قد تبدو هذه العبارة صادمة في زمن الأسلاك الشائكة والجدران الإلكترونية، لكنها تختصر تاريخ البشرية كله. فمنذ أن خرج الإنسان الأول من موطنه بحثا عن الماء والغذاء والأمن، كانت الهجرة قانونا من قوانين العمران، لا استثناء عليه. ولم تُبنَ الحضارات الكبرى إلا فوق طرق الهجرة والتجارة والاختلاط بين الشعوب، حتى جاءت الدولة الحديثة، فرسمت الخرائط، وأقامت السيادات، وحولت ما كان حقا طبيعيا في الحركة إلى امتياز تمنحه السلطة وتمنعه.
من هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى ما شهدته سبتة المحتلة في الأيام الأخيرة بوصفه حادثا حدوديا عابرا، ولا مجرد محاولة جماعية لاجتياز سياج أمني. فما وقع يكشف أزمة أعمق بكثير من أزمة الهجرة؛ إنه يكشف التناقض الأخلاقي والسياسي الذي يقوم عليه النظام العالمي المعاصر.
لقد أدرك “ابن خلدون”، قبل ستة قرون، أن العمران لا يعرف السكون، وأن انتقال البشر جزء من دورة قيام المجتمعات وتحولها. فالمجتمعات تنمو بالحركة والتبادل، وتذبل حين تنغلق على نفسها. وبعد قرون، سيعيد عالم الاجتماع “زيغمونت باومان” صياغة الفكرة بلغة العصر، حين وصف عالمنا بأنه عالم “سائل”، تتحرك فيه الأموال والمعلومات والشركات بسرعة غير مسبوقة، بينما يبقى الإنسان وحده أسير الحدود. وهنا تكمن المفارقة الكبرى للعولمة: “فقد حررت كل شيء تقريبا، إلا البشر”.
ولعل أوروبا تقدم النموذج الأكثر تناقضا في هذا الباب. فهي القارة التي بنت جانبا من ثروتها على الهجرات والاستعمار والانفتاح على العالم، وهي نفسها التي تتحدث اليوم عن “الغزو الديموغرافي” كلما حاول مئات الشباب عبور البحر. وكأن الذاكرة الأوروبية بدأت بعد اكتمال الرفاه، لا قبله.
يكفي أن نتذكر أن القرن التاسع عشر شهد هجرة عشرات الملايين من الأوروبيين إلى الأمريكيتين وأستراليا وأجزاء واسعة من إفريقيا، هربا من الفقر والمجاعات والبطالة. يومها لم تكن الهجرة توصف بأنها تهديد للحضارة، بل كانت حقا مشروعا للبحث عن حياة أفضل. أما اليوم، فقد تغير الخطاب لأن موازين القوة تغيرت، وكأن الجغرافيا هي التي تحدد قيمة الكرامة الإنسانية، لا المبادئ ذاتها.
لكن الجديد في أحداث سبتة ليس الهجرة نفسها، بل السياق السياسي الذي أصبحت تتحرك فيه. فالهجرة لم تعد مجرد قضية اجتماعية أو اقتصادية، بل تحولت إلى أحد أهم أسلحة الصراع الإيديولوجي داخل الغرب. ومع كل موجة عبور، يجد اليمين الشعبوي فرصة جديدة لتغذية خطاب الخوف، وربط المهاجرين بالجريمة، أو الإرهاب، أو انهيار الهوية الوطنية. وفي المقابل، يجد اليسار نفسه محاصرا بين التزامه بالمبادئ الإنسانية وضغوط الرأي العام الذي بات أكثر حساسية تجاه هذا الملف.
ولذلك لم يكن غريبا أن تتحول مشاهد سبتة إلى مادة في السجال السياسي الأوروبي والأمريكي. فالهجرة اليوم لم تعد تناقش فقط في وزارات الداخلية، بل أصبحت قضية انتخابية بامتياز، توظف في كسب الأصوات وصناعة الاستقطاب السياسي. ولم يعد السؤال المطروح: كيف نعالج أسباب الهجرة؟ بل كيف نستثمرها سياسيا؟
غير أن الاقتصار على نقد أوروبا يظل قراءة ناقصة. فكل موجة هجرة جماعية هي أيضا مرآة تعكس أوضاع بلدان المصدر. وما حدث في سبتة يطرح سؤالا مؤلما على الداخل المغربي: كيف استطاعت تلك الأعداد الكبيرة أن تحتشد في وقت وجيز؟ ولماذا بدا آلاف الشباب مستعدين للمخاطرة بحياتهم من أجل فرصة غير مضمونة؟
حتى الآن، لا توجد رواية واحدة تفسر ما جرى تفسيرا كاملا. فقد تعددت التأويلات بين من ربط الأمر بعوامل اجتماعية واقتصادية، ومن رأى فيه نتيجة تعبئة عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت تلعب دور “الشرارة الفائقة” في تجميع الرأي العام وتوجيهه، ومن لمح إلى أبعاد سياسية تتجاوز مجرد الرغبة في الهجرة. وبين هذه القراءات جميعا بقي الغموض سيد الموقف، وهو ما فتح الباب أمام تبادل الاتهامات، بصورة غير رسمية، بين الرباط ومدريد، حيث حاول كل طرف تحميل الآخر جزءا من المسؤولية أو التقصير.
غير أن الأهم من تبادل الاتهامات هو إدراك أن الهجرة أصبحت اليوم ورقة جيوسياسية لا تقل أهمية عن الطاقة أو التجارة أو الأمن. فالدول لم تعد تتعامل معها باعتبارها مجرد قضية إنسانية، بل باعتبارها عنصرا في موازين القوة والتفاوض. ولهذا تحولت إدارة الحدود إلى أحد أهم ملفات الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، كما أصبحت جزءا من الحسابات السياسية بين الطرفين.
ومن هنا تبرز حساسية توقيت ما وقع. فالمغرب وإسبانيا لا يجمعهما فقط ملف الهجرة، بل تربطهما شبكة واسعة من المصالح الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية، ويستعدان، إلى جانب البرتغال، لتنظيم كأس العالم 2030، وهو مشروع يتطلب أعلى درجات الثقة والتنسيق. لذلك فإن أي توتر في ملف الهجرة لا يبقى محصورا عند السياج الحدودي، بل يمتد أثره إلى مجمل العلاقة الثنائية، ويختبر قدرة الطرفين على الفصل بين الأزمات الظرفية والمصالح الاستراتيجية وتجاوز المقاربات الضيقة لصالح رؤية مستقبلية مشتركة.
لكن يبقى السؤال الأكثر إلحاحا داخل المغرب نفسه. فمهما بلغت فعالية المقاربة الأمنية، فإنها لا تستطيع معالجة الدوافع العميقة للهجرة. فالشباب لا يخاطر بحياته لأنه يحب المغامرة، بل لأنه فقد الثقة في أن المستقبل يمكن أن يُبنى داخل وطنه. ولذلك فإن أفضل سياسة للهجرة ليست تشديد الحراسة على الحدود، بل توسيع آفاق الأمل داخل المجتمع، عبر تعليم جيد، وفرص عمل حقيقية، وعدالة اجتماعية، وإحساس بأن الكفاءة قادرة على صناعة المستقبل وأن الوطن يتسع لأحلام أبنائه.
إن ما كشفت عنه سبتة ليس فشل الأسلاك الشائكة، بل فشل العالم في معالجة الاختلال الذي صنعه بنفسه. عالم يفتح حدوده للسلع، ولرؤوس الأموال، وللبيانات، وللشركات العابرة للقارات، لكنه يغلقها في وجه الإنسان الذي يبحث عن فرصة للحياة. إنها عولمة انتقت ما يستحق الحرية، واستثنت الإنسان من وعدها الأكبر.
ولعل المأساة الحقيقية ليست في أن آلاف الشباب وقفوا أمام أسوار سبتة، بل في أن العالم كله انشغل بكيفية منعهم من العبور، بينما قلّ من سأل: لماذا أصبح العبور بالنسبة إليهم أكثر إغراء من البقاء؟ وبين السؤالين تكمن أزمة عصرنا.
فالمشكلة لا تختزل في عجز دولة بعينها عن توفير فرص كافية لمواطنيها، رغم أن مسؤولية الدول الوطنية عن التنمية والعدالة الاجتماعية تظل قائمة، بل تتجاوز ذلك إلى نظام اقتصادي عالمي راكم الثروة بصورة غير مسبوقة، لكنه أبقى مناطق واسعة من العالم أسيرة الهشاشة والتفاوت. إنه نظام يحرر حركة رأس المال والاستثمارات والأسواق، لكنه يقيد حركة الإنسان عندما يكون فقيرا أو بلا مهارات مطلوبة.
إن الرأسمالية المعولمة استطاعت أن تجعل العالم أكثر اتصالا، لكنها لم تجعله أكثر عدلا. وحين تتسع الفجوة بين جغرافيا الفرص وجغرافيا الحرمان، تصبح الهجرة نتيجة طبيعية لاختلالات عميقة، لا مجرد ظاهرة أمنية ينبغي احتواؤها.
لذلك فإن بناء الجدران قد يؤجل حركة البشر، لكنه لا يعالج أسبابها. فحين يصبح منع الإنسان من البحث عن حياة كريمة أسهل من معالجة الشروط التي تدفعه إلى الرحيل، لا تكون الهجرة هي المشكلة، بل يصبح النظام الذي ينتج أسبابها ثم يكتفي بمحاصرة نتائجها هو المشكلة الحقيقية.
سبتة.. الوجه الآخر للعولمة صوت المغرب.
مشاهدة سبتة الوجه الآخر للعولمة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ سبتة الوجه الآخر للعولمة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، سبتة.. الوجه الآخر للعولمة.
في الموقع ايضا :
- قواعد وشروط القبول بالصف الأول الثانوي العام بالقاهرة 2026-2027.. الحد الأدنى 225 درجة
- واشنطن تأمل في اتفاق قريب لإعادة فتح مضيق هرمز، وقذيفة تغرق سفينة شحن قرب اليمن
- مفاوضات لبنان وإسرائيل في روما.. هذه الملفات على الطاولة