جيلٌ هجرَنا قبل أن نراه يسبح ...المغرب

صوت المغرب - اخبار عربية

لا أدّعي امتلاك تفسير حاسم لكل ما جرى في سبتة، ولا أزعم القدرة على قراءة الغيب أو تحديد الجهة التي ضغطت على الزر الأول. لكنني، منذ اللحظات الأولى لتدفق تلك الأمواج البشرية نحو الشمال، كنت مقتنعا بأننا أمام وليد جديد من مواليد التحول الرقمي. حدث لم يبدأ على الشاطئ، ولا في محطات القطار والحافلات، بل في ذلك العالم الموازي الذي يعيش فيه جيل كامل، بينما ما زلنا نحن نطل عليه من الخارج، ثم نزعم في كل مرة أننا فوجئنا.

يوم 30 يوليوز الماضي، كان أحد السياسيين يوجد في شمال المغرب للمشاركة في احتفالات عيد العرش، حين اتصل بي مستغربا مشهد الأعداد الكبيرة التي ظهرت فجأة وهي تزحف في اتجاه سبتة. سألني من أين جاء كل هؤلاء، وكيف تحركوا في الوقت نفسه، ولماذا اختاروا هذه اللحظة بالذات.

    قلت له إن الأمر لا يزال غامضا، وإن الوقائع لم تكن قد استقرت بعد، لكن العالم الرقمي الذي فاجأنا قبل أشهر بخروج جيل جديد إلى الشارع للاحتجاج، هو نفسه القادر على تفسير الجزء الأكبر مما نراه.

    لم يكن ذلك استنتاجا استخباراتيا ولا معلومة خاصة، بل مجرد محاولة لقراءة جيل يعيش خارج المجال الذي ما زالت الدولة والسياسة والإعلام التقليدي تعتبره المجال الحقيقي الوحيد، ينما الحقيقة رحلت جزئيا نحو عالم مواز.

    الإنسان عدو ما يجهل. وما لا نعثر له على تفسير منطقي وعقلاني سريع، نميل إلى ملء فراغه بالمؤامرة والخوارق والعقول السرية التي تحرك البشر كما تحرك قطع الشطرنج. هذا لا يعني استبعاد تدخل أطراف دولتية أو غير دولتية، أو محاولتها استغلال الحدث وتوجيهه وتضخيمه؛ فذلك أمر وارد جدا، بل تكاد الأحداث الكبرى في زمننا تخلو من البراءة الكاملة.

    لكن الفرق كبير بين أن نقول إن أطرافا قد تكون دخلت على الخط، وبين أن نختزل خروج عشرات الآلاف في مؤامرة واحدة، فنريح أنفسنا من عناء فهم المجتمع الذي أنتج كل هذا الاستعداد للرحيل.وأنا أطالع ما نشرته الصحف العالمية حول هذه الأحداث، استوقفني ما نشرته «فايننشال تايمز» البريطانية و«لوموند» الفرنسية، لكونه يساعد على رؤية الصورة من داخلها، لا من فوقها.

    فقد تتبعت «فايننشال تايمز» كيف استعد أشخاص للعبور أياما عديدة قبل الانفجار الكبير، وكيف انتقلت بينهم معلومات عن المسارات وطرق الوصول والسباحة والتوقيت والوسائل التي قد تساعدهم على بلوغ سبتة.

    لم تكن الحشود تتحرك كلها وفق تعليمات قائد ظاهر، بل داخل شبكة من المعلومات والتجارب والصور والنصائح، يتلقى فيها الفرد محتوى من شخص لا يعرفه، ثم يعيد إرساله إلى عشرات غيره، قبل أن يتحول ما كان مجرد احتمال على الشاشة إلى حركة بشرية على الأرض.

    أما «لوموند»، فبحثت عن أصل الإشاعة (أو ما يسمى الشرارة الأولى) التي قالت إن الحدود فُتحت، أو إن الوصول بحرا صار يمنع الإعادة نحو المغرب. وخلصت إلى أن مقاطع مصورة ورسائل انتشرت عبر تيك توك وإنستغرام وفيسبوك وواتساب، وأن صور الذين نجحوا في العبور صنعت مفعول كرة الثلج.

    كان كل شخص يصل بأمان، يتحول إلى إعلان مجاني يدفع آخرين إلى التجربة. لكن الصحيفة لم تعثر على دليل حاسم يثبت وجود مركز واحد نظم العملية كلها، كما لم تجد ما يكفي للجزم بأن النشاط الصادر من حسابات خارج المغرب يمثل إدارة مباشرة من دولة بعينها.

    هذه الخلاصة أكثر إزعاجا من نظرية المؤامرة؛ لأنها تعني أن التحريك لم يعد يحتاج دائما إلى غرفة عمليات واحدة، ولا إلى تنظيم هرمي، ولا إلى زعيم يصدر الأوامر.

    يكفي أن توجد مادة اجتماعية قابلة للاشتعال، ثم تظهر إشاعة مناسبة، وصورة ناجحة، ومعلومة عملية، وموعد، ومسار. تتكفل الخوارزمية بعد ذلك بجمع آلاف الأفراد الذين لا يعرف بعضهم بعضا، لكنها تعرف ماذا يخشون، وما الذي يحلمون به، وما الذي يمكن أن يدفعهم إلى الحركة. والخواريزمية اليوم هي مبعوث قادم من المستقبل، ينبئنا بما سيفعله الانسان الآلي بأخيه “الطبيعي”.

    هكذا يتحول الهاتف الصغير إلى محطة طرقية، ومكتب إرشاد، وغرفة تعبئة، ومنبر دعاية، وفي بعض الأحيان إلى مهرب لا يطلب مقابلا، عكس شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير القانونية.

    لا يعني هذا أن المنصة صنعت الرغبة في الرحيل من العدم. تيك توك لا يصنع البطالة، وواتساب لا يخلق الشعور بالحكرة، وفيسبوك لا ينتج اليأس من المستقبل. لكن هذه الأدوات تفعل شيئا آخر بالغ الخطورة، وهو منح المشاعر المبعثرة شكلا جماعيا، وتحويل التذمر الفردي إلى موعد، والرغبة الصامتة إلى اندفاع، والخيال إلى مسار جغرافي يمكن اتباعه.

    الحقيقة أن قسما كبيرا من الجيل الصاعد رحل عنا قبل أن يرتمي في البحر. رحل عن إعلامنا، وعن لغتنا السياسية، وعن مؤسسات الوساطة، وعن القوالب التي نخاطبه بها. وصار يعيش في فضاء له نجومه ومصادره وطرقه في إنتاج الحقيقة والثقة.

    قد يصدّق هذا الجيل “المهاجر” رقميا مقطعا مجهول المصدر أكثر مما يصدق بلاغا رسميا، ليس لأنه عاجز عن التمييز، بل لأن المقطع يتكلم لغته، ويصل إليه في مكانه، ويمنحه صورة وتجربة وشهادة، بينما يأتيه البلاغ متأخرا، وباردا، ومتعاليا، وممعنا في “التقلاز”من تحت الجلباب وخلف قناع “مصدر حكومي” مجهول.

    المشكلة أننا نواجه هذا التحول بالإنكار. نقول إن الأجيال الجديدة سطحية، وإن تيك توك فضاء للتفاهة، وإن الأخبار الجدية لا يمكن تقديمها في مقاطع قصيرة. ثم نستيقظ ذات صباح لنجد أن هذه المنصات نفسها حركت آلاف الأشخاص نحو الحدود، وأننا لم نكن نعرف ما الذي كانوا يتداولونه.

    قبل سنوات، خلال زيارة تعليمية إلى السويد، توقفت عند تجربة القناة الثقافية التابعة للتلفزيون العمومي، وقد خصصت جزءا من إنتاجها للوصول إلى المراهقين عبر منصة تيك توك. لم تعتبر هذه القناة الحكومية الوجود في هذه المنصات تنازلا عن الجدية، بل وسيلة لنقل الأخبار السياسية والثقافية بلغة وشكل وقوالب تناسب طريقة استهلاك الأجيال الصاعدة للمحتوى. ولم تقل القناة إن الشباب ملزمون بالصعود إليها. بل نزلت هي إليهم، دون أن تتخلى عن رسالتها ووظيفتها.

    أما نحن، فما زلنا نتصرف كما لو أن المواطن ملزم بالانتظار أمام نشرة الثامنة، أو قراءة البلاغ في وكالة الأنباء، أو الإصغاء إلى خطيب سياسي يتحدث بالمفردات نفسها منذ ثلاثين عاما. وعندما لا يفعل، نتهمه بالجهل أو الانسياق أو العمالة والخيانة، بدل أن نسأل لماذا فقدنا القدرة على الوصول إليه.

    القضية ليست في فتح حساب رسمي جديد، أو نشر مقاطع مصورة لمسؤولين يقرؤون الخطاب القديم في قالب عمودي. المطلوب أعمق من ذلك، وهو فهم الثقافة الرقمية نفسها، ومنطق الثقة داخلها، وسرعة انتشار الإشاعة، ودور الصورة، والمؤثرين، والمجموعات المغلقة، واللغة المختصرة التي قد تحمل في ثوانٍ ما كانت المؤسسات تحتاج أياما لصياغته.

    نحتاج إلى جسور رقمية حقيقية، لا إلى كاميرات مراقبة رقمية وشاشات مركزية تذكّرنا ب”الأخ الأكبر”. فالدخول إلى هذه العوالم لا يكون حصرا بغرض الضبط والتعقب، بل أيضا بالحوار والتفسير والإقناع والإنصات.

    ستظل فرضية الاستغلال الخارجي قائمة، وينبغي التحقيق فيها دون سذاجة. لكن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نستعملها ستارا يحجب عنا الحقيقة الأثقل، والتي تقول إن هناك جيلا كاملا صار قابلا للتعبئة خارج المؤسسات، وأحيانا ضدها، لأنه لم يعد يجد نفسه داخلها.

    ما حدث في سبتة ليس مفاجأة أخيرة. إنه مجرد إشعار جديد وصلنا من عالم يوازي عالمنا، بينما ما زلنا نحن نرفض فتحه.

    جيلٌ هجرَنا قبل أن نراه يسبح صوت المغرب.

    مشاهدة جيل هجر نا قبل أن نراه يسبح

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ جيل هجر نا قبل أن نراه يسبح قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، جيلٌ هجرَنا قبل أن نراه يسبح.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار