انت الإشارات والرموز عبر الزمان لغة الحضارات القديمة، التي بقيت شاهدة على معانٍ عميقة ورسالة محددة. فالفراعنة، اليونان، الرومان، العرب والأمازيغ تركوا إشارات ورموزًا، لتدل عبر العصور على مدافن وكنوز، كما خلّفوا طقوسًا دينية، لا تزال تثير فضول الباحثين حتى اليوم.
كذلك الأمر بالنسبة للعادات الاجتماعية الضاربة في التاريخ، من قبيل إقامة عزاء بعد مرور أربعين يومًا على جنازة الميت، يجتمع فيه أهله وأحبابه، من أجل إحياء ذكراه بالحزن وإعداد الطعام للحاضرين، اعتقادًا منهم أن روحه لا تزال معلقة بعين المكان.
في هذا الصدد، قد تكون هناك حركة تثاقف بين الحضارات المختلفة، خصوصًا وأن المصريين القدماء، كانوا يعتقدون في البعث بعد الموت، كما كانوا يعتقدون باتحاد الجسد من جديد مع الروح. لذلك اهتموا كثيرًا بتحنيط الأموات، الذي كان يتم عبر عدة مراحل، تصل مدتها إلى أربعين يومًا. أما المصريون الأقباط فيقيمون بدورهم قداسًا في الكنيسة على روح الميت، يُعرف بـ “قداس الأربعين”. في حين يقيم المصريون المسلمون طقس الأربعين على روح الميت، بقراءة القرآن الكريم وبالصدقات. أما المسلمون من طائفة الشيعة في العراق، فلهم أيضًا شعائرهم الخاصة في ذلك، إحياءً لذكرى أربعينية الإمام الحسين، التي تقام في العشرين من شهر صفر كل عام، وذلك منذ 61 هجرية، إذ توافق هذا العام الخامس من غشت.
الغريب أن ميعاد سيدنا موسى عليه السلام كان أربعين ليلة، إذ قال تعالى: “وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً” (سورة الأعراف: 142). وتيه بني إسرائيل في الأرض بلغ أربعين سنة، إذ قال تعالى: “فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ” (سورة المائدة: 26). وبلوغ الأشد يكون في أربعين سنة، إذ قال تعالى: “حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ” (سورة الأحقاف: 15). وكذلك طوفان سيدنا نوح عليه السلام دام أربعين يومًا، كما أنه في عقيدة المسيحيين “سيدنا عيسى عليه السلام مكث أربعين يومًا، قبل صعوده للسماء”.
بل إن بعثة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه، كانت في سن الأربعين. وكذلك كانت وصيته (صلى الله عليه وآله وسلم) للإمام علي، بضرورة الصبر وعدم القتال في حال لم يجد العون، أي نصاب أربعين رجلاً (1). والنطفة تصير علقة بعد أربعين يومًا، ثم تصير مضغة بعد الأربعين، وهكذا دواليك، حتى قيل قديمًا: “من عاشر قومًا أربعين يومًا صار منهم”.
قديمًا كان “من العلماء من جمع الأربعين في أصول الدين، وبعضهم في الفروع، وبعضهم في الجهاد… وكلها مقاصد صالحة… وقد رأيت (كما يقول الإمام النووي) جمع أربعين أهم من هذا كله، وهي أربعون حديثًا مشتملة على جميع ذلك، وكل حديث منها قاعدة عظيمة من قواعد الدين…” (2). هكذا عبر الإمام النووي في تصدير مؤلفه “الأربعون النووية”، وإن كان يستند في ذلك على حديث ضعيف (3).
بالتالي، فإن تميز الرقم “أربعين”، يدعونا للتمعن والبحث عن سبب هذا التوافق، رغم اختلاف المرجعيات والخلفيات الحضارية، لهذه العادات والتواريخ. فهل هو مجرد صدفة، أم أن له تفسيرًا آخر؟ وهل يوم أربعينية الميت، له مستند شرعي؟
أما أربعينية الإمام الحسين، فهي عرف درج عليه المسلمون الشيعة، وهي بالنسبة لهم مستحب، وردت فيه عدة روايات، تؤكد فضل زيارة الحسين وثواب ذلك. إذ روي عن الإمام الباقر: “مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين، فإن إتيانه مفترض على كل مؤمن يقر للحسين بالإمامة من الله عز وجل”. وفي حديث آخر له أيضًا، عندما سُئل: ما لزائر الحسين من الثواب؟ قال: “يؤمنه الله يوم الفزع الأكبر، وتلقاه الملائكة بالبشارة، ويقال له: لا تخف ولا تحزن، هذا يومك الذي فيه فوزك”.
وقد روى النوري عن زرارة بن أعين، عن أبي عبد الله الصادق أنه قال: “إن السماء بكت على الحسين أربعين صباحًا بالدم، والأرض بكت عليه أربعين صباحًا بالسواد، والشمس بكت عليه أربعين صباحًا بالكسوف والحمرة، والملائكة بكت عليه أربعين صباحًا. وما اخضبت امرأة منا، ولا ادّهنت، ولا اكتحلت، ولا رجّلت، حتى أتانا رأس عبيد الله بن زياد، وما زلنا في عبرة من بعده”.
أيضًا روي عن الإمام الحسن العسكري أنه قال: “علامات المؤمن خمس: الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وصلاة إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين، والتختّم باليمين، وتعفير الجبين”. كما روى صفوان الجمّال عن الإمام الصادق قال: قال لي مولاي الصادق: “تزور الحسين عند ارتفاع النهار وتقول…” (ثم تلا الزيارة). وعن عطاء، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كنت مع جابر يوم العشرين من صفر، فلما وصلنا الغاضرية اغتسل في شريعتها، ولبس قميصًا كان معه طاهرًا، ثم قال لي: أمعك شيء من الطيب يا عطاء؟ قلت: سعد، فجعل منه على رأسه وسائر جسده، ثم مشى حافيًا حتى وقف عند رأس الحسين، وكبّر ثلاثًا، ثم خرّ مغشيًا عليه. فلما أفاق سمعته يقول:… ثم تلا الزيارة (4).
ثم إن المشهور في “سبايا أهل البيت”، أنهم نزلوا بكربلاء في العشرين من صفر، أعادوا معهم رأس سيد الشهداء، كما يقول بذلك أبو الريحان البيروني، لكي يدفن مع جسده بعد أربعين يومًا من استشهاد الإمام، فوجدوا فيها جابر بن عبد الله الأنصاري، صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو يزور، فتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم. بذلك يكون سبب استحباب زيارة أربعينية الإمام الحسين، هو تواجد عيال الحسين في العشرين من صفر في كربلاء. ومنذ ذاك الحين، أي 61 هجرية، والزوار يتوافدون من أجل إحياء هذه الذكرى الأليمة. ويشار إلى أن عدد زوار المرقد هو في تصاعد مستمر، خصوصًا مع استتاب الأمن في العراق، إذ وصل في أربعينية 1447 الموافق 2025، حسب العتبة العباسية المقدسة، إلى 21,103,524 زائرًا (في إحصائية رسمية).
هذا الحدث المليوني الأضخم في العالم، يؤرخ لـ”ثورة” الإمام الحسين، التي ألهمت الكثيرين، ومنهم الزعيم الهندي المهاتما غاندي، الذي كان سيخي الديانة، حيث قال: “تعلمت من الحسين كيف أكون مظلومًا فأنتصر”. كما كان تصوره في نص آخر أنه على الهند “إذا أرادت أن تنتصر، فعليها أن تقتدي بالإمام الحسين” (5). في حين يعتقد أتباع السلفية الوهابية، في صيام عاشوراء (تاسوعاه وعاشوراه)، فيتبعونها بالصوم عن الكلام في فاجعة الأمة التي قتلت ابن نبيها (صلى الله عليه وآله وسلم). يقولون: إن “لا ينبغي للحزن أن يتعدى ثلاثة أيام، ولا يجوز بناء القبور على الأموات”…
لكن صريح القرآن الحكيم واضح في هذه المسألة، حيث أن سيدنا يعقوب عليه السلام، حزن على فُقد ابنه يوسف عليه السلام، حتى ابيضت عيناه، ولم ينكر الله تعالى ذلك، بل قال سبحانه: “وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ” (سورة يوسف: 84). وقال تعالى حاكيًا قول الذين غلبوا على شأن أصحاب الكهف: “قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا” (سورة الكهف: 21). وبالتالي، كيف يبنى مسجد على هؤلاء، ولا يبنى ضريح لـ”سيد شباب الجنة”؟ الذي قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): “حسين مني، وأنا منه، أحب الله من أحب حسينًا، الحسن والحسين من الأسباط” (5).
الملفت أن الشق الأول من الحديث “حسين مني”، مفهوم ما دام الحسين ابن السيدة فاطمة الزهراء، فهو بالتالي حفيد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). ولكن الشق الثاني منه “أنا منه”، يدعو لكثير من التأمل والتدبر.
الهوامش:
(1) جاء مجموعة من المهاجرين والأنصار إلى الإمام علي يبايعونه على الموت دونه، فقال لهم: “إن كنتم صادقين فاغدوا عليّ غدًا محلّقين”، فلم يحلّق إلا سلمان والمقداد وأبو ذر الغفاري، كما في رواية (روضة الواعظين للفتّال النيسابوري)، وفي أخرى تضيف عمار بن ياسر، وأخرى تضيف الزبير.
ويصرح علي في كلام له أنه: “لو وجد يوم بويع أخو تيم، أربعين رجلاً كلهم على مثل بصيرة الأربعة الذين وجدت، لما كففت يديّ، ولناهضت القوم، ولكن لم أجد خامسًا فأمسكت” (كتاب سليم بن قيس: 218، خطبة الإمام علي في السنة الأخيرة من عمره).
(2) عبد الجبار عمر، الأربعون النووية وتتمتها، الصفحة 3، مؤرخ من الأصل في 2019.
(3) الحديث يقول: “من حفظ على أمتي أربعين حديثًا من أمر دينها، بعثه الله عز وجل يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء”.
(4) روي حديث الإمام الحسن العسكري أيضًا في كتاب “مصباح المتهجّد”. أما العلامة الحلي فيقول باستحباب زيارة الحسين في العشرين، من أجل استذكار المآسي التي جرت على سبايا أهل البيت، بالبكاء والنحيب.
(5) حديث صحيح رواه يعلى بن مرة الثقفي، وأخرجه الترمذي (3775)، وابن ماجه (144)، وأحمد (17597)، صححه الألباني، صحيح الجامع، رقم: 3146.
أرْبعينيّة الإمام الحسين Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة أر بعيني ة الإمام الحسين
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أر بعيني ة الإمام الحسين قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، أرْبعينيّة الإمام الحسين.
في الموقع ايضا :
- مواقيت الصلاة اليوم الإثنين 3 أغسطس 2026 في القاهرة والمحافظات
- جمعية حقوقية توجه نداء دوليا للمطالبة بالإفراج عن الغنوشي والمعتقلين السياسيين في تونس
- عقب منع مرور ناقلات وقود كهرباء عدن.. القوات الخاصة بأمن أبين تنهي قطاعاً مسلحاً بأحور