ضوء اسمه البقاء (قصة قصيرة) ..اخبار محلية

سما نيوز - اخبار محلية
ضوء اسمه البقاء (قصة قصيرة)

كتب: د. مسعود عمشوش

في شارع الشيخ عبدالله، حيث تتداخل البيوت القديمة في كريتر عدن كأنها تستند إلى بعضها كي لا تسقط، كان بيت نور يطل على سوق النساء بباب خشبي أكلت أطرافه الرطوبة، وظلت حلقته النحاسية معلقة منذ زمن لا يعرف أحد متى بدأ. كانت نور تقول إن البيت، الذي بني معظمه بالخشب الهندي، أقدم منها بقليل، وإنها حين دخلته عروسًا لم يكن في الشارع سوى دكاكين قليلة، وكانت أصوات الباعة تصل إلى النوافذ قبل أن تصحو الشمس. أما الآن، فقد صار الشارع سوقًا لا يهدأ، وازدحمت حول البيت العمارات والدكاكين، وتبدلت الوجوه والأسعار، ولم يبقَ من عدن التي عرفتها إلا البحر ورائحة الخبز في الصباح. كانت تعيش مع ابنها راجح وزوجته زينب وحفيدها زهير. راجح رجل في أواخر الخمسينيات، أنهكته السنوات أكثر مما أنهكه العمر. كان يعمل بالأجر اليومي في أعمال متفرقة، فأحيانا يشتغل (دوبي) ومكوجي) وأحيانا يقوم بالمساعدة في مخبز الأغبري في شارع الزعفران المجاور لشارع الشيخ عبد الله. ورغم قرب البيت فهو لا يعود إلا في المساء وهو يحمل في يده كيسًا صغيرًا فيه خمسة أقراص روتي من عند الأغبري. وفي وجهه حسابات كثيرة لا يجد لها جوابًا. أما زينب فكانت تخيط وتعدّل بعض الملابس لجاراتها وبعض أصحاب دكاكين النساء، وتحاول أن تجعل من القليل ما يكفي أربعة أفواه. وكان زهير، ابن الخامسة عشرة، قد بدأ يفهم مبكرًا أن الطفولة ترف لا تملكه الأسر الفقيرة. في أحد أيام يناير من هذا العام 2026، قالت الوالدة نور وهي تضع يدها على رأسها: ــ أشعر أن رأسي يدور. أسرعت زينب إليها. ــ هل أكلتِ؟ ــ أكلت نصف رغيف. ــ وأخذتِ الدواء؟ نظرت إليها خالتها نور طويلاً ثم قالت: ــ أي دواء؟ لم تجب زينب. كانت تعرف أن الأدوية أصبحت ضيفًا لا يدخل البيت إلا نادرًا. بعد يومين اشتدت حالة نور. أخذها راجح إلى طبيب يعرفه في أحد الأزقة القريبة. فحصها، وطلب تحليل السكر، ثم عاد ينظر إلى الرقم طويلاً. ــ السكر مرتفع جدًا. سأله راجح: ــ ماذا نفعل يا دكتور؟ كتب وصفة، ثم قال: ــ تحتاج إلى الأنسولين. هذه الإبر تبدأ من اليوم. حدقت نور في الورقة. ــ مثل التي يأخذها راجح؟ التفت الطبيب إلى راجح. ــ أنت أيضًا مريض بالسكري؟ خفض راجح عينيه. ــ نعم. ــ وهل تأخذ الأنسولين بانتظام؟ سكت راجح لحظة، ثم قال: ــ أحاول. فهم الطبيب ما لم يقله. قال بصرامة: ــ لا تحاول. الأنسولين لا ينفع معه “أحاول”. إما أن تأخذه كما يجب، أو ستدفع الثمن. خرجوا من العيادة. وفي الطريق سألت نور: ــ كم ثمن الإبر؟ قال راجح: ــ نتصرف. عرفت من نبرة صوته أن كلمة “نتصرف” تعني في قاموسه: لا أعرف كيف. في تلك الليلة، وبعد أن نامت نور، أخرج راجح من درج قديم علبة صغيرة فارغة، كانت فيها ذات يوم إبر الأنسولين. قالت زينب: ــ أنت لم تعد تأخذها؟ ظل صامتًا. ــ راجح! قال أخيرًا ــ من أين أشتريها؟ ــ لكنك قلت لأمي إنك تأخذها. ــ لو قلت لها الحقيقة، ماذا كنت سأقول؟ إنني أستطيع شراء الإبر أسبوعًا ولا أستطيع شراءها في الأسبوع التالي؟ أم أقول لها إنني أحيانًا أستعمل الجرعة وأحيانًا أتركها لأن البيت لا توجد فيه كهرباء؟ قالت زينب: ــ والثلاجة؟ ابتسم بسخرية. ــ أي ثلاجة؟ كانت الكهرباء تنقطع قرابة عشرين ساعة في اليوم، ولا تأتي إلا أربع ساعات موزعة على فترتين. وكان تشغيل الثلاجة في تلك الساعات القليلة مغامرة؛ فالماء يحتاج إلى مضخة، والهاتف يحتاج إلى شحن، والمروحة تحتاج إلى بعض الهواء، والثلاجة تحتاج إلى وقت أطول مما تمنحه الكهرباء. في الأيام الأولى، حاولوا شراء الأنسولين وحفظه في الثلاجة. لكن الكهرباء كانت تنقطع قبل أن تبرد الثلاجة. وفي إحدى الليالي، استيقظ زهير على صوت أبيه وهو يضرب الباب بيده. ــ قامت الكهرباء! نهض الجميع. أسرعت زينب إلى الثلاجة، لكن راجح قال: ــ انتظري… دعينا نشحن البطارية أولاً. صرخت نور من غرفتها: ــ الثلاجة! الأنسولين! كان ذلك آخر الليل. اشتغلت الكهرباء أقل من ساعة. وحين عادت وانقطعت، ظلت الثلاجة ساكنة، وداخلها دواء يحتاج إلى البرودة. في صباح اليوم التالي قال راجح: ـ سنشتري غيره. سألته زينب: ــ وبأي مال؟ لم يجب. منذ ذلك اليوم بدأ مرض نور يأكلها ببطء. وفي فبراير، أرسلت إلى ابنتها صافية في الشيخ عثمان. قالت لها في الهاتف: ــ يا بنتي… تعالي. ــ حاضر يا أمي. ــ لا أريد منك شيئًا. تعالي فقط. جاءت صافية بعد يومين. دخلت البيت وهي تحمل كيسًا صغيرًا فيه بعض الخبز والدواء، وعانقت أمها طويلاً. قالت نور: ــ كبرتِ يا صافية. ضحكت صافية والدموع في عينيها. ــ وأنتِ لم تكبري. ــ بل كبرتُ جدًا. جلست إلى جوارها، ثم أخبرتها نور عن مرضها، وعن الإبر، وعن راجح. قالت صافية: ــ لماذا لم تخبروني أن راجح لا يأخذ الأنسولين؟ سكت الجميع. فهمت. قالت: ـ يا أخي، أنت تقتل نفسك. ابتسم راجح: ــ أنا لا أقتل نفسي. أنا فقط لا أملك ثمن أن أنقذها. ساد الصمت. كانت صافية تريد البقاء. لكن في اليوم التالي نظرت إلى الساعة، ثم قالت: ـ يجب أن أذهب. قالت نور: ـ لماذا؟ ــ عملي. ــ ابقي يومين. خفضت صافية رأسها. ــ لو بقيت، أخسر عملي. ــ والعمل أهم من أمك؟ شهقت صافية. ــ لا يا أمي… لكن ماذا أفعل؟ أعمل في معمل خياطة في الشيخ عثمان. إذا غبت، يأخذون مكاني. وأجرة المواصلات أصبحت فوق طاقتي. منذ انعدم الغاز، كل شيء ارتفع… حتى الطريق صار أغلى من الطعام. قالت نور: ــ اتركي العمل وتعالي. نظرت صافية إلى وجه أمها، ثم قالت: ــ ومن يطعمنا؟ لم تجد نور جوابًا. في تلك اللحظة، دخل زهير وهو يحمل إبريق ماء. قال: ــ الكهرباء جاءت. فرحت زينب لحظة. ثم قالت: ــ كم ستبقى؟ نظر زهير إلى الساعة. ــ ربما ساعتين. ضحكت نور. ضحكة قصيرة، موجعة. ــ ساعتان من الضوء… ويوم كامل من الظلام. كانت تلك الجملة تلاحق زهير بعد ذلك. في مارس، سقط راجح في السوق. كان يحمل كيسًا من الخبز عندما شعر بدوار مفاجئ. جلس على الرصيف، ثم حاول النهوض، لكنه سقط مرة أخرى. نقله أحد الباعة إلى البيت. قال الطبيب بعد فحصه: ــ السكر عندك مرتفع جدًا. كيف تعيش هكذا؟ قال راجح: ــ كما يعيش الناس. ــ لا. أنت لا تعيش. أنت تؤجل موتك. سمعت نور الجملة. وحين عاد راجح إلى البيت قالت له: ــ لن أسمح لك أن تموت قبلي. ابتسم: ــ ومن قال إنني سأموت؟ قالت: ــ وجهك يقول. في تلك الليلة، أخرج راجح ما بقي معه من نقود ووضعها أمام زينب. ــ اشتري إبرًا لي وللوالدة. نظرت إلى المال. ــ لا تكفي. ــ اشتري للوالدة. ــ وأنت؟ ــ أنا أتصرف. كانت الكلمة نفسها. لكن هذه المرة فهمت زينب معناها.

    في أبريل، جاء خبر صغير غيّر شيئًا في البيت. قال صاحب دكان الملابس النسائية الملاصق لهم إن لديه عملاً لزهير. ــ بعد المدرسة، يرتب الملابس ويساعدني في الحساب. قالت زينب: ـ إنه ما زال صغيرًا. قال زهير: ــ أمي، أنا أستطيع. نظر راجح إليه طويلًا. ثم قال: ــ لا أريده أن يعيش ما عشته. رد زهير: ــ وأنا لا أريد أن أراك تموت. لم يجد راجح ما يقوله. في اليوم التالي بدأ زهير العمل. كان الدكان مليئًا بفساتين وأثواب ملونة، بينما كان البيت المجاور غارقًا في المرض. وكان زهير يفتح الدكان في الصباح، ويعود إلى أمه بعد الظهر، ثم يذهب إلى جدته ليجلس بجوارها. في إحدى المرات، قالت له نور: ــ ماذا تعمل؟ ــ أبيع الملابس. ــ وهل تعرف مقاس النساء؟ ضحك. ــ بدأت أعرف. قالت: ــ تعلم يا زهير… الناس لا تقاس بالثياب. ثم أغمضت عينيها. ــ ولكنهم هذه الأيام لا يستطيعون شراء حتى الثياب. كانت تلك آخر مرة تضحك فيها. في صباح مايو، وجدتها زينب ساكنة. نادت راجح. ــ أمك لا ترد. دخل راجح، جلس بجوارها، وضع يده على يدها. كانت باردة. قال: ــ أمي؟ لم تجب. ثم صرخ: ــ أمي! جاء الجيران. وجاءت صافية بعد ساعات، وقد استدانت أجرة الطريق. جلست عند رأس أمها تبكي. وقالت: ــ سامحيني. لم تكن نور تسمعها. بعد موت نور، صار البيت أوسع مما ينبغي. غاب صوتها، وبقيت أشياءها الصغيرة في أماكنها: كوبها، مسبحتها، عباءتها، وعلبة الدواء التي لم يبقَ فيها إلا القليل. لكن راجح لم يلبث طويلًا. في يونيو، اشتد عليه المرض. كان يقول لزينب: ــ لا تخافي. لكنها كانت تعرف أنه يخاف. وفي إحدى الليالي انقطعت الكهرباء. كان الحر خانقًا. جلس راجح قرب النافذة. قال لزهير: ــ افتح الباب. فتح زهير الباب. دخل هواء ساخن يحمل رائحة السوق. قال راجح: ــ هل ترى البحر؟ قال زهير: ــ لا. ــ كنت أراه من هنا وأنا صغير. ثم سكت. بعد دقائق مال رأسه إلى الجانب. صرخت زينب. لكن هذه المرة لم يكن هناك طبيب، ولا دواء، ولا مال، ولا حتى كهرباء تشحن هاتفًا. بعد دفن راجح، عادت زينب إلى البيت وحدها مع زهير. جلست في المكان الذي كانت تجلس فيه خالتها نور. لم تبكِ. قال زهير: ــ ماذا سنفعل؟ نظرت إليه. ــ نعيش. ــ كيف؟ ــ لا أعرف. ثم نهضت، وأخرجت ماكينة الخياطة. في اليوم التالي بدأت تعدّل الملابس لجاراتها بأجر زهيد. وكان زهير يذهب إلى الدكان الملاصق للبيت. صار الاثنان يخرجان في الصباح، كل واحد يحمل نصيبه الصغير من التعب، ويعودان قبل أن ينطفئ آخر ضوء. وفي إحدى الأمسيات، جاءت الكهرباء. اشتغلت المصابيح. اشتغلت المروحة. اشتغلت الثلاجة. وقف زهير أمامها مبتسمًا. قالت زينب: ــ لماذا تضحك؟ قال: ــ لا شيء. ثم نظر إلى الثلاجة طويلاً. تذكر جدته. وتذكر أباه. وتذكر علبة الأنسولين. ثم أغلق باب الثلاجة. كانت الكهرباء ستنقطع بعد قليل. في الخارج كان سوق النساء يزدحم من جديد، والأصوات ترتفع، والباعة ينادون، والسيارات تتدافع في الشارع الضيق، والناس يمضون وراء يوم آخر لا يعرفون كيف ينتهي. قالت زينب وهي تعود إلى ماكينة الخياطة: ــ هات الثوب. ــ أي ثوب؟ ــ ذلك الذي عند الباب. ناولها زهير الثوب. جلست تخيط. وكان صوت ماكينة الخياطة يملأ الغرفة. دقّ… دقّ… دقّ… كأنه قلب صغير يرفض أن يتوقف. وخارج النافذة، كانت عدن تمضي في ليلها الطويل. أربع ساعات من الضوء. وعشرون ساعة من الظلام. لكن في ذلك البيت الصغير، بقي ضوء آخر لا تحسبه شركة الكهرباء، ولا تستطيع أن تقطعه. ضوء اسمه البقاء.

    ضوء اسمه البقاء (قصة قصيرة) سما نيوز.

    مشاهدة ضوء اسمه البقاء قصة قصيرة

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ ضوء اسمه البقاء قصة قصيرة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على سما نيوز ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، ضوء اسمه البقاء (قصة قصيرة).

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار محلية


    اخر الاخبار