أعاد قرار توحيد رسوم التسجيل في نظام التوقيت الميسر ابتداء من الموسم الجامعي 2026-2027 فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في منظومة التعليم العالي بالمغرب، من ينبغي أن يتحمل تكلفة الجامعة؟ وبينما يخشى معارضون أن تكون الرسوم بداية للتراجع عن مبدأ المجانية، يرى المدافعون عن التوجه الجديد أن الخلط بين التكوين الأساسي للطلبة المتفرغين والتكوين المستمر للموظفين والأجراء يحجب طبيعة الإصلاح وأهدافه الحقيقية.
فنظام التوقيت الميسر لم يوضع أساسا ليحل محل المسار الجامعي العادي، وإنما للاستجابة إلى وضعية فئة تزاول نشاطا مهنيا وترغب في الوقت نفسه في تطوير مؤهلاتها الأكاديمية. وهؤلاء المستفيدون يختلفون عن الطالب المتفرغ ليس فقط من حيث وضعيتهم المهنية، وإنما كذلك من حيث المردودية المحتملة للشهادة، إذ يمكن أن تتحول إلى أداة للترقية وتحسين الأجر والانتقال المهني أو الوصول إلى مسؤوليات جديدة.
المجانية والتكوين المستمر.. أين يوجد الحد الفاصل؟
ومن هنا يظهر مفهوم “تقاسم التكلفة” باعتباره أحد المبررات الأساسية للنظام الجديد، إذ يقوم على عدم تحميل الدولة التكلفة الكاملة لتكوين يستفيد منه شخص يتوفر أصلا على دخل قار ويمكن أن يحقق من خلاله منفعة مهنية مباشرة، مقابل توجيه الجزء الأكبر من الموارد العمومية إلى الطلبة المتفرغين والفئات التي لا تتوفر على مصادر دخل.
وهذا النموذج ليس استثناء مغربيا، إذ تتعامل أنظمة جامعية دولية مع التكوين المستمر باعتباره استثمارا مشتركا بين الدولة والفرد والمؤسسة المشغلة. ففي الولايات المتحدة، تعتمد برامج Executive MBA وExecutive PhD على مساهمة المستفيد أو جهة عمله في التمويل، بينما تشارك مؤسسات كندية في تمويل برامج الدراسات العليا المهنية لموظفيها.
ويظهر المنطق نفسه بصيغ مختلفة في السويد وفنلندا، حيث تقترن منظومات التعليم الجامعي الأساسية بدعم عمومي قوي، بينما يمكن أن تخضع بعض برامج التعليم المستمر والتكوين المتقدم لمساهمات مالية وفق طبيعة البرامج والفئات المستفيدة، مع الحفاظ على آليات اجتماعية للمنح والدعم.
جامعة عمومية تبحث عن موارد جديدة
ولا يمكن فصل هذا النقاش عن التحولات التي تواجهها الجامعة المغربية، بدءا من ارتفاع أعداد الطلبة، مرورا بالحاجة إلى تطوير البنيات والتجهيزات والمختبرات، وصولا إلى التكلفة المتزايدة للبحث العلمي والرقمنة وقواعد البيانات والتأطير.
ويطرح ذلك تحديا يتعلق بمدى قدرة الميزانية العامة وحدها على تمويل مختلف هذه الاحتياجات، وهو ما يفسر الاتجاه نحو تنويع الموارد الذاتية للجامعات باعتباره أحد مكونات تعزيز استقلاليتها المالية وقدرتها على التخطيط والاستثمار. وتقدم تجارب ألمانيا وهولندا نماذج لجامعات تتمتع بهوامش أوسع في التدبير المالي والإداري مع استمرار الدولة في دعمها.
ويصبح الأمر أكثر وضوحا في برامج البحث والدكتوراه، التي تتطلب تأطيرا فرديا ومختبرات وتجهيزات ومواكبة مستمرة. ففي فرنسا، يتيح نظام التكوين المستمر للموظفين والأجراء وأصحاب المهن الحرة إعداد أطروحات الدكتوراه مع الاحتفاظ بأنشطتهم المهنية، وغالبا ما تمتد الدراسة بدوام جزئي لفترات تتراوح بين أربع وست سنوات.
وتتراوح رسوم التسجيل الوطنية في الدكتوراه، وفق المعطيات المقدمة، بين 397 و398 يورو سنويا، بينما يمكن أن تضاف إليها تكاليف للتكوين المستمر تحددها كل جامعة، وقد تصل إلى بضعة آلاف أو تتجاوز 10 آلاف يورو سنويا بحسب المؤسسة والبرنامج ومصدر التمويل، مع إمكانية تدخل جهة العمل أو آليات تمويل التكوين المهني أو تحمل الطالب للتكاليف.
الدراسة مساء ليست بلا تكلفة
ويطرح نظام التوقيت الميسر تحديا تنظيميا آخر، لأن الموظف لا يستطيع، من الناحية العملية، متابعة برنامج جامعي تقليدي بالتوازي مع الحضور في مقر عمله خلال الساعات الرسمية. كما أن يومي السبت والأحد وحدهما قد لا يكونان كافيين لتغطية المحاضرات والامتحانات والأشغال التطبيقية والأنشطة البيداغوجية والبحثية.
لذلك يسمح التوقيت الميسر بتنظيم الدراسة بما يحقق قدرا أكبر من التوافق بين الالتزامات الوظيفية والمتطلبات الأكاديمية، ويمكن الباحثين الموظفين من الحفاظ على ارتباطهم بالمختبرات وفرق البحث والمشاركة في الأنشطة العلمية وإنجاز المشاريع واحترام آجالها.
لكن لهذا التنظيم تكلفة إضافية، إذ يعني فتح القاعات والمنشآت خارج الزمن الجامعي المعتاد وتعبئة الأساتذة والأطر الإدارية والتقنية وأعوان الأمن والنظافة وتشغيل التجهيزات والخدمات. وهو أحد الأسباب التي تجعل عددا من برامج التعليم المستمر في جامعات ألمانية وهولندية تعتمد رسوما مختلفة عن البرامج الجامعية النظامية.
الرسوم بين الجدية والإقصاء
وثمة حجة أخرى يطرحها مؤيدو الإصلاح تتعلق بجدية الولوج إلى برامج الدراسات العليا، إذ يعتبرون أن مساهمة المستفيد ماليا قد تحد من التسجيلات غير المرتبطة بمشروع أكاديمي واضح، وتدفع الباحث إلى الالتزام أكثر بإنجاز دراسته في الآجال المحددة.
وتوجد برامج للدراسات العليا المهنية في جامعات أمريكية وكندية تجمع بين الرسوم ومعايير انتقاء صارمة، على أساس أن الهدف هو استقطاب مترشحين لديهم مشروع مهني وأكاديمي والتزام فعلي بالتكوين، وليس مجرد الرغبة في إضافة شهادة جديدة إلى المسار الشخصي.
لكن هذه الحجة تحمل في المقابل تحديا اجتماعيا واضحا، لأن القدرة على الأداء لا تعني بالضرورة الجدية، كما أن محدودية الدخل لا تعكس ضعف الكفاءة الأكاديمية. لذلك يبقى نجاح أي نموذج للرسوم رهينا بمنع تحوله إلى آلية للفرز على أساس الإمكانات المالية.
تمويل مشترك للتعلم مدى الحياة
ويتقاطع الإصلاح كذلك مع التحول العالمي نحو مفهوم التعلم مدى الحياة، حيث أصبحت إعادة تأهيل الكفاءات وتطوير المهارات عملية مستمرة لا تنتهي بالحصول على أول شهادة جامعية. وفي هذا الإطار، تتوزع المسؤولية بين الدولة والمستفيد وأرباب العمل.
ويقدم برنامج SkillsFuture في سنغافورة مثالا على هذا التوجه، من خلال آليات تجمع مساهمات الحكومة وأرباب العمل والأفراد في تمويل التكوين المستمر، باعتباره استثمارا في رأس المال البشري وفي القدرة التنافسية للاقتصاد.
ومن هنا، فإن النقاش المغربي لا ينبغي أن يقتصر على سؤال «هل يؤدي الموظف رسوما أم لا؟»، وإنما يجب أن يمتد إلى تحديد من يؤدي، وكم يؤدي، ومن يستفيد من الإعفاء، وكيف تصرف الموارد، وما المقابل الأكاديمي والخدماتي الذي يحصل عليه المستفيد.
ضمانات ضرورية قبل قياس نجاح التجربة
وتبرز لذلك ثلاثة شروط أساسية لنجاح النظام: حماية الموظفين والأجراء محدودي الدخل من الإقصاء عبر إعفاءات واضحة، وإتاحة إمكانية التقسيط أو التمويل، ثم ضمان توجيه الموارد نحو تحسين جودة التأطير والتجهيزات والمختبرات والبحث العلمي.
كما يفترض أن تكون طريقة تدبير الأموال المحصلة واضحة وشفافة، لأن فرض مساهمة مالية يصبح أكثر قابلية للتبرير عندما يستطيع المستفيد ملاحظة أثرها المباشر في جودة الخدمات الجامعية التي يتلقاها.
وفي النهاية، لا يتعلق الرهان فقط بإيجاد مورد مالي إضافي للجامعة، وإنما ببناء نموذج يوازن بين ثلاث ضرورات يصعب الفصل بينها: حماية مجانية التعليم الجامعي الأساسي وتكافؤ الفرص، وتوفير تكوين مستمر يستجيب لحاجيات الموظفين والمهنيين، ومنح الجامعة العمومية الموارد والاستقلالية الضروريتين لتحسين البحث والتكوين. ونجاح التوقيت الميسر سيقاس، في نهاية المطاف، بقدرته على تحقيق هذه المعادلة دون أن تتحول الرسوم إلى حاجز اجتماعي جديد أمام استكمال الدراسة.
المقالة رسوم التوقيت الميسر للموظفين.. إصلاح جامعي يقوده ميداوي وتدعمه التجارب الدولية نشرت في موقع H-NEWS آش نيوز
مشاهدة رسوم التوقيت الميسر للموظفين إصلاح جامعي يقوده ميداوي وتدعمه التجارب الدولية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ رسوم التوقيت الميسر للموظفين إصلاح جامعي يقوده ميداوي وتدعمه التجارب الدولية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على آش نيوز ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، رسوم التوقيت الميسر للموظفين.. إصلاح جامعي يقوده ميداوي وتدعمه التجارب الدولية.
في الموقع ايضا :
- الخارجية المصرية تؤكد موقفها الثابت والداعم لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه
- «الداخلية»: ضبط 12 متهماً في 8 قضايا مخدرات مختلفة
- سلطان عمان وأمير قطر يبحثان في الدوحة العلاقات الثنائية وتطوير أوجه التعاون المشترك