نولان يعيد بناء ملحمة "الأوديسة".. فرجة كبرى تتعثر أمام سؤال الإنسان ...المغرب

هسبريس - اخبار عربية

لا تختزل “الأوديسة” في حكاية محارب يحاول العودة إلى بيته بعد حرب طروادة. صاغ هوميروس، أو التقليد الشفهي الذي حمل اسمه، رحلة أوديسيوس بوصفها اختبارًا للزمن والذاكرة والهوية والسلطة والرغبة. يسافر البطل في المكان، لكنه يواجه، في العمق، صعوبة العودة إلى ذاته وإلى العالم الذي تركه. تختبر الملحمة معنى الوفاء، وحدود الحيلة، وواجب الضيافة تجاه الغريب، وعلاقة الإنسان بالمصير، كما تكشف التوتر بين البطولة والعنف، وبين توق الفرد إلى المجد وحقوق الجماعة التي تدفع ثمنه.

لذلك لا يقتبس السينمائي “الأوديسة” كما ينقل حادثة تاريخية، بل يدخل في حوار مع نص مؤسس للخيال الغربي. ولا يكفي أن يعيد تصوير العمالقة والعواصف والسفن وحصان طروادة، لأن القيمة المعاصرة للملحمة لا تكمن في غرابة مغامراتها، بل في قدرتها على مساءلة الإنسان حين تزلزل الحرب عالمه، وحين يكتشف أن الرجوع إلى الوطن لا يمحو ما ارتكبه في الطريق.

    يمثل كريستوفر نولان حالة نادرة داخل السينما الأمريكية البريطانية. فقد حافظ على صورة “المؤلف” الذي يكتب أفلامه ويشرف على تفاصيلها، لكنه اشتغل في الوقت نفسه داخل أضخم منظومات الإنتاج والتوزيع والتسويق العالمية. جمع بين التعقيد السردي والنجاح الجماهيري في “تذكار” و”استهلال” و”بين النجوم”، ثم وظف التاريخ والحرب والعلم في “دانكيرك” و”أوبنهايمر”. وتحول اسمه، لا أسماء ممثليه وحدها، إلى علامة تجارية قادرة على تحويل الفيلم إلى حدث عالمي.

    يصر نولان على أن السينما تجربة حسية وجماعية. ويقول: “إذا عشتَ تجربة فيلمي، فقد فهمته” (كريستوفر نولان، مقابلة مع ستيفن كولبير، 2024). ويرى أن الفيلم ليس لغزًا يجب تفكيكه، بل تجربة ينبغي أن تحدث، ويفضل أن تحدث داخل قاعة السينما. (The Independent)

    يكشف هذا التصور قوة مشروعه وحدوده معًا. فهو يدافع عن الشاشة الكبيرة في مواجهة المشاهدة المشتتة، لكنه يخاطر أحيانًا بجعل الإحساس بديلًا من التفكير، والاندهاش بديلًا من الفهم، والضخامة بديلًا من العمق. ويصبح السؤال مع “الأوديسة” أكثر إلحاحًا: هل استخدم نولان إمكاناته الهائلة لكي يحرر الملحمة من الاستهلاك السريع، أم جعلها ذروة جديدة لهذا الاستهلاك؟

    تقنية تملأ الشاشة ولا تستنفد المعنى

    امتلك الفيلم ميزانية تقارب 250 مليون دولار، وصُوّر كاملًا بكاميرات “آيماكس”، مستفيدًا من تطوير تقني سمح باستخدامها حتى في المشاهد الحوارية الهادئة. واعتمد نولان المواقع الحقيقية والمؤثرات العملية والسفن والديكورات المادية، ساعيًا إلى منح العالم الأسطوري كثافة بصرية وملمسًا واقعيًا. (The Australian)

    وتنجح الصورة في فرض حضورها. تتحول البحار والصخور والكهوف والعواصف والسفن إلى كتل حسية ضخمة، ويجعل حجم الشاشة الإنسان هشًا أمام الطبيعة. كما يبرهن الفيلم على قدرة السينما على إنتاج خبرة لا تستطيع شاشة الهاتف أن تمنحها. لكن السيطرة على التقنية لا تعني امتلاك رؤية جمالية. تبدأ التقنية في خدمة الفن حين تجعل المرئي طريقًا إلى اللامرئي، وحين تحول المكان والضوء والصوت إلى أسئلة عن الوجود، لا حين تكتفي بتضخيم الأشياء.

    يقول نولان إنه يشعر بمسؤولية تقديم “أكبر قدر ممكن على الشاشة” ومنح الجمهور أكمل مجموعة من الصور والأحداث. (كريستوفر نولان، برنامج “60 دقيقة”، 2026). (CBS News) لكن “أكبر قدر ممكن” لا يعني بالضرورة “أعمق قدر ممكن”. وقد تتحول الرغبة في ملء الشاشة إلى خوف من الفراغ والصمت والتأمل. وحين تتلاحق الحوادث والانفجارات والمواجهات بلا تنفس، لا تعود الصورة مجالًا للرؤية، بل تصبح أداة لمنع العين من التوقف.

    لا يطالب الاقتباس الإبداعي بالأمانة الحرفية. بل يحق للسينمائي أن يحذف ويضيف ويقلب منظور النص، شرط أن ينتج قراءة جديدة ومتماسكة. لذلك لا تكمن مشكلة الفيلم في ابتعاده عن هوميروس، بل في أنه لا يعمق دائمًا ما يغيره.

    يخفف نولان حضور الآلهة، ويقرب أوديسيوس من صورة الإنسان المعاصر الممزق بالذنب والصدمة. غير أنه لا يمنح الشخصيات ما يكفي من التعقيد النفسي. يظل أوديسيوس مركز العالم، بينما تتحول شخصيات عديدة إلى وظائف تساعده أو تعرقله. وتفقد بينيلوبي وكاليبسو وأثينا ويوريلوخوس ويوميوس كثيرًا من التناقض والبلاغة والاستقلال الذي منحته إياها الملحمة. وتبدو الشخصيات النسائية، على الرغم من كثرتها، محكومة بعلاقتها بالبطل أكثر مما تتحرك من داخل تجاربها الخاصة.

    كما يرفع الفيلم قيم الضيافة والوفاء والأسرة، لكنه لا يحسم تناقضاته الأخلاقية. يدين الخداع حين يقع على بعض الشخصيات ويحتفي به حين يمارسه البطل. يدين القتل في الحرب، ثم يحول قتل الخاطبين إلى ذروة ممتعة. يرفض عدوان القوة حين تمارسه جماعة معادية، لكنه يبرره حين يحمي الملك سلطته وبيته وثروته. كان يمكن لهذه التناقضات أن تفتح نقدًا عميقًا للبطولة والملكية والحرب، غير أن الفيلم يتركها غالبًا معلقة داخل دوامة الفرجة.

    سينما في زمن اقتصاد الانتباه

    تصل “الأوديسة” في لحظة لا تهيمن فيها التكنولوجيا على أدوات العرض وحدها، بل تعيد تشكيل الإدراك نفسه. تدرب المنصات وشبكات التواصل المتلقي على السرعة والتقطيع والتكرار والمكافأة الفورية، وتحول الانتباه إلى مورد اقتصادي تتنافس عليه الشركات. وتمارس “الفيودالية الرقمية” سلطة لا تكتفي ببيع الصور، بل تتحكم في شروط رؤيتها وفي الزمن الذي يمنحه الإنسان للعالم ولذاته.

    تقاوم سينما نولان هذا النظام من جهة، لأنها تستدعي الجمهور إلى القاعة وتطالبه بمنح فيلم واحد ساعات متصلة. وقد أكد أن التجربة السينمائية لا تقوم على حجم الشاشة وحده، بل على التوتر بين التجربة الذاتية والمشاركة الوجدانية مع جمهور حاضر في المكان نفسه. (كريستوفر نولان، مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس، 2017). (Ahram Online)

    لكن الفيلم يخضع لمنطق اقتصاد الانتباه من جهة أخرى. فهو يقاوم الشاشة الصغيرة بأدوات الشاشة الكبيرة نفسها: مزيد من الحجم، ومزيد من الصوت، ومزيد من الأحداث، ومزيد من الإثارة. وبدل أن يحرر الانتباه من الإغراق، ينقل الإغراق إلى مستوى أكثر فخامة.

    حذر مارتن سكورسيزي من أن تحويل الأفلام إلى “محتوى” يؤدي إلى أن “يُنتقص من فن السينما ويُهمش ويُختزل إلى أدنى قاسم مشترك” (مارتن سكورسيزي، مجلة Harper’s، 2021).

    (NME) لا تتحول “الأوديسة” إلى محتوى عابر، لكنها لا تنجو تمامًا من المنطق الذي يجعل قيمة العمل مرتبطة بقدرته على احتلال المجال البصري العالمي وتحويل المخرج والفيلم وتقنية “آيماكس – IMAX” إلى علامات تسويقية متضافرة.

    لا تنفصل قراءة الملحمة اليوم عن عالم تهدر فيه الحروب حياة المدنيين، وتخرق فيه القوى الكبرى القانون الدولي، ثم تواصل تقديم نفسها حامية للديمقراطية وحقوق الإنسان. وكان يمكن لفيلم عن عودة محارب من حرب مدمرة أن يسائل بجرأة مسؤولية المنتصر، وذاكرة الضحية، وتناقض الحضارة التي تعلن قيمًا كونية ثم تستثني منها من لا ينتمي إلى مركزها.

    غير أن الفيلم ينظر إلى العنف أساسًا من داخل أزمة بطله. يعاني أوديسيوس الذنب، لكن ضحاياه لا يملكون وجوهًا أو سرديات مكافئة. وتظهر حرب طروادة بوصفها خطأً أخلاقيًا، من دون أن يمنح الفيلم الطرواديين حضورًا إنسانيًا يسمح للمشاهد برؤية الحرب من موقع من دُمرت مدينتهم.

    وتزداد المفارقة حين يستعمل الفيلم أمكنة متنازعًا عليها أو مثقلة بتاريخ سياسي مجرد خلفيات جمالية. فقد انتقدت المقالة التي استُلهم منها هذا النص تصوير جزء من العمل في الصحراء الغربية، ورأت أن تحويل المكان إلى مشهد بصري قد يفصل جماله عن واقعه السياسي وعن معاناة سكانه. لا تكفي الصورة الجميلة لكي تكون بريئة؛ فالسينما الكبيرة لا تصور المكان فقط، بل تتحمل مسؤولية الطريقة التي تدخله بها في نظام المعنى.

    انتصار الصناعة وتعثر الرؤية

    ينجز نولان فيلمًا قويًا من حيث السيطرة الإنتاجية، ومبهرًا في تصميم الصورة والصوت والمكان. ويعيد الجمهور إلى القاعات، ويدفع قراء جددًا إلى اكتشاف هوميروس، ويؤكد أن السينما لا تزال قادرة على صناعة حدث جماعي في عصر المنصات. وقد ساهم إطلاق الفيلم فعلًا في تجدد الاهتمام بترجمات “الأوديسة” وبالدراسات الكلاسيكية. (People.com)

    لكنه لا يحول إمكاناته كلها إلى كشف إنساني موازٍ لضخامتها. يسيطر على التقنية أكثر مما يسيطر على تناقضات رؤيته، ويستعيد الملحمة أكثر مما يعيد اختراع معناها. ويجعلنا نشاهد رحلة أوديسيوس، لكنه لا يجعلنا نختبر بما يكفي مأساة الذين عبر فوق أجسادهم لكي يعود.

    قال أندريه تاركوفسكي إن الفن ينبغي أن يساعد الإنسان على “الارتقاء فوق ذاته وممارسة ما نسميه الإرادة الحرة” (أندريه تاركوفسكي، فيلم “شاعر في السينما”، 1984). (IMDb) وفق هذا المعيار، لا يُقاس الفيلم بعدد السفن التي بناها ولا بحجم الكاميرات التي حملها، بل بمقدار الحرية الداخلية التي يوقظها في المتلقي.

    تثبت “الأوديسة” أن نولان يستطيع بناء عالم هائل، لكنها تترك السؤال مفتوحًا: هل يستطيع الخروج من سطوة الضخامة التي صنعته؟ لقد عاد أوديسيوس إلى إيثاكا، لكن السينما نفسها لم تعد بعدُ من حربها الطويلة مع رأس المال والتكنولوجيا واقتصاد الانتباه.

    نولان يعيد بناء ملحمة "الأوديسة".. فرجة كبرى تتعثر أمام سؤال الإنسان Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

    مشاهدة نولان يعيد بناء ملحمة الأوديسة فرجة كبرى تتعثر أمام سؤال الإنسان

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ نولان يعيد بناء ملحمة الأوديسة فرجة كبرى تتعثر أمام سؤال الإنسان قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، نولان يعيد بناء ملحمة "الأوديسة".. فرجة كبرى تتعثر أمام سؤال الإنسان.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار