الغَرق مرَّتين .. في البَحر وفي النِّسيان ...المغرب

هسبريس - اخبار عربية

تفتحُ رواية محمد زفزاف “قبور في الماء” أبواب عالم مسْحُوق يعيش أهله على حافّة الجُوع، ويربطون حياتهم بالبحر وبمركب هشّ وبأشخاص يحسبون أرباحهم ولا يحسبون أرواح الفقراء. يخرج الصيادون طلباً للقوت، يحملون خوفهم وأملهم في المركب نفسه، ثم يبتلع الماء بعضهم ويعيد القرية إلى حزنها القديم. يترك الغرق نساءً يحدِّقن في الأفق، وأطفالاً يبحثون عن وجوه آبائهم في ملامح كل صيّاد عائد. يترك بيوتاً ضيقة تتسع فجأة للوحدة، وموائد ناقصة، وأبواباً تنتظر خطوات لن تعود.

لا يقدم زفزاف البحر بوصفه مسؤولاً وحيداً عن الموت، يكشف شبكة كاملة من الجشع والفقر والسلطة والحاجة. يقف العياش وراء المركب، ويتعامل مع الصيادين كأنهم أدوات للعمل لا أرواح لها. يواجهه أهل القرية بالغضب، يطالبونه بحقوق موتاهم، ويحاولون أن يحولوا الحزن إلى موقف. يتدخل القائد، يحمي ميزان القوة، ويترك الجوع ينجز ما لم تنجزه الكلمات.

    ثم تأتي الوليمة. يفتح الطعام أبوابه للبطون الخاوية، فيضعف الغضب، وتتراجع الأصوات، وينصرف الناس إلى اللحم والخبز. لا تمحو الوليمة الموت، ولا تعيد الغرقى، ولا تبرئ العياش، لكنها تمنح الجائع لحظة نسيان قصيرة. يشتري صاحب المركب صمتاً مؤقتاً بطبق من الطعام، ويكتشف القارئ أن الفقر لا يقتل الإنسان بالجوع وحده؛ قد يدفعه أيضاً إلى تأجيل غضبه، وابتلاع كلماته، ومصافحة من ظلمه. لذلك، لم يهزم العياش أهل القرية بقوة حجته، هزمهم بحاجتهم.

    وفي آخر الليل، حين تهدأ المدن وتطفئ البيوت مصابيحها، يظل البحر وحده مستيقظاً. يقلب أمواجه كما يقلب شيخ متعب دفتر أسماء قديم، يتذكر وجوهاً عبرت فوقه، وأجساداً اختفت في أعماقه، وأحلاماً صغيرة لم تجد شاطئاً يحملها. لا يسأل البحر الغريق عن اسمه، ولا عن بلده، ولا عن اللغة التي نادى بها أمه في لحظته الأخيرة. يسمع الصرخة، يضمها إلى مائه، ثم يعيد إلى الساحل حذاءً منفرداً، أو قميصاً ثقيلاً بالملح، أو هاتفاً صامتاً يحمل صور حياة كاملة. عندها نفهم أن بعض القبور لا تحتاج إلى تراب، وأن الإنسان قد يجد قبره في الماء، بعيداً عن أهله، بلا شاهد يحمل اسمه، وبلا أُمٍّ تستطيع أن تقف عند رأسه وتقرأ عليه الدّعاء.

    تغادر رواية “قبور في الماء” لمحمد زفزاف فضاء المهدية، وتعبر الزمن، لتظهر من جديد على شواطئ الفنيدق وعند أسوار سبتة ومليلية. تتغير الوجوه، وتبقى المأساة. يتغير المركب، ويبقى الخوف. ويحلّ مكان صاحبه سمسار يبيع الوهم، أو مهرب يحدد ثمن الطريق، أو مقطع مضلل يصوّر أوروبا باباً مفتوحاً لا يحرسه البحر ولا الحديد. يقف شاب على شاطئ الفنيدق في آخر الليل. يضع هاتفه في كيس بلاستيكي، يربط حذاءه حول عنقه، وينظر إلى أضواء سبتة. تبدو المدينة أقرب من أحلامه، وأوضح من مستقبله في وطنه. يظن أن دقائق من السباحة تفصله عن حياة أخرى، ولا يرى التيار الذي يسحب الجسد، ولا البرد الذي يشلّ العضلات، ولا الخوف الذي يحوّل البحر إلى جدار حيّ.

    خلفه بيتٌ ضيقٌ، وأبٌ أنهكه التعب، وأم تخفي قلقها، وشهادة لم تفتح له باباً. أمامه مدينة تلمع كأنها جواب لكل أسئلته. وبينهما ماء صامت، عميق، لا يقدم وعداً. يدخل البحر. تضرب الموجة الأولى صدره، فيتراجع لحظة، ثم يتذكر أنه أخبر أصدقاءه بأنه سيصل، وكتب لأخته: “سأتصل بك من الضفة الأخرى.” كانت الجملة واثقة، وكان قلبه أكثر خوفاً. يواصل السباحة، يسمع أنفاس الآخرين وصيحات بعيدة ومحرك زورق وارتطام الماء بالأجساد.

    وبعد دقائق، لا يعود يفكر في أوروبا ولا في العمل ولا في الأوراق؛ يفكر في سريره، وصوت أمه، وكأس الشاي الذي تركه على الطاولة، والباب الذي أغلقه من غير أن يعرف أنه قد لا يفتحه مرة أخرى. عندها يكتشف أن الإنسان لا يهاجر بجسده وحده. يحمل معه البيت، ورائحة الخبز، وضحكات الإخوة، وصوت الحي، وكل ما ظن أنه تركه وراءه. وعلى الشاطئ، تحمل الأم صورة ابنها وتسأل العائدين عنه. يخفض بعضهم عينيه، ويتلعثم آخرون، لأنهم رأوا ما يعجزون عن قوله. لا تعنيها الاتفاقيات ولا خطابات الأمن والسيادة.

    تريد جواباً واحداً: هل ابنها حيّ؟ تريد جسداً تعانقه، أو حقيقة تنهي الانتظار. فالموت يمنح الحزن شكلاً، أما الفقد فيترك الباب مفتوحاً، والهاتف مشحوناً، والسرير مرتباً، والأمل معلقاً بين النجاة والغرق.

    على الضفة الأخرى من اليأس

    عند حدود سبتة ومليلية، تتحول أجساد الشباب إلى أرقام. تقول الأخبار إن عدداً من الأشخاص حاولوا العبور، وإن قوات الأمن أوقفت آخرين، وإن بعضهم عاد، وإن آخرين اختفوا. تمر الأرقام سريعاً، ولا تخبرنا عن الوجوه التي حملتها. لا تَذْكُر النّشرات شاباً أراد أن يفتح مَحلاً للحلاقة، أو فتاة حلمت بالجامعة، أو عاملاً بحثَ عن راتب يحفَظ كرامتَه، أو طفلاً تخيل أن الجهة الأخرى من السّياج تخلو من الخوف. تختصر اللغة حياتهم في كلمات مثل مهاجرين، متسللين، عابرين، مفقودين.

    تمحو الأرقام تفاصيلهم، فيسهل على العالم أن ينساهم. تحمل مليلية جرحاً أكثر قسوة. يعبر رجال الصحراء والحدود، يقطعون مسافات طويلة، يتحملون الجوع والبرد والعنف، ثم يقفون أمام سياج حديدي يختصر كل رحلتهم في لحظة صدام.

    يدفع الخوف الجموع إلى الأمام، يضغط الناس بعضهم على بعض، وترتفع الصرخات، وتسقط الأجساد. لا يصل بعضهم إلى الضفة الأخرى، ولا يعودون إلى أسرهم. تبقى الأمهات في السودان وتشاد وبلدان أخرى تنتظر خبراً، وتبقى الصور في الهواتف، وتبقى الأسماء معلقة بين مكاتب الإدارات ومراكز الشرطة والمستشفيات والمقابر.

    هنا تستعيد رواية “قبور في الماء” معناها العميق. لا يقتصر القبر على الماء الذي يبتلع الجسد. قد يبدأ القبر في الصحراء، أو عند السياج، أو داخل شاحنة مغلقة، أو في مركز احتجاز.

    يبدأ القبر حين يفقد الإنسان اسمه، وحين يراه الآخرون خطراً أو عبئاً. تكرر السلطة الحديثة وليمة العياش بأساليب أخرى. تقدم مؤتمراً صحفياً، تنشر بياناً، تعلن فتح تحقيق، ثم تنتظر أن ينسى الناس. تملأ الأخبار عيون الجمهور كما ملأت الوليمة بطون أهل القرية. يتابع الناس الصور لحظات، يُعبِّرُون عن صدمتهم، ثم ينتقلون إلى أخبار أخرى. تشتري كثرة الأخبار النسيان؛ تشتري اللغة الإدارية برودة الضمير. يتراجع وجه الضّحية، وينتهي كل شيء داخل عبارة مقتضبة.

    البحر آخر الطريق، لا بدايته

    في رواية محمد زفزاف، استغلَّ العياش حاجة أهل القرية، وفي واقع الحدود يستغل آخرون حاجة الشباب. يبيع السمسار الوهم، ويعرض المهرب طريقاً لا يضمن نهايته، ويقنع القاصر بأن البحر أقصر من اليأس. يدفع الفقير ثمن الحلم، ثم قد يدفع جسده ثمناً أخيراً. ومع ذلك، لا يضع زفزاف الجائع في قفص الاتهام. لا يخون الرجل ابنه الغريق حين يأكل من وليمة صاحب المركب؛ قد يحاول فقط أن يطعم أبناءه الأحياء.

    ولا يكره الشاب وطنه حين يقفز في البحر؛ قد يحب الحياة إلى حدّ المغامرة بها. فالإنسان المقهور لا يختار دائماً بين الخير والشر، يختارُ بينَ وَجَعيْن: بقاءٌ يسحقه، ورحيلٌ قَدْ يقتلُه. تكشف سبتة ومليلية قسوة الحدود. ترتفع الأسوار، فيبحث اليأس عن طرق أخطر؛ تشتدّ الحراسة، فيتّجهُ الشّباب إلى البحر.

    لا تُوقف الحدود الرغبة في النجاة، بقدر ما تغيّر شكل الموت. لكن المأساة لا تبدأ في الماء. تبدأ على اليابسة: في مدرسة فقدت معناها، وسوق عمل أغلق أبوابه، وبَيْت أثقله الغَلاء، ومستقبل لا يلوح في الأفق. يبدأ الغرق حين يشعر الإنسان أنّ وطنه لا يراه، وأن شهادته لا تفتح باباً، وأن عمره يمضي بلا أثر. حين تصبح الكرامة امتيازاً والعمل صُدفة، يبدو البحر أحياناً أقل قسوة من البقاء. يحتاجُ البحر إلى عدالة على اليابسة، ويحتاج الشّباب إلى سبَبٍ حقيقي للبقاء. حين يجد الإنسان مكاناً يحفظ كرامته، لن يرى في الموجة طريقاً، ولا في السِّياج باباً.

    ذاكرةُ الغَرقى

    لا تنشأ القبور في الماء من البحر وحده. يصنعُ الجشع لَوْحَها الأول، ويثبت الفَقر مساميرها، ويدفع الصَّمت بها إلى العُمق. يفتح اليأسُ طريقها، ويحرس النسيان أبوابها. يستطيع الإنسان أن يهدم هذه القبور قبل أن تمتلئ. يستطيع أن يمنح الشاب فرصة قبل أن يمنحه البحر موتاً، وأن يمنح الأم حقيقة قبل أن يقتلها الانتظار. عندئذ لن يبتلعَ الماءُ الحكاية، لأن الذّاكرة ستقفُ على الشاطئ، تنادي كلَّ غريق باسمه، وتُعيد إلى العَالم السّؤال الذي حاولت الولائم والبيانات والأسوار دفنه: من الذي دفع هؤلاء إلى الماء؟

    لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

    الغَرق مرَّتين .. في البَحر وفي النِّسيان Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

    مشاهدة الغ رق مر تين في الب حر وفي الن سيان

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الغ رق مر تين في الب حر وفي الن سيان قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الغَرق مرَّتين .. في البَحر وفي النِّسيان.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار