ما وراء اقتحام سبتة.. قراءة في الخلفيات السياسية والاجتماعية والاستراتيجية ...المغرب

هسبريس - اخبار عربية

قديما قال بورفيريو دياز، رئيس المكسيك (1884-1911): “مسكينة هي المكسيك، بعيدة جدا عن الله وقريبة جدا من الولايات المتحدة”، جزء من هذه الصورة ينطبق على المغرب الذي هو قريب جدا من أوروبا، بكل ما تمارسه هذه الأخيرة من إغراء على شبابه، وبكل ما تغرق فيه المقارنات التي تسقط الشرط التاريخي وحجم التراكمات التي تحققت في الضفة الشمالية بجهود جماعية على مدى عقود من الزمن.

بعيدا عن إغراء نظريات المؤامرة لا بد من الإقرار بداية بأن ما جرى بمدينة سبتة المحتلة مازال مستعصيا على الفهم والتفسير، وأن ما يقدم من روايات إنما ينطلق من خلفيات مسبقة تحاول توظيف الحدث لخدمة سردية مسبقة.

    من جهة نجد رواية اليمين الأوروبي، بشقيه المتطرف والتقليدي، من جورجيا ميلوني ووصولا إلى جوردان بارديلا، مرورا بسانتياغو أباسكال، خيرت فيلدرز، أليس فايدل، نايجل فاراج، بحيث يظهر أن جزءا من المشهد الواسع لما عرفته سبتة مثل فرصة ذهبية لتصفية حسابات بين اليمين الأوروبي وحكومة بيدرو سانشيز اليسارية. قراءة التصريحات والتصريحات المضادة توضح إلى أي حد مازال موضوع الهجرة، بصفة عامة، ورقة انتخابية رابحة أمام عجز النخبة السياسية والحزبية الأوربية عن تقديم حلول حقيقية لأزمات بنيوية تنخر القارة العجوز. ينطبق ذلك أيضا على الولايات المتحدة الأمريكية التي تستعد للتجديد النصفي، بحيث يشكل موضوع الهجرة واحدا من المواضيع الكلاسيكية التي تثير هواجس الناخبين والصراع بين الجمهوريين والديمقراطيين.

    طبعا لا يعني ذلك أن اليمين الأوربي والأمريكي هو الذي تسبب في الأحداث التي عرفتها سبتة المحتلة، لكن مسارعته لتوظيفها بما يخدم مصالحه السياسية والانتخابية ساهم في التشويش على أي قراءة موضوعية، تضع الحدث في سياقاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وساهم جزء واسع من الإعلام الأوروبي في خدمة سردية اليمين، بل وفي تغليط الرأي العام الأوربي والدولي، ممن لا معرفة لهم بتاريخ ووضعية مدينة سبتة، من خلال عناوين من قبل: “كيف وصل 60 ألف مغربي إلى أوربا؟”، بينما الحقيقة هي أن سبتة مدينة مغربية محتلة توجد في البر المغربي على القارة الإفريقية وليست في أوربا.

    في صلب الحدث يوجد حكم لمحكمة النقض الإسبانية صدر في 8 يوليوز يمنح حصانة لمن بلغ الأراضي الإسبانية عن طريق البحر، ولأن مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين توجدان على مرمى حجر من باقي المدن المغربية، الفنيدق، مرتيل، تطوان، بني نصار، الناظور، فإن الحكم القضائي كان بمثابة دعوة مغرية لكل راغب في الهجرة، وفي صلب ذلك مافيا الاتجار بالبشر التي رفعت وتيرة الهجرة السرية طيلة الأيام التي تلت الحكم القضائي، وهو ما ساهم في إشاعة مضامينه على نطاق واسع، ودفع الكثيرين إلى اختباره.

    هنا يبرز السؤال، لماذا سبتة وليس مليلية؟.

    سبتة لأن المدن المجاورة لها نظير الفنيدق ومارتيل وتطوان تشهد إقبالا استثنائيا في هذه الفترة من السنة بمناسبة: أولا العطلة الصيفية، وثانيا لاحتضانها الاحتفالات الرسمية لعيد العرش، بحيث يصبح من الصعب التمييز بين الواصلين إلى المدن المجاورة لها. هنا لا بد من التذكير بأن العدد الأكبر ممن دخلوا سبتة في البداية كانوا من أطفال وشباب ينحدرون من المدن المجاورة لسبتة. هذا الأمر ليس تفصيلا عابرا، بل جوهري لفهم حجم التحولات التي عرفتها المنطقة في السنوات القليلة الماضية؛ ذلك أن المغرب منع منعا كليا عمليات التهريب التي كانت تتم على مدار الساعة بين المدينتين المحتلتين سبتة ومليلة وباقي مناطق المغرب، إذ عمدت الحكومات الإسبانية المتوالية إلى إغراق المغرب بالسلع المهربة انطلاقا من المدينتين، ما ساهم في سهولة الولوج إليهما، بحيث كانت الشرطة الإسبانية تشترط فقط البطاقة الوطنية وأن تحمل عنوانا بالمدن المجاورة، أي إن شباب وساكنة المنطقة المجاورة لسبتة ومليلية كان ولوجهم إلى المدينتين لا يطرح أي إشكال على الإطلاق، وذلك لعقود طويلة من الزمن.

    منع التهريب من الجانب المغربي ترتب عليه رد فعل إسباني تمثل في مراجعة شروط ولوج الساكنة المغربية المجاورة، فشملتهم ضرورة التوفر على جواز سفر وتأشيرة “شنغن”، وبذلك تحولت المدينتان من فضاء مفتوح إلى فضاء مغلق على الساكنة المغربية المجاورة. الموقف الإسباني كان تعبيرا عن حالة يأس، بعد أن حاصرت الرباط المدينتين المحتلتين بأكبر مينائين في البحر الأبيض المتوسط، الأول في طنجة المتوسط والثاني في الناظور، وهي بنيات مينائية تتجاوز قدرات إسبانيا التي لم تستطع تقديم أجوبة اقتصادية فعالة للمدينتين المحتلتين، وهو ما جعلها تسقط في أيدي اليمين المتطرف الإسباني الذي يحمل حقدا قديما على كل ما هو مغربي عملا بوصية الملكة إزبيلا…

    سبتة، المدينة التي كانت مفتوحة أمام الأجيال السابقة ولم تكن تغريهم بالعيش فيها، تحولت فجأة إلى هدف مطلوب؛ وقد أظهرت تصريحات الشباب واليافعين العائدين منها حجم الفجوة في معرفة فضاء مجاور، علما أن هذا الجيل أكثر تواصلا، بحيث ظهر أن وسائل التواصل الاجتماعي تقوم فقط بدور التحريض، لكنها تقدم صورة مزيفة وغير واقعية عن الحقيقة. لذلك تعبر تصريحات عدد من العائدين طوعيا من سبتة عن صدمة وخيبة أمل كبيرتين، وهي بذلك تعتبر وجها من وجوه الحدث نفسه التي تحتاج إلى قراءة أعمق.

    الرواية الأخرى التي تريد أن تقدم تفسيرا لأحداث سبتة المحتلة هي داخلية تتمثل في أشخاص وتيارات سياسية تنطلق من مواقف إيديولوجية مسبقة، وتتمثل أساسا في تيارات الإسلام السياسي واليسار الراديكالي وبعض القوميين المرتبطين بكل شيء يوجد خارج البلاد باستثناء قضايا المغرب؛ يضاف إليهم ناشطون مدنيون وباحثون يعبرون منذ سنوات عن رفضهم أو اختلافهم على الأقل مع السياسات العمومية والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للدولة المغربية. هذه التيارات والشخصيات يتهمها كثيرون بالعدمية وبالرفض المسبق لكل ما يتم تحقيقه وإنجازه في ظل محيط إقليمي ودولي موسوم بعدم اليقين. الفرق أن الدولة المغربية وعبر مؤسساتها الدستورية تقر بكل الأعطاب التي مازالت تكبل طموحها. وفي صدارة المعترفين بذلك نجد الملك محمد السادس، الذي تحدث قبل سنة عن مغرب السرعتين، وقبل سنوات قليلة عن ضعف انعكاس النمو الاقتصادي بالمغرب على التشغيل، إلى غير ذلك من الصعوبات التي تواجهها البلاد؛ وهي صعوبات لا تقلل من قيمة ما تم إنجازه، لكن من سلبياتها أنها تساهم في إغراء الحلم الأوروبي الذي يوجد على أبواب المغرب، وهي وضعية طبيعية جدا لا يمكن أن تتحول إلى حجة للقول إن كل شيء فاشل. الحقيقة أن المغرب يحقق قفزات اقتصادية كبيرة ويحقق تطورا يجعله من كبار القارة الإفريقية، فهو الدولة الصناعية الأولى في القارة وثاني مستثمر بها وأول وجهة سياحية وواحد من أكبر مصنعي السيارات في العالم، وفي النادي الضيق للمصنعين في قطاع الطيران. لكن ذلك لا يعني في الوقت نفسه أن المغرب سيلغي واقع التأخر التاريخي عن أوروبا الذي يمتد لعقود من الزمن، لذلك فالبلد لا يحتاج لا إلى خطاب التهويل ولا إلى خطاب التهوين، فهو قد وضع هدف بلوغ مرتبة الدول الصاعدة، وفي هذا الطريق سيعرف أزمات وصعوبات عرفتها جميع الدول التي خاضت هذا الطريق وعاشت مراحل التحول السياسي والاقتصادي؛ لكن لسوء حظه أنه يعبر الطريق ذاتها في ظرف دولي أكثر تعقيدا مما عاشته دول أخرى، وفي ظل ظروف اقتصادية صعبة وعولمة تحاصرها السياسات الحمائية ومعارك الرسوم الجمركية، وسط حروب وأزمات لا تنتهي، تؤثر على سلاسل القيمة وتعقد رهانات التموقع ضمن سلاسل التوريد.

    طبعا هناك أبعاد أخرى لما جرى. وهنا تجدر بنا العودة إلى الرأي الذي أصدره المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وهو مؤسسة دستورية، في 30 من نوفمبر 2023، تحت عنوان: “شباب لا يشتغلون، ليسوا بالمدرسة، ولا يتابعون أي تكوين ‘NEET’: أية آفاق للإدماج الاقتصادي والاجتماعي؟”، أكد فيه أن فئة الشباب، الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، ويوجدون خارج نطاق منظومة التعليم والتكوين وسوق الشغل، حسب إحصائيات قدمتها سنة 2022 المندوبية السامية للتخطيط، تبلغ 1.5 مليون فرد. المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يفسر هذه الظاهرة بكونها تبرز حجم محدودية السياسات العمومية الرامية إلى تحقيق الإدماج الاجتماعي والاقتصادي للشباب عموما، ولا سيما بالنسبة لهذه الفئة الهشة. يضاف إلى ذلك واقع الأسر، تراجع حس المسؤولية، الحياة السهلة التي تصورها مواقع التواصل الاجتماعي وتمارس إغراء قهريا على الشباب والمراهقين، بل إن المفارقة هي أنه في وقت يتم الحديث عن البطالة والهجرة هناك قطاعات اقتصادية مغربية تشتكي للدولة من غياب اليد العاملة وندرتها وتطالبها بتسهيل الهجرة إلى المغرب، خاصة في قطاعات البناء والأشغال العمومية والفلاحة…

    ما وراء اقتحام سبتة.. قراءة في الخلفيات السياسية والاجتماعية والاستراتيجية Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

    مشاهدة ما وراء اقتحام سبتة قراءة في الخلفيات السياسية والاجتماعية والاستراتيجية

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ ما وراء اقتحام سبتة قراءة في الخلفيات السياسية والاجتماعية والاستراتيجية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، ما وراء اقتحام سبتة.. قراءة في الخلفيات السياسية والاجتماعية والاستراتيجية.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار