لعل أول ما يستقبل زائر مدينة مرتيل، قبل أن تطالعه معالمها أو يداعب وجهه نسيم البحر، هو الروائح الكريهة التي تخنق الأجواء عند مدخل المدينة. ففي مدينة ساحلية يُفترض أن يكون الهواء النقي أول ما يستقبل الوافدين، أصبحت روائح كريهة نفاذة ومتخمرة تفرض حضورها بقوة، وتسبق أي مشهد آخر، تاركة انطباعاً أولياً لا ينسجم مع مكانة مرتيل باعتبارها إحدى أبرز الوجهات السياحية بشمال المملكة. أما بالنسبة إلى الساكنة، ولا سيما القاطنين بالمناطق المجاورة للمنطقة الصناعية، فلم تعد هذه الانبعاثات مجرد مصدر للإزعاج، بل تحولت إلى معاناة يومية تؤثر في جودة الحياة. ومع تغير اتجاه الرياح وسرعتها، تمتد الروائح الخطيرة إلى أحياء أخرى داخل المدينة، بل تصل إلى أحياء من مدينة تطوان، بما ينعكس سلباً على جودة الهواء، ويقوض راحة السكان، ويشوه صورة المدينة في أعين زوارها. ولا ترتبط هذه الظاهرة بفصل الصيف فقط، كما قد يعتقد البعض، بل تمثل إشكالاً بيئياً مزمناً على طول السنة ومنذ سنوات، وإن كانت حدتها تتفاقم مع ارتفاع درجات الحرارة.
وتشير المعطيات الميدانية، إلى جانب شكايات السكان المتكررة والمراسلات الموجهة إلى الجهات المعنية، إلى أن مصدر هذه الروائح يرتبط بوجود وحدات صناعية متخصصة في تصبير وتحويل المنتجات السمكية، خاصة الجمبري “الكروفيت” والأنشوفة والتونة، بالمنطقة الصناعية الواقعة بالمدخل الغربي لمدينة مرتيل، بمحاذاة حي أم كلثوم ومطار سانية الرمل. وتتميز هذه الوحدات بأنشطتها ذات الحمولة العضوية المرتفعة، نظراً لطبيعة المواد الأولية المستعملة (الأسماك) وما ينتج عنها من مخلفات عضوية قابلة للتحلل، وهي عوامل تساهم في انبعاث روائح كريهة في حال عدم تدبيرها وفق الشروط والمعايير البيئية المعتمدة.
ولا تقتصر الآثار السلبية لهذه الانبعاثات على الإزعاج الناتج عن الروائح الكريهة، بل تمتد إلى الصحة العامة وجودة الحياة. فمن الثابت علمياً أن التعرض المتكرر لهذه الروائح، خاصة إذا كانت مصحوبة بانبعاث مركبات غازية ملوثة، قد يؤدي إلى ظهور أعراض صحية، من بينها الصداع، والغثيان، وتهيج العينين والأنف والحلق، واضطرابات النوم، والشعور بالإجهاد وفقدان الشهية. كما قد يسهم في تفاقم بعض الأمراض التنفسية لدى الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الأطفال، وكبار السن، والنساء الحوامل، والأشخاص المصابون بالربو أو الحساسية أو الأمراض التنفسية المزمنة. ولذلك، وباعتبار المعطيات العلمية المرتبطة بالموضوع، فإن هذه الروائح الكريهة ليست مجرد مصدر للإزعاج، بل هي مؤشراً على احتمال وجود انبعاثات خطيرة تستوجب الرصد والتقييم المستمر، لما قد يترتب عليها من آثار صحية ونفسية، خاصة بالنسبة للسكان المعرضين لها بشكل متواصل.
ولفهم هذه الظاهرة بعيداً عن الانطباعات، يقتضي الأمر اعتماد مقاربة علمية والاستناد إلى الدراسات المتخصصة في الهندسة البيئية وعلوم الصناعات الغذائية. فالمراجع العلمية المنشورة في الدوريات الدولية تؤكد أن الروائح المنبعثة من صناعة تحويل المنتجات السمكية ترتبط أساساً بالتحلل الميكروبي للمخلفات العضوية، وما يرافقه من انبعاث مركبات وغازات متطايرة ذات روائح خانقة وكريهة. وفي هذا الإطار، تصنف المراجع العلمية الخاصة بالانبعاثات الصناعية وحدات تصبير وتحويل الأسماك، بما فيها الجمبري “الكروفيت” والأنشوفة والتونة، ضمن الصناعات ذات الحمولة العضوية المرتفعة، نظراً لما تنتجه من كميات كبيرة من المخلفات العضوية والمياه الصناعية. ولذلك توصي باعتماد أنظمة فعالة لجمع هذه المخلفات وحفظها في ظروف ملائمة، وتسريع معالجتها، والحد من انبعاث الروائح عبر تقنيات التحكم البيئي، مثل المرشحات الحيوية (Biofilters)، وأبراج الغسل (Scrubbers)، وأنظمة شفط ومعالجة الهواء.
ودائماً من منظور علمي، تنتج هذه الروائح أساساً عن التحلل البكتيري للبروتينات والدهون الموجودة في بقايا الأسماك، بما في ذلك الأحشاء والرؤوس والدم والقشور والأنسجة، وهو ما يؤدي إلى انبعاث مركبات متطايرة ذات عتبة شمية منخفضة، أي أن الإنسان يستطيع تمييزها حتى عند تراكيز ضئيلة جداً. ومن أبرز هذه المركبات: كبريتيد الهيدروجين (H₂S) المسؤول عن رائحة البيض الفاسد، والأمونيا (NH₃)، وثلاثي ميثيل الأمين (TMA)، الذي يعد المؤشر الكيميائي الأكثر ارتباطاً برائحة الأسماك المتحللة، إضافة إلى مركبات كبريتية أخرى مثل الميثيل مركبتان وثنائي ميثيل الكبريت، فضلاً عن الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، وهي مركبات تتفاعل فيما بينها لتشكل الرائحة القوية والمزعجة والمميزة للصناعات السمكية.
وبناءً على ذلك، فإن التحكم في هذه الانبعاثات يعتمد أساساً على التدبير السليم للمخلفات العضوية، وتقليص مدة بقائها داخل الوحدات الصناعية، واعتماد التبريد أو المعالجة الفورية لبقايا الأسماك، وتحسين أداء محطات معالجة المياه الصناعية، لأن هذه الإجراءات تحد من نشاط الكائنات الدقيقة المسؤولة عن إنتاج المركبات الغازية ذات الرائحة النفاذة. كما أن ارتفاع درجات الحرارة، ووفقاً للمراجع المتخصصة في الهندسة البيئية، يُسرع عمليات التحلل البيولوجي للمادة العضوية، ويزيد من تطاير المركبات الغازية وانتشارها في الهواء، وهو ما يفسر اشتداد الظاهرة خلال فصل الصيف مع بقاء مصدرها قائماً على مدار السنة.
إضافة إلى تلوث الهواء، فإن المياه الصناعية الناتجة عن وحدات تحويل الأسماك تتميز بارتفاع تركيز المواد العضوية، وارتفاع قيم الطلب البيوكيميائي على الأكسجين (BOD₅) والطلب الكيميائي على الأكسجين (COD)، إضافة إلى احتوائها على الزيوت والدهون والمواد العالقة ومركبات الآزوت والفوسفور، الأمر الذي يزيد من حدة التلوث وانتشار انبعاث هذه الروائح على طول قنوات الصرف الصحي التي تُصرف عبرها مياه هذه الوحدات الصناعية.
وفي هذا السياق، تبرز جملة من التساؤلات التقنية المرتبطة بمدى احترام الوحدات الصناعية للضوابط البيئية المعمول بها للحد من انبعاث الروائح المزعجة. ويشمل ذلك التحقق من كيفية تدبير النفايات العضوية وفق المقتضيات البيئية، ومدى اعتماد وسائل فعالة لاستخلاص الهواء الملوث ومعالجته، إلى جانب توفير شروط مناسبة لتخزين المواد الأولية ومخلفات الإنتاج. كما يثار التساؤل حول توفر هذه الوحدات على تجهيزات وتقنيات قادرة على معالجة الانبعاثات الغازية والتحكم فيها قبل إطلاقها إلى الوسط الخارجي.
ومن الجوانب التي تستدعي بدورها الوقوف عندها، طريقة تدبير المياه الصناعية العادمة الناتجة عن هذه الأنشطة. فهل تخضع هذه المياه لمعالجة أولية داخل كل وحدة صناعية بما يسمح بتقليص الحمولة الملوثة، من مواد عضوية وزيوت ودهون ومواد عالقة، قبل تصريفها؟ كما يطرح التساؤل بشأن توفر المنطقة الصناعية على شبكة مستقلة مخصصة لتجميع ونقل المياه الصناعية، منفصلة عن شبكة تصريف مياه الأمطار، وفق المتطلبات الهندسية والتشريعية المعتمدة لشروط احترام البيئة، أم أن هذه المياه يتم توجيهها مباشرة إلى شبكة الصرف الصحي العمومي؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة من شأنها أن تكشف خبايا هذه المعضلة البيئية التي تعيشها مدينة مرتيل، والتي أصبحت مصدر معاناة حقيقية للسكان، كما ستساهم في تحديد المسؤوليات والوقوف على مدى احترام مختلف المتدخلين لالتزاماتهم القانونية والبيئية. فالمعطيات العلمية الدقيقة وحدها كفيلة بتحديد الجهات المسؤولة عن أوجه القصور المحتملة، والكشف عن أسباب استمرار هذه التجاوزات في حال ثبوتها، وتوضيح كيفية السماح بحدوثها رغم وجود القوانين والمعايير المنظمة.
ولمقاربة هذا الملف في شموليته، لا يكفي الوقوف عند الجوانب العلمية والتقنية، بل ينبغي أيضاً مساءلة مدى تفعيل المنظومة القانونية والمؤسساتية المكلفة بحماية البيئة. فالمغرب يتوفر على ترسانة قانونية متقدمة، بدءاً من دستور سنة 2011 الذي كرس الحق في العيش في بيئة سليمة، مروراً بالقانون الإطار رقم 99.12 بمثابة الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة، والقانون رقم 11.03 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة، والقانون رقم 12.03 الخاص بدراسات التأثير على البيئة، والقانون رقم 28.00 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها، والقانون رقم 36.15 المتعلق بالماء، فضلاً عن النصوص التنظيمية المتعلقة بمراقبة الانبعاثات الصناعية وجودة الهواء والمياه. كما يلتزم المغرب بعدد من الاتفاقيات البيئية الدولية، من بينها اتفاقية برشلونة لحماية البحر الأبيض المتوسط من التلوث، واتفاقية الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ، واتفاق باريس للمناخ، إضافة إلى أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، ولا سيما تلك المرتبطة بالمياه النظيفة والمدن المستدامة.
ومن ثم، فإن الإشكال لا يكمن في غياب النصوص القانونية أو الالتزامات المؤسساتية، بقدر ما يرتبط بمدى فعالية تفعيلها وتنزيلها على أرض الواقع. وفي هذا السياق، تطرح مجموعة من التساؤلات المشروعة: هل تخضع الوحدات الصناعية المعنية بتلوث الهواء والمياه بالمنطقة الصناعية بمرتيل لمراقبة بيئية دورية ومنتظمة من قبل الجهات المختصة، وفي مقدمتها السلطات المحلية، واللجان الإقليمية المختلطة، وجماعة مرتيل، والمصالح اللاممركزة للإدارة، ولا سيما المديرية الجهوية للانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، للتحقق من مدى احترامها للمعايير البيئية، خاصة فيما يتعلق بانبعاث الروائح والغازات الملوثة؟ وهل تمارس وكالة الحوض المائي اختصاصاتها في مراقبة جودة المياه الصناعية العادمة والتأكد من مطابقة تصريفها للمقتضيات القانونية؟ وهل يضطلع المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA)، إلى جانب المصالح الصحية والبيطرية المختصة، بمهام المراقبة على اعتبار أن هذه الوحدات تنتمي إلى قطاع الصناعات الغذائية؟
كما يثار التساؤل حول ما إذا كانت تُنجز افتحاصات بيئية وتقنية مستقلة، وتُجرى قياسات دورية لجودة الهواء والمياه بواسطة مختبرات معتمدة، مع نشر نتائجها للعموم بشفافية، تكريساً لحق المواطنين في الولوج إلى المعلومة البيئية. وأخيراً، هل يتم اللجوء إلى النيابة العامة كلما كشفت عمليات المراقبة عن مخالفات أو أفعال قد تشكل جرائم بيئية، بما يضمن تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في مواجهة كل جهة أو وحدة صناعية يثبت إخلالها بالتزاماتها القانونية والبيئية، حماية للصحة العامة، وصوناً للبيئة، وترسيخاً لمبادئ الحكامة البيئية؟
إن طرح هذه التساؤلات لا يرمي إلى توجيه الاتهام إلى أي جهة بعينها، وإنما يهدف إلى التحقق من مدى اضطلاع كل جهة بالاختصاصات والمسؤوليات المنوطة بها قانوناً، والكشف عن أوجه القصور، إن وجدت، أو عن الممارسات التي قد تكون ساهمت في استمرار هذا المشكل البيئي المزمن. كما تندرج هذه التساؤلات في إطار الحق الدستوري للمواطنين في الولوج إلى المعلومة البيئية، وتجسيداً لمبادئ الحكامة البيئية القائمة على الشفافية والوقاية والمساءلة، بما يعزز الامتثال للقانون ويدعم اتخاذ التدابير الكفيلة بحماية البيئة والصحة العامة.
وفي هذا السياق، وأمام استمرار هذه الوضعية لسنوات، رغم الشكايات المتكررة التي تقدم بها السكان والفاعلون المحليون، يظل التساؤل الجوهري قائماً حول أسباب عدم التوصل إلى حدود اليوم إلى حل جذري لهذه المشكلة، بالرغم من آثارها المباشرة على صحة السكان، وجودة الهواء، والموارد المائية، وصورة مدينة مرتيل باعتبارها وجهة سياحية.
وانطلاقاً من ذلك، فإن مرتيل تحتاج إلى رؤية تنموية متكاملة تتجاوز الإصلاحات التجميلية الموسمية، وتجعل حماية البيئة وتحسين جودة الحياة في صلب السياسات العمومية. فرغم أهمية تأهيل الكورنيش والفضاءات العامة في تعزيز جاذبية المدينة، فإن هذه المشاريع لا ينبغي أن تحجب معالجة الإشكالات البيئية والبنيوية العميقة التي تؤرق الساكنة، وفي مقدمتها التلوث وجودة الهواء والخدمات الأساسية.
كما أن دور المسؤولين لا ينبغي أن يقتصر على مواكبة التفاصيل التقنية أو تكثيف الحضور الإعلامي، بل يجب أن ينصب على وضع استراتيجيات فعالة، وضمان تطبيق القوانين، واعتماد المراقبة والتشخيص العلمي لمعالجة جذور الإشكالات. فنجاح أي سياسة محلية لا يُقاس بحجم التواصل أو بعدد الصور المنشورة على وسائط التواصل الاجتماعي، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق بيئة سليمة وتنمية مستدامة تجعل صحة المواطنين وجودة عيشهم أولوية حقيقية.
– أستاذ باحث بكلية العلوم بتطوان
مرتيل والروائح الكريهة Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة مرتيل والروائح الكريهة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ مرتيل والروائح الكريهة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، مرتيل والروائح الكريهة.
في الموقع ايضا :
- رئيس جامعة أسوان: اللائحة الخاصة بكلية الطب تسمح للطلاب بدخول الدور الثاني
- سوريا.. الأمن الداخلي يوقف شحنة أسلحة كانت متوجهة إلى لبنان (صور)
- دراسة: السكر قد يكون أحد العوامل الرئيسية في تطور الدماغ البشري