تواصل أزمة العبور الجماعي للمهاجرين إلى سبتة السليبة فرض نفسها على المشهد السياسي والإعلامي في إسبانيا، بعدما تحولت من ملف يرتبط بالهجرة غير النظامية إلى محور نقاش واسع حول الأمن القومي، والعلاقة مع المغرب، ومستقبل السياسة الدفاعية الإسبانية. وبينما تتواصل التحقيقات القضائية في ملابسات ما جرى، كثفت أحزاب اليمين ووسائل الإعلام المحافظة وعدد من الكُتّاب والمحللين انتقاداتهم لحكومة بيدرو سانشيز، معتبرين أن الأزمة كشفت، من وجهة نظرهم، عن ثغرات في حماية الحدود الخارجية، وأعادت إلى الواجهة نقاشًا ظل حاضرًا خلال السنوات الأخيرة بشأن قدرة الدولة على مواجهة ما يوصف في الأدبيات الأمنية الأوروبية بـ”التهديدات الهجينة”، وهو ما حوّل الملف إلى إحدى أبرز ساحات المواجهة السياسية بين الحكومة والمعارضة.
منذ الساعات الأولى للأزمة، تبنت الصحف المحافظة مقاربة تختلف عن الرواية الحكومية، إذ اعتبرت افتتاحية صحيفة “إل موندو” أن ما شهدته سبتة لا يمكن اختزاله في موجة هجرة غير نظامية، وإنما يمثل أزمة أمن قومي كشفت، بحسب الصحيفة، هشاشة منظومة حماية الحدود الإسبانية. كما رأت أن الحكومة لم تقدم تفسيرًا متماسكًا للرأي العام بشأن أسباب وصول هذا العدد الكبير من المهاجرين إلى المدينة خلال فترة قصيرة، منتقدة تضارب التصريحات بين وزارة الداخلية وأجهزة الاستخبارات حول ما إذا كانت السلطات تمتلك معلومات مسبقة عن احتمال وقوع هذه التطورات. وأضافت أن الدولة فقدت، ولو بصورة مؤقتة، السيطرة على واحدة من أكثر حدودها حساسية، معتبرة أن تبادل المسؤوليات بين المؤسسات الأمنية لا يعفي الحكومة من مسؤوليتها السياسية، وأن المطلوب هو تقديم تقييم واضح لما حدث، واستخلاص الدروس الضرورية لمنع تكرار الأزمة.
وتقاطعت هذه القراءة مع مواقف قيادات الحزب الشعبي، أكبر أحزاب المعارضة، التي اعتبرت أن حماية الحدود الخارجية مسؤولية سيادية لا يجوز التهاون فيها. إذ دعا رئيس الحزب ألبرتو نونييث فيخو إلى استعادة السيطرة على الحدود، وتسخير كل الوسائل الأمنية والعسكرية اللازمة لحماية سبتة ومليلية، منتقدًا ما وصفه بضعف الحكومة في إدارة الأزمة، وعدم استجابتها للتحذيرات التي سبقت موجة العبور. فيما تبنى حزب “فوكس” خطابًا أكثر تشددًا، إذ وصف رئيسه سانتياغو أباسكال ما حدث بأنه “غزو منظم”، وطالب بإغلاق الحدود بصورة كاملة، وتسريع عمليات ترحيل المهاجرين غير النظاميين، وتعزيز الوجود العسكري في سبتة ومليلية، معتبرًا أن الحكومة أخفقت في أداء واجبها الأساسي المتمثل في حماية السيادة الإسبانية. كما دعا عدد من مسؤولي الحزب إلى تشديد العقوبات على شبكات تهريب البشر، وربط أي تعاون مع الدول المجاورة بمدى التزامها بمنع الهجرة غير النظامية.
“التهديدات الهجينة” في صدارة الخطاب
التقت غالبية مواقف اليمين الإسباني عند مفهوم “التهديدات الهجينة”، الذي يُستخدم في الأدبيات الأمنية للإشارة إلى وسائل الضغط غير العسكرية، مثل الهجمات السيبرانية، وحملات التضليل الإعلامي، واستغلال تدفقات الهجرة لتحقيق أهداف سياسية. وفي هذا السياق، دعا وزير العدل الإسباني الأسبق إنريكي لوبيث إلى مراجعة قانون الأمن القومي الإسباني حتى يواكب طبيعة التهديدات الجديدة، معتبرا أن التشريعات الحالية لم تعد تمنح الدولة الأدوات القانونية الكافية للتعامل مع الأزمات التي تُستغل فيها الهجرة وسيلةً للضغط السياسي. كما أشار إلى أن الاتحاد الأوروبي يستخدم منذ سنوات مفهوم “استغلال الهجرة” لوصف الحالات التي يجري فيها توظيف تدفقات المهاجرين للتأثير في قرارات الدول، داعيًا إلى إدراج هذا النوع من المخاطر ضمن التهديدات التي تمس الأمن القومي، وتعزيز التنسيق مع وكالة “فرونتكس” والاتحاد الأوروبي، إلى جانب تطوير آليات التدخل السريع في حالات الطوارئ.
ومن جانبه، وسّع الكاتب والمحلل فيليكس أوبيخيرو دائرة النقاش، معتبرًا أن أزمة سبتة لا يمكن فصلها عن البيئة الجيوسياسية في غرب البحر الأبيض المتوسط، وربطها بقضية برنامج التجسس “بيغاسوس”، الذي يُزعم أنه استهدف مسؤولين إسبان، وبالتقارب العسكري بين المغرب والولايات المتحدة، معتبرا أن هذه التطورات تفرض على مدريد إعادة تقييم سياستها الدفاعية.
كما دعا إلى تعزيز قدرات الجيش وأجهزة الاستخبارات، وعدم التعويل بصورة كاملة على الضمانات التي يوفرها حلف شمال الأطلسي فيما يتعلق بالدفاع عن سبتة ومليلية، مستحضرًا أزمة جزيرة ليلى سنة 2002، ومعتبرًا أن تلاقي المصالح الأمريكية والمغربية كان، بحسب تقديره، على حساب المصالح الإسبانية في أكثر من مناسبة، وهو ما يفرض، في رأيه، انتهاج سياسة أكثر استقلالية في ملفات الأمن والسيادة.
ضغوط على حكومة سانشيز
المواقف الأكثر حدة جاءت من صحيفة “لا راثون”، حيث اعتبر رئيس تحريرها فرانسيسكو مارويندا أن العبور الجماعي للمهاجرين لم يكن حدثًا عفويًا، وإنما عملية جرى الإعداد لها مسبقًا، معتبرًا أن مرور هذا العدد الكبير من الأشخاص خلال وقت وجيز لا يمكن أن يتم، بحسب رأيه، من دون علم السلطات المغربية أو تساهلها. ورأى أن حكومة بيدرو سانشيز أظهرت ضعفًا في إدارة العلاقة مع الرباط، واتهم المغرب بتوظيف ملف الهجرة باعتباره إحدى أدوات الضغط السياسي في علاقاته مع مدريد والاتحاد الأوروبي، معتبرًا أن الأزمة تعكس حدود السياسة التي انتهجتها الحكومة الإسبانية خلال السنوات الأخيرة. كما توسع في تحليل الأبعاد الاقتصادية والديمغرافية للعلاقة بين البلدين، مشيرًا إلى أهمية الجالية المغربية المقيمة في إسبانيا، وحجم التحويلات المالية التي يرسلها المغاربة إلى بلدهم، معتبرًا أن هذه المعطيات تجعل ملف الهجرة ورقةً ذات تأثير متبادل في العلاقات الثنائية.
بدوره، اعتبر الكاتب خوان مانويل دي برادا، في صحيفة “ABC”، أن ما وقع كشف ضعفًا في أداء الحكومة الإسبانية، وربط الأزمة بالسياق الجيوسياسي الإقليمي، منتقدًا ما اعتبره غياب موقف حازم تجاه الرباط، ومعتبرًا أن حماية الحدود ينبغي أن تصبح أولوية في السياسات الدفاعية للدولة. وفي المقابل، قدمت الصحيفة نفسها مقاربة أكثر اعتدالًا في افتتاحية بعنوان “سبتة أو حدود المنطق السليم”، إذ أكدت أن حماية الحدود لا تتعارض مع احترام المبادئ الإنسانية، وأن الدولة تملك الحق والواجب في مراقبة حدودها، بالتوازي مع احترام التزاماتها القانونية تجاه طالبي اللجوء والأشخاص الفارين من الحروب والاضطهاد، معتبرة أن معالجة الظاهرة تقتضي الجمع بين تطبيق القانون، وتعزيز الرقابة على الحدود، واحترام الكرامة الإنسانية، والتمييز بين الهجرة غير النظامية وحق اللجوء.
وتزامنت هذه النقاشات مع إعلان وزارة الدفاع الإسبانية تخصيص استثمارات بقيمة 6.5 ملايين يورو لتحديث القاعدة العسكرية في جزيرة البوران، عبر تزويدها بأنظمة مراقبة واتصالات ورادارات جديدة، وتحسين بنيتها التحتية. ورأت وسائل إعلام محافظة أن هذه الخطوة تندرج ضمن توجه أوسع لتعزيز الحضور العسكري الإسباني في غرب البحر الأبيض المتوسط، في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بالهجرة غير النظامية، والجريمة المنظمة، والتحديات الأمنية. كما دعا عدد من المعلقين إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، وتعزيز الانتشار العسكري في سبتة ومليلية، وتطوير التنسيق بين القوات المسلحة والشرطة الوطنية والحرس المدني، معتبرين أن طبيعة التهديدات الجديدة تستوجب مقاربة تقوم على التكامل بين الأدوات العسكرية والأمنية والاستخباراتية.
وتظهر مجمل هذه المواقف أن أزمة سبتة تحولت، بالنسبة إلى اليمين الإسباني، إلى مدخل لإعادة طرح قضايا الأمن القومي، والسيادة، والسياسة الدفاعية، أكثر من كونها نقاشًا حول الهجرة وحدها. كما تكشف عن سعي أحزاب المعارضة ووسائل الإعلام المحافظة إلى استثمار الأزمة للضغط على حكومة بيدرو سانشيز، والدفع نحو مراجعة السياسات الأمنية وتشديد الرقابة على الحدود، مع استمرار التباين داخل هذا التيار بين من يدعو إلى تشديد الإجراءات الأمنية إلى أقصى حد، ومن يتمسك بضرورة الجمع بين حماية الحدود واحترام الالتزامات القانونية والإنسانية.
أزمة سبتة تخلط الأوراق في إسبانيا.. اليمين يطالب بتشديد القبضة الأمنية Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة أزمة سبتة تخلط الأوراق في إسبانيا اليمين يطالب بتشديد القبضة الأمنية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أزمة سبتة تخلط الأوراق في إسبانيا اليمين يطالب بتشديد القبضة الأمنية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، أزمة سبتة تخلط الأوراق في إسبانيا.. اليمين يطالب بتشديد القبضة الأمنية.
في الموقع ايضا :
- عاجل.. قيادي بارز في الانتقالي يغادر السعودية ويتجه نحو هذه المحافظة وسط ترقب لتحركاته
- عاجل سوريا: مصادر محلية من القنيطرة: دورية للاحتلال الإسرائيلي تتوغل في قرية الصمدانية الشرقية بريف القنيطرة الأوسط وتنصب حاجزاً للتفتيش…
- من قتل القاتل؟..الشريك يكشف تفاصيل خطيرة عن جريمة الطبيبين السوريين بعدن