الحاجّة صَباح السّبْتَاوية ...المغرب

هسبريس - اخبار عربية

لا يحتاج الإنسان إلى سلطة كي يصنع فرقًا، ولا تحتاج الرحمة إلى جمهور كي تثبت وجودها. يكفي أحيانًا أن يفتح أحدهم بابه في وقت يختار فيه الآخرون الإغلاق، فيصبح ذلك الباب أوسع من بيت، وأبقى من موقف عابر. هكذا دخلت الحاجة صباح السبتاوية ذاكرة الناس. لم تحمل صفة رسمية، ولم تنتظر دعوة إلى فعل الخير، ولم تبحث عن صورة تتصدر بها الأخبار.

وجدت أمامها شبابًا أنهكهم البحر، وأثقل الخوف خطواتهم، وترك الضياع أسئلته معلقة في عيونهم. لم تر فيهم غرباء جاؤوا من الضفة الأخرى؛ رأت أجسادًا متعبة ونفوسًا تحتاج إلى الأمان. فتحت لهم بيتها من غير تردُّد، وقدّمت ما تملك من غير حساب، كأنها أرادت أن تقول لهم إن العالم، على قسوته، لم يفقد قلبه كله.

    لم تسأل الحاجة صباح الشباب عن الطريق الذي سلكوه، ولم تستوقفهم عند تفاصيل الرّحلة. عرفت من وجوههم ما يكفي. رأت الإرهاق في ملامحهم، والجوع في صمتهم، والبرد في ملابس التصقت بأجسادهم. اتجهت إلى مطبخها وأشعلت النار تحت القُدور. لم تتعامل مع الطّعام بوصفه صدقة عابرة، وإنما جعلته أول خطوة نحو إعادة شيء من الطمأنينة إليهم. كانت تعرف أن الجائع لا يملك طاقة لرواية حكايته، وأن اليد التي تقدم إليه طبقًا ساخنًا تُعيد إليه جزءًا من توازنه وكرامته.

    وقفت ساعات طويلة تطهو وتوزع وتراقب احتياجات القادمين. لم تنشغل بالتّعب، ولم تحسب ما ستخسره من راحة. كان أمامها شابٌ يحتاجون إليها في تلك اللحظة، وكانت تؤمن أن النّجدة تفقد معناها عندما تتأخر. كبر البيت بأهله وضيوفه، وضاقت غرفه بالأجساد، واتسعت روحه للجميع. لم تعد جدرانه تحدّد مساحته؛ فقد صنع الكرم فيه فضاءً أكبر من كل المقاييس.

    حين انتصرت الأمُومة على الحُدود

    تحوَّل المنزل مع مرور الوقت إلى مأوى صغير ينبض بالحركة. تجمع الشباب أمام الباب، ودخلوا تباعًا. جلس بعضهم حول الطعام، واتجه بعضهم إلى الاستحمام، وانتظر آخرون ثيابًا جافة تستر أجسادهم وتحميهم من البَرد. أدارت المشهد ببساطة ووعي، وحرصت على أن يحصل كل شخص على ما يحتاج إليه من غير فوضى أو إهمال. لم تكتف بإطعامهم. اقتربت منهم، سألت عن أحوالهم، وتأكدت من شبَعهم، وحدثتهم بلطف. فهمت أن نظرة الاحترام قد تمحو شيئًا من الإهانة التي عاشها الإنسان في طريقه.

    وَفَّرتْ لهم أدوات النظافة، ونظمت أوقات الاستحمام، ورتّبت توزيع الثياب. خصّت الفتيات بعناية أكبر، واستقبلت بعضهن داخل بيتها حتى تحميهن من أخطار الشارع ومن نظرات قد تزيد خوفهن. لم تكن الأمومة عندها علاقةَ دمٍ، وإنما قدرة على احتضان الضعيف. لذلك لم تسأل أحدًا من أين جاء، ولم تنتظر وثيقة تُثبت استحقاقه لِلْعَون. كان احتياجه وحده كافيًا.

    قد تختصرُ المقاطع المصورة التي تَداولْتها الهَواتفُ الحكايةَ في أطباق وزّعتها امرأة على شباب جائعين، غير أن ما حدث تجاوز ذلك بكثير. تولّت الحاجة صباح مسؤولية يوم كامل من العمل المتواصل. راقبت الطعام المتوفر، ونظمت الوجبات، ووزعت الأدوار بين المتطوعين، وفكرت في حاجات الساعات المقبلة.

    أدارت بيتها بعقل منظم وقلب حاضر. لم تسمح للعاطفة وحدها أن تقودها، ولم تترك الحشود تتحول إلى فوضى. جمعت بين الرحمة والتدبير، لأن النِّية الطيبة تحتاج إلى حُسن إدارة حتى تصل إلى الجميع.

    شاهدت تصرفات قاسية صدرت عن بعض الأشخاص تجاه الشباب، ومع ذلك لم تجعلها ذريعة لإدانة مَدينة كاملة. فرّقت بين المسيء والمحسن، وذكرت أن كثيرًا من سكان سبتة ساعدوا وقدموا ما استطاعوا. رفضت أن تواجه الظلم بظلم آخر، وحافظت على إنصافها في لحظة يسهل فيها الغضب. هذا الموقف لا يقلُّ قيمة عن إطعام الجَائعين؛ فقد دلّ على نفْسٍ تعرف كيف ترحم من غير أن تفقِدَ عَدْلها.

    لم تتعمَّد الحاجة صباح صناعة صورة بطولية لنفسها. ظهرت كما هي، بثياب بسيطة وحركة عفوية وصَوْت صادق. لم تقدم نفسها منقذة لأحد، وإنما تصرفت كإنسانة رأت واجبًا أمامها فأدَّته. لهذا أحبّ الناس قصتها. وجدوا فيها صدقًا لا تصنعه الخطب، ورأوا فيها صورة المرأة المغربية التي تجعل الكرم سلوكًا طبيعيًا لا مناسبة للاستعراض.

    حين تكلمت الإنسانية بلهجة مغربية

    لم تمنح الحاجة صباح الشباب طعامًا وثيابًا فقط. منحتهم لحظة شعروا فيها أنهم ما زالوا مرئيين، وأن أحدًا يعترف بخوفهم وتعبهم. أعادت إليهم الشّعور بإنسانيتهم، وبأنهم جديرون بالعناية والاهتمام، لا أعباءً ينبغي التخلّص منها.

    قد تمحُو الأيام من ذاكرتهم تفاصيل كثيرة. قد ينسون الطريق الذي عبروا منه، وأسماء الأماكن التي توقفوا عندها، والوُجوه التي مرّت أمامهم سريعًا. لن ينسوا بيتًا استقبلَهم حين ضاقَت بِهم المدينة، ولنْ ينسُوا امرأة عاملتهم كما لو أنهم أبناؤها.

    تضعُ هذه الحكاية معنى الإنسانية في مكانه الصّحيح. لا تقاسُ الرّحمة بما يملكه الإنسان، وإنما بما يقدمه حين يرى الحَاجة أمامه. لا تصنع المناصبُ النبل، ولا تمنح الشهرة قيمة للفعل. تظهر قيمة الإنسان عندما يخرج من دائرة التعاطف الصامت، ويحوّل إحساسه إلى موقف ملموس. قد تُخفِّف الكلماتُ الرّحيمة الألم، غير أن الأفعال وحدها تُغيِّر واقع الإنسان. الرحمة الحقيقية تطهو، وتغسل، وتكسو، وتفتح الأبواب، وتحفظ الخائف من الذّل.

    فتحت الحاجة صباح بيتها في لحظة عابرة، ففتحت معها بابًا واسعًا للأمل. صنعت من يوم شاقّ ذاكرة مضيئة، وأثبتت أن مدينة كاملة قد تستعيد وجهها الإنساني من خلال امرأة واحدة قرّرت ألاّ تُديرَ ظهرها لِلمُتْعبين.

    لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

    الحاجّة صَباح السّبْتَاوية Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

    مشاهدة الحاج ة ص باح الس ب ت اوية

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الحاج ة ص باح الس ب ت اوية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الحاجّة صَباح السّبْتَاوية.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار