، وإنما ستجد نفسها أمام منظومة من المشاريع والاستراتيجيات التي تمتد زمنيا إلى ما بعد الولاية الحكومية.
وهنا تظهر إحدى أهم التحولات المحتملة في طبيعة الرهان الانتخابي المغربي: لم يعد السؤال السياسي بالضرورة هو: ماذا سنبني؟ وإنما أصبح بدرجة متزايدة: كيف سندبر ما يتم بناؤه؟ وكيف سنضمن مردوديته الاقتصادية والاجتماعية؟
وهذا لا يعني أن الحكومة فقدت القدرة على الاختيار، وإنما يعني أن مجال الاختيار الحكومي قد يصبح أكثر ارتباطا بالأولويات التدبيرية، والسياسات القطاعية، وآليات التنفيذ والتقييم، وجودة الخدمات العمومية، وتوزيع ثمار النمو.
عندما تتجاوز المشاريع الكبرى الولاية الحكومية
أحد التحولات الأساسية التي عرفها المغرب خلال السنوات الماضية يتمثل في تزايد حضور المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي تمتد زمنيا خارج الدورة الانتخابية. فالبنيات التحتية الكبرى، والتحول الصناعي، والطاقات المتجددة، والمشاريع المرتبطة بالموانئ واللوجستيك، والتحول الرقمي، إضافة إلى الاستعداد للاستحقاقات الرياضية الدولية، كلها مجالات لا يمكن اختزالها في ولاية حكومية واحدة.
وتكمن أهمية هذا التحول في أنه يعيد تعريف العلاقة بين الانتخابات والسياسات العمومية.
ففي النموذج الكلاسيكي للمنافسة الانتخابية، تقدم الأحزاب مشاريع بديلة حول مستقبل الدولة: ماذا ستبني؟ وما النموذج الاقتصادي الذي ستعتمده؟ وما الأولويات التي ستعيد ترتيبها؟
أما في حالة تتسم بتراكم استراتيجيات ومشاريع ممتدة زمنيا، فإن جزءا من هذه الأسئلة يصبح أقل ارتباطا بالتغيير الحكومي المباشر. وتتحول المنافسة تدريجيا إلى أسئلة أخرى أكثر ارتباطا بالتدبير: من سيحسن تنفيذ المشاريع؟ من سيضمن نجاعتها؟ كيف ستوزع ثمار النمو؟ كيف ستتحول الاستثمارات إلى فرص شغل؟ كيف ستنعكس المشاريع الكبرى على الخدمات العمومية؟ كيف ستقلص الفوارق الاجتماعية والمجالية؟ وكيف ستتم محاسبة المسؤولين عن النتائج؟
ومن هنا، فإن القول إن الانتخابات المقبلة قد تكون «بلا رهانات سياسية» يحتاج إلى شيء من التدقيق، فالرهان السياسي لم يختف بالضرورة، وإنما قد يكون انتقل من مستوى الاختيارات الاستراتيجية إلى مستوى الأداء الحكومي والنتائج التدبيرية.
الصحة والتعليم والتشغيل… المساحات التي لا ينبغي أن تتركها الأحزاب فارغة
من الخطأ المنهجي تحويل عدم تفصيل الخطاب لبعض القطاعات إلى حكم على أنها غائبة عن أجندة الدولة، لكن من المشروع، في المقابل، أن نتساءل: إذا كانت الخطابات الملكية تحدد الاتجاهات الاستراتيجية الكبرى، فأين يفترض أن تتبلور الإجابات التفصيلية حول القضايا الاجتماعية اليومية؟
وهنا تحديدا تظهر مسؤولية الحكومة والأحزاب، فالصحة والتعليم والتشغيل ليست بالضرورة ملفات تحتاج إلى توجيه استراتيجي جديد في كل مناسبة، بقدر ما هي ملفات تحتاج إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والتقييم والمساءلة.
يمكن للدولة أن تستثمر في بناء المستشفيات، لكن الحكومة مطالبة بالإجابة عن سؤال جودة الخدمات الصحية، وتوزيع الموارد البشرية، وتدبير المواعيد، وتقليص الفوارق المجالية في الولوج إلى العلاج.
ويمكن أن تتوسع البنية التعليمية، لكن الرهان الحكومي يكمن في جودة التعليم، وتكوين المدرسين، ومحاربة الهدر المدرسي، وتحسين أداء المدرسة العمومية.
ويمكن أن يحقق الاقتصاد معدلات نمو مهمة، لكن السؤال السياسي الذي يبقى مفتوحا هو: كيف يتحول هذا النمو إلى وظائف مستقرة، وإلى فرص للشباب، وإلى تحسن في القدرة الشرائية وظروف العيش؟
وبهذا المعنى، فإن الصحة والتعليم والتشغيل لا ينبغي النظر إليها باعتبارها موضوعات «غاب عنها الخطاب»، وإنما باعتبارها مساحات سياسية محتملة للتنافس بين الأحزاب. فالاختلاف بين الحكومات لا ينبغي أن يكون بالضرورة في سؤال: هل نريد مستشفيات؟ وهل نريد مدارس؟ وهل نريد خلق فرص للشغل؟ وإنما في كيفية تحقيق هذه الأهداف، والموارد التي ستخصص لها، والخيارات التدبيرية المعتمدة، والنتائج التي ستتحمل الحكومة مسؤولية تحقيقها.
من سياسة المشاريع إلى سياسة النتائج
إذا كانت المرحلة السابقة واللاحقة تتمحور حول إطلاق المشاريع وتطوير البنية التحتية وتحقيق التحول الاقتصادي، فإن التحدي السياسي للمرحلة الاتية قد يكون الانتقال من سياسة المشاريع إلى سياسة النتائج.
فالمواطن لا يقيس بالضرورة نجاح الدولة بحجم المشروع في ذاته، وإنما بما ينتجه من أثر في حياته اليومية.
فالميناء لا تكتمل قيمته الاقتصادية بمجرد بنائه، وإنما بما يخلقه من نشاط اقتصادي وفرص شغل وقيمة مضافة.
والاستثمار الصناعي لا يحقق غايته فقط بحجم الأموال المستثمرة، وإنما بقدرته على تطوير سلاسل القيمة المحلية، ونقل التكنولوجيا، وخلق وظائف ذات جودة.
والحماية الاجتماعية لا تقاس فقط باتساع قاعدة المستفيدين، وإنما بجودة الخدمات واستدامة التمويل وفعالية الاستهداف.
وهنا يمكن أن تتبلور وظيفة الحكومة المقبلة: تحويل التراكم الاستراتيجي إلى نتائج اجتماعية قابلة للقياس.
وبالتالي، فإن السؤال الانتخابي الأكثر أهميو هو من يستطيع أن يدير أفضل، وينفذ أسرع، ويقيس النتائج، ويصحح الاختلالات؟
وهذا التحول من «سياسة المشاريع» إلى «سياسة النتائج» من شأنه أن يعيد الاعتبار إلى التنافس البرنامجي، إذا استطاعت الأحزاب أن تبني برامجها حول مؤشرات واضحة للإنجاز بدل الاكتفاء بالشعارات العامة.
من البرامج إلى الأسماء: مفارقة التنافس الانتخابي في المغرب
غير أن المفارقة الأكثر إثارة للقلق لا تكمن فقط في ضعف التنافس البرنامجي، وإنما في طبيعة جزء من الحركية الحزبية التي تسبق الانتخابات، حيث يتحول الاستقطاب السياسي إلى ترحال حزبي وإعادة تموقع للأسماء والنخب أكثر مما هو تنافس بين مشاريع سياسية واضحة فحين ينتقل الفاعل السياسي من حزب إلى آخر قبيل الاستحقاق الانتخابي، أو حين يصبح استقطاب شخصية بعينها حدثا انتخابيا يفوق في الاهتمام النقاش حول البرنامج الذي ستدافع عنه، فإن ذلك لا يغير فقط موازين المنافسة بين الأحزاب، إنما يمس جوهر الاختيار الانتخابي: ماذا يختار المواطن بالضبط، الحزب وبرنامجه، أم الشخص وموقعه داخل الخريطة السياسية؟
وتزداد حدة الإشكال عندما يترافق هذا الترحال مع تداول مبكر حول الأسماء التي يمكن أن تتولى رئاسة الحكومة، قبل أن يحسم الناخبون موازين القوى. صحيح أن ذلك لا يعني قانونيا أن نتائج الانتخابات قد حسمت، لكن سياسيا يمكن لمثل هذا النقاش أن يبعث رسالة مقلقة إلى الناخب مفادها أن جزءا من ترتيبات المرحلة المقبلة يجري خارج صناديق الاقتراع.
وفي هذا السياق، لا تكمن دلالة التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة في شخصه، ولا ينبغي أن يتحول إلى دليل على حسم نتائج الانتخابات أو رئاسة الحكومة، وإنما في الطريقة التي استقبل بها الحدث سياسيا وإعلاميا بوصفه جزءا من إعادة تشكيل موازين القوى الانتخابية. فالمشكلة ليست في التحاق شخصية إلى حزب بعينه، وإنما في تحول هذا الالتحاق او الانتقال الحزبي من وسيلة لتجديد الأفكار والمشاريع إلى أداة لإعادة ترتيب المواقع الانتخابية. وعندما يصبح هذا المنطق متكررا، يفقد الانتماء الحزبي دلالته السياسية، ويصبح الحزب أقرب إلى منصة انتخابية قابلة لتغيير الوجوه والتموضعات مع اقتراب كل استحقاق.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي أمام الأحزاب في هذه المرحلة ليس فقط استقطاب مزيد من الأسماء، وإنما إعادة الاعتبار إلى معنى الانتماء السياسي نفسه: أن يكون الانتقال إلى حزب انتقالا إلى مشروع، وأن يكون التنافس على الأشخاص امتدادا للتنافس حول الأفكار والبرامج، لا بديلا عنها. وإلا فإن الخطر لا يقتصر على إضعاف التنافس الحزبي، بل يمتد إلى تآكل ثقة المواطن في جدوى المشاركة السياسية وفي قدرة الانتخابات على إحداث فرق حقيقي في مسار الحكم والتدبير. وهو شعور متغلغل على كل حال لدى المواطنين وانا منهم. فقط أحاول ان ابحث عن سبيل يبرر
من الاختيار الاستراتيجي إلى التنافس التدبيري: تحولات الرهان الانتخابي في المغرب صوت المغرب.
مشاهدة من الاختيار الاستراتيجي إلى التنافس التدبيري تحولات الرهان الانتخابي في المغرب
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ من الاختيار الاستراتيجي إلى التنافس التدبيري تحولات الرهان الانتخابي في المغرب قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، من الاختيار الاستراتيجي إلى التنافس التدبيري: تحولات الرهان الانتخابي في المغرب.
في الموقع ايضا :
- حقوقيون: 2826 مهاجرا وصلوا إلى سبتة و26 غريقا منذ بداية 2026
- الحرس الثوري الإيراني: القوة الجوفضائية هاجمت صباح اليوم، بعدة صواريخ بالستية، مرابض تمركز وحظيرة صيانة مقاتلات F-35 التابعة للعدو الأمريكي في قاعدة الأزرق الجوية في الأردن عاجل
- مصر.. من استهدف ميناء دمياط؟