بين الكاتب وبرامج الكشف: هل تستطيع الخوارزميات أن تحاكم النص العربي؟ ...اليمن

الاول _ من قلب الحدث - اخبار عربية

مسعود عمشوش

منذ أن دخلت تطبيقات الذكاء الاصطناعي عالم الكتابة، لم يعد السؤال المطروح: هل يمكن للآلة أن تكتب؟ بل أصبح: هل يمكن اكتشاف أن الآلة قد كتبت؟

    وقد ظهر خلال العامين الأخيرين عدد كبير من البرامج التي تزعم قدرتها على التمييز بين النصوص التي كتبها الإنسان وتلك التي أنشأتها أنظمة الذكاء الاصطناعي، حتى أصبح اليوم من اللازم على الباحثين والكتاب والطلاب أن يخضعوا نصوصهم لهذه البرامج قبل إرسالها إلى الجامعات أو دور النشر أو وسائل الإعلام.

    وأصبحت اللجان العلمية المشكلة للمؤتمرات العلمية تحرص على التأكيد أنها قد أخضعت جميع الأبحاث المقدمة لها لهذا البرنامج او ذاك من برامج الكشف عن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والانتحال والسرقة.

    ومع ذلك فتجربتي الخاصة مع هذه البرامج كشفت لي عن مفارقة لافتة؛ فبينما يمنح أحد البرامج هذا النص نسبة اعتماد على الذكاء الاصطناعي تتجاوز 80%، يؤكد برنامج آخر أن النص بشري بالكامل، ويمنحه نسبة تكاد تلامس الصفر. ويبدو أن هذه المفارقة ليست استثناءً، بل أصبحت ظاهرة معروفة، خصوصًا في النصوص العربية.

    - وما الذي تكتشفه هذه البرامج فعلا؟

    علينا قبل كل شيء التمييز بين نوعين مختلفين من برامج الفحص، لأن كثيرًا من المستخدمين يخلطون اليوم بين برامج كشف السرقة والانتحال العلمي (Plagiarism Detection)، ووظيفتها البحث عن التطابق بين النص المقدم ونصوص منشورة سابقًا في الكتب أو المواقع أو قواعد البيانات. فإذا وجد البرنامج فقرات منسوخة أو متشابهة بصورة كبيرة، أشار إليها وحدد مصادرها.

    وبين برامج كشف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي (AI Detection)، وهي لا تبحث عن مصدر منقول، وإنما تحاول تخمين ما إذا كان النص قد كُتب بمساعدة برنامج توليد لغوي مثل ChatGPT أو كلود أو جيميناي أو غيرهم، وذلك من خلال الاعتماد على تحليل أنماط الكتابة، وتكرار المفردات، وبنية الجمل، ومستوى انتظامها الإحصائي.

    إذن فالبرامج الأولى تبحث عن "من أين جاء النص؟"، بينما تحاول الثانية الإجابة عن سؤال مختلف تمامًا هو: "من الذي كتبه؟".

    ثانيًا: لماذا تختلف نتائج البرامج؟

    يبدو أن السبب الرئيس لاختلاف النتائج هو أن هذه البرامج لا تعمل وفق معيار عالمي موحد، وإنما يعتمد كل منها على خوارزمية مختلفة ونموذج إحصائي خاص.

    فبعض البرامج يركز على انتظام الجمل، وبعضها يقيس تنوع المفردات، وبعضها يحلل احتمالات ظهور الكلمات، وبعضها يعتمد على نماذج تعلم آلي دُرِّبت على ملايين النصوص الإنجليزية أكثر مما دُرِّبت على النصوص العربية.

    ولهذا قد يقرأ برنامج النص على أنه "يشبه" النصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، بينما يراه برنامج آخر أقرب إلى الأسلوب البشري.

    ومن هنا فإن اختلاف النتائج ليس دليلاً على أن أحد البرنامجين صادق والآخر كاذب، بل هو نتيجة طبيعية لاختلاف معايير القياس.

    ثالثًا: أشهر أنواع برامج الكشف

    يمكن تقسيم البرامج المتداولة إلى أربع فئات رئيسة.

    الفئة الأولى برامج متخصصة في كشف الانتحال العلمي، وهي الأفضل عند البحث عن النسخ أو الاقتباس غير الموثق، وتتميز بامتلاكها قواعد بيانات واسعة للمقالات والأبحاث والكتب. ويمكن ان نذكر هنا it’s ai , Grammarly, humanize ai وغيرها.

    وهناك فئة ثانية من البرامج المتخصصة في كشف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي، وهي الأكثر انتشارًا حاليًا، لكنها أيضًا الأكثر تعرضًا للنقد بسبب ارتفاع معدلات النتائج الخاطئة التي تعطيها زورا.

    الفئة الثالثة برامج تجمع بين الكشف عن الانتحال وكشف الذكاء الاصطناعي في منصة واحدة، وهي مفيدة للمؤسسات التعليمية، لكنها تعاني من القيود نفسها فيما يتعلق باكتشاف النصوص العربية.

    أما الفئة الرابعة فهي أدوات مساعدة لتحليل جودة الكتابة، فتقيس قابلية القراءة، وتكرار المفردات، وطول الجمل، لكنها لا تستطيع الجزم بمصدر النص.

    - ماذا عن اللغة العربية؟

    هنا تكمن المشكلة الحقيقية. فاللغة العربية تمتاز بتنوعها الصرفي، وغناها الاشتقاقي، ومرونتها الأسلوبية، وكثرة صيغ التعبير عن المعنى الواحد، وهي خصائص تجعل بناء نموذج دقيق للكشف عن النصوص الآلية أكثر صعوبة من الإنجليزية.

    كما أن معظم برامج الكشف العالمية بُنيت في الأصل اعتمادًا على نصوص إنجليزية، ثم أضيف إليها دعم العربية في مراحل لاحقة، ولذلك لا يزال أداؤها في العربية أقل استقرارًا.

    بل إن بعض الدراسات الحديثة أظهرت أن كثيرًا من النصوص العربية التي يكتبها مؤلفون محترفون تُصنف أحيانًا على أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي، فقط لأنها تتميز بلغة سليمة وجمل متوازنة وتنظيم منطقي واضح، وهي صفات يعدها البرنامج مؤشرات على الإنتاج الآلي.

    وفي المقابل قد تمر نصوص أنشأها الذكاء الاصطناعي دون أن تثير أي إنذار إذا خضعت لتحرير بشري جيد.

    - هل يمكن الوثوق بهذه البرامج؟

    الإجابة المختصرة هي: لا ينبغي الاعتماد عليها بوصفها حكمًا نهائيًا.

    فجميع الشركات المطورة تقريبًا تؤكد أن نتائج الكشف ليست يقينية، وإنما هي تقديرات احتمالية. ولهذا بدأت جامعات ومؤسسات علمية كثيرة تنصح بعدم اتخاذ قرارات تأديبية أو علمية اعتمادًا على نتيجة برنامج واحد، بل تدعو إلى النظر في مجمل الأدلة، مثل أسلوب الكاتب المعروف، وتاريخ إنتاجه، ومسودات العمل، وقدرته على مناقشة ما كتب.

    فالنصوص ليست بصمات أصابع، وإنما هي نتاج عمليات لغوية معقدة، ولا توجد حتى اليوم وسيلة علمية تستطيع الجزم بنسبة مئة في المئة بأن نصًا معينًا كتبه الذكاء الاصطناعي. والحكم الأخير هو القارئ ومدى الاستفادة الفعلية من النص.

    - كيف ينبغي للكاتب أن يتعامل مع هذه البرامج؟

    في اعتقادي أن التعامل الرشيد يقوم على خمسة مبادئ.

    أولها ألا يجعل الكاتب هدفه إرضاء برنامج الكشف، بل إرضاء القارئ. فالنص الجيد هو الذي يحمل رؤية صاحبه وأسلوبه وخبرته، لا الذي يحصل على نسبة منخفضة في أحد المواقع.

    وثانيها عدم الاكتفاء بنتيجة برنامج واحد، لأن اختلاف البرامج والخوارزميات يؤدي بطبيعته إلى اختلاف الأحكام. ولله في خلقه شؤون!

    وثالثها اعتبار هذه البرامج أدوات استرشادية لا أكثر، فهي قد تنبه إلى وجود نمط لغوي متكرر، لكنها لا تصدر حكمًا علميًا قاطعًا.

    ورابعها أن يراجع الكاتب بنفسه ما ينتجه الذكاء الاصطناعي، فيضيف إليه خبرته، ويعيد بناء الجمل، ويغير ترتيب الأفكار، ويضمنه أمثلة من تجربته الشخصية، لأن القيمة الحقيقية للنص تكمن في حضور عقل صاحبه، لا في مجرد سلامة الصياغة.

    أما المبدأ الخامس فهو الاحتفاظ بمراحل العمل المختلفة، من المسودات الأولى إلى النسخة النهائية، لأن ذلك يقدم دليلًا واضحًا على تطور عملية الكتابة، ويبرز الدور الإبداعي للمؤلف.

    وأكرر أن الذكاء الاصطناعي استطاع اليوم أن يفرض واقعًا جديدًا على عالم الكتابة والتأليف، لكنه في الوقت نفسه كشف حدود الخوارزميات التي يعتد عليها. فكما تستطيع النماذج اللغوية أن تكتب نصوصًا مقنعة، فإن برامج الكشف لا تزال عاجزة عن إصدار أحكام يقينية بشأن مصدر تلك النصوص، ولا سيما في اللغة العربية.

    ومن هنا فإن الحكمة تقتضي ألا يتحول الكاتب إلى أسير لهذه البرامج، ولا إلى خصم لها، بل أن يتعامل معها بوصفها أدوات مساعدة، يستأنس بنتائجها دون أن يمنحها سلطة الحكم النهائي.

    وسيظل النص الأصيل هو ذلك الذي يحمل بصمة صاحبه الفكرية، ويعكس خبرته ورؤيته للعالم، سواء استعان في بعض مراحله بأدوات الذكاء الاصطناعي أم لم يستعن بها؛ لأن الإبداع الحقيقي لا يقاس بالخوارزميات، وإنما يقاس بقدرة الكاتب على أن يضيف إلى المعرفة صوتًا جديدًا، ورؤية لا يستطيع أحد سواه أن يقدمها.

    والله أعلم.

    مشاهدة بين الكاتب وبرامج الكشف هل تستطيع الخوارزميات أن تحاكم النص العربي

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ بين الكاتب وبرامج الكشف هل تستطيع الخوارزميات أن تحاكم النص العربي قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على الاول _ من قلب الحدث ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، بين الكاتب وبرامج الكشف: هل تستطيع الخوارزميات أن تحاكم النص العربي؟.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار