دفعت مشاهد العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة كبريات الصحف ووكالات الأنباء الدولية إلى التعامل مع الحدث بوصفه أزمة تتجاوز حدود المغرب وإسبانيا، بعدما اجتمعت فيه الخسائر البشرية، والانهيار المفاجئ للضبط الحدودي، والارتدادات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي، ثم انتقال الصور نفسها إلى قلب السجال الأمريكي حول الهجرة، لذلك لم تكن التغطيات متشابهة، إذ اختلفت اللغة والزوايا باختلاف التوجهات التحريرية، من التركيز على المأساة الإنسانية والفوضى الميدانية، إلى استثمار الحدث دليلا على فشل السياسات المتساهلة، وصولا إلى تحميل المغرب وإسبانيا مسؤوليات متفاوتة عما جرى.
قدمت وكالة “أسوشيتد برس” الحدث أولا باعتباره أزمة إنسانية واسعة النطاق، وركزت على عودة عشرات الآلاف من الوافدين إلى المغرب بعد ساعات من وصولهم، وعلى مقتل 57 شخصا خلال عمليات العبور، بعضهم غرقا، وبعضهم قضى خلال التدافع عند الحاجز البحري في منطقة تاراخال، كما أبرزت الوكالة أن عدد الداخلين إلى سبتة وصل، وفق تقديرات السلطات المحلية، إلى نحو 60 ألف شخص، أي ما يقارب 70 في المائة من عدد سكان المدينة، وهو ما جعل البنية المحلية عاجزة عن استيعاب الوافدين، ودفع حكومة مدريد إلى نشر قوات عسكرية وتعزيزات أمنية إضافية.
وفي هذه التغطية، ظهر الجانب الإنساني بوضوح من خلال شهادات شبان مغاربة قالوا إنهم تحركوا بحثا عن فرص عمل أفضل، قبل أن يقرر كثير منهم العودة بعدما وجدوا أنفسهم داخل مدينة غير قادرة على توفير الغذاء أو المأوى، كما نقلت الوكالة عن شاب من تطوان قوله إن ضعف الأجور وطول ساعات العمل دفعاه إلى المحاولة، غير أنه لم يجد في سبتة ما كان يتصوره، فاختار الرجوع، وهي شهادة استعملتها الصحافة الدولية لتفسير دوافع العبور من زاوية اقتصادية واجتماعية، بعيدا عن التوصيفات الأمنية وحدها.
وفي المقابل، اتجهت “واشنطن بوست” إلى قراءة الحدث ضمن صراع سياسي أوسع، واعتبرت أن الوصول المفاجئ لأعداد ضخمة من المهاجرين منح خصوم رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز مادة جاهزة لمهاجمة سياساته، كما رأت أن الصور المتداولة على نطاق واسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي تحولت بسرعة إلى سلاح سياسي في يد اليمين الإسباني والأوروبي، ثم انتقلت إلى الولايات المتحدة، حيث استثمرها الرئيس دونالد ترامب ومسؤولون في البيت الأبيض لتجديد التحذير من الهجرة غير النظامية.
وربطت الصحيفة بين أحداث سبتة السليبة وبين وضع سياسي حساس يعيشه سانشيز، مشيرة إلى أن الأزمة وقعت في وقت تواجه فيه حكومته انتقادات بسبب ملفات داخلية، كما أبرزت أن إسبانيا بدت استثناء نسبيا داخل أوروبا، بعدما مضت في تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين المقيمين بصورة غير قانونية، وهو القرار الذي استغله خصومها للقول إن مدريد ترسل إشارات تشجع على مزيد من العبور، بينما دافعت الحكومة الإسبانية عن موقفها، مؤكدة أن ما وقع لا يرتبط بسياسة التسوية، وإنما بتفسير مغلوط لحكم حديث صادر عن المحكمة العليا.
وتوقفت الصحيفة الأمريكية عند الأثر الأوروبي المباشر للأزمة، إذ أعادت فرنسا تشديد الرقابة على حدودها مع إسبانيا، واتخذت إيطاليا إجراءات مؤقتة على حركة المسافرين، كما صعدت أحزاب اليمين في ألمانيا وفرنسا وإسبانيا خطابها، مستعملة مفردات مثل “الغزو” و”انهيار الحدود”، وهو ما جعل التغطية تتحرك من وصف الوقائع إلى تحليل كيفية تحول سبتة إلى رمز جديد في الصراع بين التيارات الأوروبية حول الهجرة والسيادة وحدود فضاء شنغن.
أما صحيفة “التايمز” البريطانية فاختارت زاوية تفسيرية أوسع، إذ شرحت الموقع الجغرافي لسبتة، وذكرت أنها تقع على الساحل الشمالي لإفريقيا وتمثل واحدة من نقطتي التماس البريتين الوحيدتين بين الاتحاد الأوروبي والقارة، إلى جانب مليلية المحتلة، كما استعرضت تاريخ السيطرة الإسبانية على المدينة، وموقف المغرب الذي يعتبرها من بقايا الاستعمار، مقابل تمسك مدريد باعتبارها جزءا من التراب الإسباني.
وركزت الصحيفة على أثر الحكم الصادر عن المحكمة العليا الإسبانية بشأن الإرجاع الفوري للمهاجرين الذين يصلون بحرا، معتبرة أن القرار جعل عمليات الإعادة أكثر تعقيدا، وربما أسهم في انتشار اعتقاد لدى بعض الراغبين في العبور بأن الوصول سباحة إلى سبتة يفتح لهم باب البقاء داخل إسبانيا، كما ربطت بين الحكم والطقس الصيفي وشبكات التهريب والرسائل المتداولة عبر الهواتف، غير أنها لم تستبعد فرضية وجود حسابات سياسية في خلفية ما جرى، مستحضرة أزمة 2021 والعلاقات المتوترة آنذاك بين الرباط ومدريد.
هذا المنحى لم يكن محايدا تماما، لأن “التايمز” أعادت إنتاج فرضية استخدام الهجرة أداة ضغط، رغم عدم تقديم معطيات حاسمة تثبت أن السلطات المغربية خططت للعبور أو نظمته، وهي فرضية تكررت في بعض التغطيات الغربية انطلاقا من السوابق الدبلوماسية بين البلدين، في حين نقلت “أسوشيتد برس” عن سفيرة المغرب في مدريد تأكيدها أن ما جرى وقع خارج إرادة الرباط، وأن المغرب يفضل الهجرة القانونية والمنظمة والآمنة.
وذهبت افتتاحية “وول ستريت جورنال” أبعد من ذلك، إذ استخدمت عنوانا مباشرا هو “المغاربة يغزون إسبانيا”، وقدمت الأحداث بوصفها دليلا على أن أوروبا لم تحسم بعد طريقة التعامل مع الهجرة، وربطت ما جرى بقرار المحكمة العليا وسياسة الحكومة الإسبانية في تسوية أوضاع المقيمين بصورة غير نظامية، كما قارنت المشهد بأزمة الحدود الأمريكية في عهد جو بايدن، معتبرة أن الرسائل السياسية التي توحي بإمكانية البقاء تشجع على مزيد من التدفق.
وتكشف هذه المقارنة طبيعة الخط التحريري المحافظ للصحيفة الأمريكية، لأنها تعاملت مع الوافدين أساسا بوصفهم مهاجرين اقتصاديين، وركزت على ضرورة ضبط الحدود والحفاظ على التأييد الشعبي للهجرة القانونية، كما رأت أن المشاهد ستوفر دعما إضافيا لأحزاب اليمين المناهضة للهجرة في فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا، وهو توصيف يعكس تحولا واضحا من النظر إلى المهاجر فردا يبحث عن فرصة، إلى النظر إليه كتحد سياسي وأمني يهدد استقرار المجتمعات الأوروبية.
وبين هذه التغطيات برز اختلاف جوهري في اللغة، فالوكالات الإخبارية تحدثت عن “مهاجرين” و”أزمة إنسانية” و”فوضى”، بينما استخدمت صحف محافظة مفردات من قبيل “الاجتياح” و”الغزو”، وهو اختلاف لا يتعلق بالأسلوب فقط، وإنما بكيفية بناء صورة الحدث، إذ تحول الوافد في بعض المقالات إلى ضحية لشبكات التهريب والظروف الاجتماعية، بينما ظهر في مقالات أخرى بوصفه جزءا من كتلة تهدد الحدود والنظام العام.
كما اختلفت التغطيات في تفسير مسؤولية مدريد، فبعضها عدّ سياسة سانشيز متساهلة، وبعضها رأى أن المحكمة العليا خلقت فراغا قانونيا، في حين ركزت أخرى على نقص الموارد الأمنية في سبتة، وعلى عدم كفاية أعداد عناصر الحرس المدني، أما الحديث عن المغرب فتراوح بين الإشارة إلى ضعف ضبط الحدود، وطرح فرضية الضغط السياسي، ونقل الموقف الرسمي المغربي الذي نفى الرغبة في دفع المواطنين إلى العبور.
بين "الأزمة الإنسانية" و"الغزو المغربي" .. صحف عالمية تنقسم حول أحداث سبتة Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة بين الأزمة الإنسانية والغزو المغربي صحف عالمية تنقسم حول أحداث سبتة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ بين الأزمة الإنسانية و الغزو المغربي صحف عالمية تنقسم حول أحداث سبتة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، بين "الأزمة الإنسانية" و"الغزو المغربي" .. صحف عالمية تنقسم حول أحداث سبتة.
في الموقع ايضا :
- قراءة في استقالة الوزير المهندس بدر باسلمة
- موجة اقتحام جديدة تستهدف معبر مليلية
- أميركا توسع حصار إيران.. وتغيّر مسار 30 سفينة