yemenat
يمنات
عبدالوهاب قطران
انهيار الجنة الخضراء وأحلام النجاة المؤوَّدة
حبلات وجرب العنب الاسود كرم همدان بالبلاد ،بسبب الجفاف والقحط والجدب ونضوب البئر الارتوازية،عطش و ماتت وهلكت اكواله واهترت عناقيده الى الارض هذا العام..
كانت قريتنا جنة خضراء ،تزرع كل انواع الفواكه والخضروات والحبوب ،وكان بها عشرات الالاف من حبلات العنب الاسود والرازقي والعاصمي والعرقي والاطراف والزيتون والسيسبان .. وكان كل مزارع يمتلك مالايقل عن ماتين ثلاثمائه كول عنب .
وبالعشر السنوات الاخيرة بسبب الجفاف والعطش ونضوب المياة الجوفية من الابار الارتوازية ،انحسرت زراعة العنب ولم يعد يزرع عنب بالقرية سوى فلاحين معدودين بالاصابع ونحن منهم… وصارت اراضي القرية صحراء قاحلة تغزوها المباني الاسمنتية مباني شعبية بلك عشوائي الزاحفة للوافدين من محافظات اخرى وكل مزارع باع من ارضه مالايقل من مائه لبنه ارض لينقذ نفسه من الجوع والفاقه.
وهذا العام لحقناهم وماتت مزارع عنبنا.
الجوع والقحط والجدب يخيم بظلاله الكئيبة على القرية والوطن ..
كنا اغنياء من محاصيل ارضنا الطيبة ،وكما يقول اجدادنا الفلاحين “اذل مالي مثل جيد الاصحاب”
ابن اخي الشاب عبدالسلام واخيه عبدالرحمن ،يلحلوا عليا للموافقة لهم على بيع عشر لبن ارض ليقطعوا فيز ليهربوا الى ارض الاغتراب بالسعودية ليعيلوا انفسهم واسرتهم.. وانا اتلكاء وارفض بيع الارض ، لان الارض كالام لاتعوض..
زراني عبدالسلام منذ اربعة ايام يطلب مني المساعدة في الحصول على تكاليف فيزة والسؤال عند معارفي عن اجراءات وتكاليف الفيزة ،واضاف ان قريبنا المغترب بالسعودية وعده انه سيسلفه قيمة الفيزة ،وسيسافر الى السعودية يعمل ويقضيه قيمة الفيزة تواصلت مع شخص من القرية يعرف مكتب يستخرج فيز وسئلته كم تكلفتها قال عشرة الف سعودي فيزة عامل منزلي!! ومعاملة الفيزة بالبحث وفحوصات المستشفى ستكلف قرابة الف سعودي.
تلفوناتي وتلفونات عبدالسلام مراقبة …
واذا بنا نتفتجئ مساء نفس الليلة باتصال من شخص اسمه على المرتضى مسئؤال الضمانات بجهاز استخبارات الشرطة.. يتصل لابناء اختي الضمناء ويهددهم بالسجن واغلاق المحل لانهم سبق وضمنوا على عبدالسلام قبل اربعة اشهر عندما تم الافراج عنه!! طالبا احضاره لانه حسب زعمه لازال ينتقد ويحرض على المسيرة القرائنية بالمقائل. ومن يتكلم امامهم بالمقائل من مخبري القرى يصوروه فديو !!! وانهم سيعيدوه الى السجن.
استغربت وتعجبت وصرخت بوجه عبدالسلام ليش جالس تثرثر رحلك من الثرثرة..
قال والله العظيم ما بين اتكلم ولا اتحدث ولابين اسير اخزن عند احد…
عندها ظهر لي ان السبب انهم سمعونا ونحن نتكلم بالهواتف عن معاملة. وتكاليف استخراج فيزة العمل للسعودية!! فطننت واستغربت هل وصل الحال بهم الى منع شاب للسفر للغربة لانقاذ نفسه واسرته من الهلاك جوعا!!
لارحموا ولاتركوا رحمة ربنا تنزل!!
الشخص الذي وعده انه سيقرضه قيمة الفيزة ،طنش ولم يعد يرد على رسائل الوتس حق عبدالسلام .. واكتشف عصر اليوم انه قد عمله باك وحضر بالوتس!!!
فحزن عبدالسلام واكتسرت نفسه خزن عندي للمغرب وقام روح البلاد مكسور الجناح كاهله مثقل بهموم الدنيا والاخرة … وفوق ذلك عاده خايف ومهدد بالسجن والاعتقال !!
زوجتي نزلت الى عندي وهي تنتحب بالبكاء مالك ماحصل ،قالت اتصلوا من البلاد امي تاعبة تحتاج عملية بالدماغ عندها نقطتين دم متجمده بالدماغ والعملية خطيرة وفاشلة ومستحيل تنجح هنا..
حاولت اواسيها دون جدوى..
غربة الروح وحصار المطالب:
أقفُ في مواجهة مكتبتي التي كسا الغبار رفوفها ومجلداتها منذ سنوات، فأشعر كأنني أقف أمام جزءٍ من روحي تركته خلفي قسراً لا اختياراً. أتأمل عناوين الفكر والفلسفة والأدب التي كانت يوماً ملاذي ووطني الداخلي، فيجلدني وخز ضميرٍ لا يهدأ.
لم أهجر القراءة زهداً، ولا انطفاءً لوهج المعرفة في دمي، وإنما لأن الحياة في هذه البلاد المُنهكة لا تكتفي بسرقة أموالنا، بل تسرق الوقت، وصفاء الذهن، والقدرة على التأمل. كيف يحلّق العقل في سماوات الفلسفة وقدماه تغوصان في وحل الهموم اليومية؟ وكيف تتذوق الروح عذوبة الأدب وهي تخوض، من شقشقة الفجر حتى عتمة الليل، معركةً لا تنتهي لتأمين لقمة العيش، ورسوم المدارس، ومصاريف الجامعات، لأسرةٍ لا ذنب لها سوى أنها وُلدت في زمن الجوع، والقحط، والفوضى، والتيه؟
لقد مضت سنواتٌ ثقال، صار الإنسان فيها يحصي أيامه لا أحلامه؛ سنواتٌ قزّمت طموح الناس حتى بات أقصى أمانيهم مجرد النجاة إلى الغد. خيّم الخوف على كل تفاصيلنا، حتى باتت الشكوى ترفاً يخشاه الكثيرون، وصار الصمت المتواري خندقاً وحيداً للدفاع عن النفس.
وفي لُجة هذا الخراب، لم يبقَ للإنسان حتى حقه في عزلته.
مجلسي، الذي كنت ألوذ به هرباً من صخب الساحات، تحول إلى محطةٍ للنزاع لا تهدأ. قضايا تحكيمية تافهة، لا تزن في ميزان العقل العناء المبذول فيها، تستنزف الوقت وتحرق الأعصاب. أتعابها الزهيدة لا تكاد تغطي ثمن وجع رأسٍ ليوم واحد، ومع ذلك يتلكأ أصحابها في دفعها، بل يبلغ بهم العبث أن يتخاصمون ويتعاركون داخل مجلسي على أمورٍ لا تستحق الخصومة.
كم صرختُ في وجوههم: اذهبوا إلى المحاكم ولا تحملوني ما لا أطيق! لكنهم يعودون مراراً. هذا يطرق الباب في سكون المقيل، وذاك يقتحم ليلك بعد العشاء، وثالثٌ يبتغي استشارةً مجانية، ورابعة تطلب صياغة دعوى، وخامسٌ يبحث عن عقد زواج، وسادسٌ يريد فتوى قانونية… وكأن وقت الإنسان وعمره مشاعٌ مباح لا حرمة له.
ومن فرط الإرهاق والطفش، انتزعت شريحة هاتفي المحمول ورميتها، واستجرت بهاتفٍ أرضي، واهماً أنني سأسترد شيئاً من السكينة. لكن الأبواب بقيت تُقرع، والوجوه تتوالى، والطلبات لا تنضب، حتى صرت أقول لابني كلما سُمع الطرق: “قل لهم إن أبي ليس هنا”. وما أقسى أن يضطر الرجل إلى التخفي داخل جدران بيته، متسولاً ساعةً من الهدوء.
وبينما أحاول سدّ نوافذ هذا الإزعاج، يأتيني الوجع الأكبر من حيث لا أحتسب. رسالةٌ تطرق هاتف ابني من عمه: “جدتك مريضة، أدخلناها صنعاء عند عمتك .. قل لابوك لازم يقدم فلوس نعالجها”.
أقرأ الحروف وكأنها خناجر تمزق صدري. أقف مفلساً، أتحسس جيبي فلا أجد إلا فراغاً وما يسد الرمق العابر بصعوبة بالغة إلى آخر الشهر.
إن قلة الحيلة في حضرة مرض الأم هي أقسى درجات العجز المذل، عجزٌ يجعلك تتمنى لو تنشق الأرض لتبتلعك، قبل أن تقف مكتوف الأيدي أمام أنين من جعلت الجنة تحت قدميها.
هنا فقط، يدرك الرجل المعنى الحقيقي والفاجع للعجز. ليس العجز عن النطق أو العمل، بل العجز عن الوقوف كطودٍ منيع بجوار أمه وهي تتألم. إنها اللحظة التي تضيق فيها الدنيا بما رحبت، حتى لا يجد المرء متسعاً لأنفاسه.
فجوة الأجيال وغربة المعرفة
وما إن أفيق من غيبوبة هذا الوجع، حتى يقف أمامي ابني، طالب الحقوق، مطالباً بثلاثين ألف ريال لشراء مقررات السنة الجديدة. أفتش في مكتبتي عن أمهات الكتب التي درستها أنا قبل ستة وعشرين عاماً، أجمع له ما تطوله يدي،وأعده بالبحث المتأني عن البقية لأسلمها له. وأحاول أن أزرع في عقله أن أصول القانون لا تشيخ، وأن مبادئ العدالة الكبرى لا تبلى بتبدل الطبعات.
لكنه لا يرى سوى حداثة الغلاف.
يقول بصلفٍ وتذمر: “هذه كتب قديمة… والمنهج يتغير”!
أشرح فلا يسمع، وأقنع فلا يقتنع، وينتهي به المطاف متهماً إياي بالبخل؛ لكنه يتذمر بصلف، يرمقها بازدراء قائلاً: “هذه كتب قديمة، والمنهج يتغير!”.
أحاول أن أشرح له، بقلب أبٍ مكلوم وعقل رجلٍ متعب، أن المبادئ العامة في الشريعة والقانون راسخة لا تتبدل، لكنه لا يعي، بل يتمادى ليتهممني بالبخل. يتهممني أنا، الذي اشتريت له مقررات السنة الأولى بثلاثين ألفاً، فما إن فرغ من امتحاناته حتى رماها لصاحبه بكل خفة وبكرم حاتمي زائف. وصاحبه هذا مستهتر، سجل في الشريعة قبل ثلاث سنوات نفقات خاصة، فلم يذاكر، ولم يمتحن، ولا هو حق دراسة ولا تدريس.
نعم رمى الكتب لصديقه دون أن يدرك أن أباه قد يُعصر ألماً إذا ما ضاقت به السبل يوماً لشرائها مجدداً. هنا، لا يوجعني ثمن الورق، بل يمزقني اتساع الهوة بين جيلين؛ جيلٌ عرَف قدسية الكتاب فصانه، وجيلٌ يظن أن قيمة المعرفة في حداثة طباعتها لا في عمق ما تحمله.
شتات الذهن وأمل العودة
وسط هذا الجحيم الذي لا يُطاق، أشعر أن عقلي بدأ يتآكله الضمور والتبلد. أمد يدي إلى كتاب “حدود مصنوعة: نقض المفهوم الجغرافي للزيدية باليمن”، الذي أعاره لي مؤلفه قبل شهرين لأطالعه وأعيده. أفتح دفتيه، أقرأ الصفحة الأولى، والثانية، والثالثة… ثم أكتشف بوجع أنني لم أفهم حرفاً واحداً.
ليس زهايمر ما أصابني، بل هو التشتت، والشرود، وانعدام التركيز. هو الغرق في تفاصيل حياةٍ تافهة استهلكت روحي وحولت أيامي إلى جحيم. لأن الذهن المحاصر بجحافل الهموم لا يجد متسعاً لفكرة. فالإنسان لا يقرأ بعينيه فقط، بل يقرأ بقلبه وروحه، وإذا كانت الروح مثقلة بكل هذا الخراب، تعثرت البصيرة قبل الحروف.
إن أشد ما أخشاه اليوم ليس فقر الجيوب، بل أن تمتد يد الحاجة الغليظة إلى روحي، فتسرق منها شغفها القديم بالمعرفة، وتطفئ إيماني بأن الكتاب كان، ولا يزال، آخر الحصون التي تقي الإنسان من الانهيار.
اللعنة… اللعنة على أزمنة الجوع، والفوضى، والتيه. اللعنة على واقعٍ يسلب الإنسان عقله قبل رغيفه.
ولكن، رغم هذا الركام الموحش، ورغم كل هذا الإنهاك الذي أثقل كاهلي، ما زلت أحاول أن أقاوم بالكلمة. فما زال في القلب رمقٌ يشتاق إلى يومٍ تنجلي فيه هذه الغمة، وأعود فيه إلى كتبي، لا كهاربٍ من الحياة، بل كرجل استرد روحه وكرامته من بين براثن هذا الخراب.
ما زلت كلما وقفت أمام مكتبتي، أشعر أنها لا تعاتبني بل تنتظرني. تنتظر اليوم الذي ينجلي فيه هذا الليل الطويل، لأزيح الغبار عن الرفوف، وأنفض الرماد عن روحي، وأعود إلى كتبي، كما يعود الغريب… بعد طول تيهٍ إلى وطنه.
yemenat
مشاهدة غبار على الرفوف ورماد في الروح يوميات رجل يطحنه العوز
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ غبار على الرفوف ورماد في الروح يوميات رجل يطحنه العوز قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على موقع يمنات الأخباري ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، غبارٌ على الرفوف ورمادٌ في الروح: يوميات رجلٍ يطحنه العوز.
في الموقع ايضا :
- عراقجي يشير خلال اجتماع المجلس الاعلامي الحكومي إلى الجهود المضاعفة التي تبذلها وزارة الخارجية لتعزيز المصالح العليا للبلاد في إطار تدابير وتوجيهات قائد الثورة الاسلامية وتعليمات المجلس الأعلى للأمن القومي
- عاجل.. إسرائيل ترفع مستوى التأهب الدفاعي وسط تقارير عن ضربة أمريكية محتملة لإيران
- عاجل إذاعة “جيش” العدو الإسرائيلي: حزب الله تصدى خلال الليل لقوة إسرائيلية من وحدة “إيغوز” حاولت التسلل إلى منطقة علي الطاهر واشتبك معها…
