تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة 18: الأطر المرجعية والممارسات الجيّدة: جودة المدرسة بين الوعود والواقع ...المغرب

اليوم 24 - اخبار عربية

يقوم الإصلاح التربوي المغربي على ثلاثية فاضلة: أطر مرجعية وطنيّة لضمان الجودة، وآليات لتحديد ونشر الممارسات الجيّدة، وتبنٍّ فعلي لهذه الممارسات في الميدان. المعيار 9.2 من تقييمنا يتناول بدقّة سلسلة الجودة هذه. لقد وضع القانون الإطار 51.17، الصادر في أغسطس 2019، والقانون 59.21 المتعلق بالتعليم المدرسي، أسساً تشريعيّة متينة، بتنصيصهما على أطر مرجعيّة للمناهج، والاعتماد، والجودة، والممارسات البيداغوجيّة. وقد أنشأ القانون الإطار لجنة دائمة لإعداد الإطار المرجعي للمناهج، وعرّف الإطار الوطني المرجعي للاعتماد بأنه «أداة لتحديد وتصنيف الشهادات على المستوى الوطني، وفق شبكة» من ثمانية مستويات وستة واصفات. لكن بين النصوص وتفعيلها، بين تحديد الممارسات الجيّدة ونشرها على نطاق واسع، بين وعد الجودة وواقعها في الميدان، لا يزال الطريق طويلاً. ثلاثة مؤشّرات تسمح بقياس ذلك: نسبة مطابقة الممارسات البيداغوجيّة للمراجع، وعدد الممارسات الجيّدة المحدّدة والمنشورة، ونسبة استعمال هذه الممارسات في المؤسّسات. يكشف فحصها عن منظومة استطاعت وضع أسس طموحة، لكنها لا تزال تعجز عن تحويل نواياها إلى وقائع مشتركة.

أطر مرجعية تبحث عن تفعيل

    يقيس المؤشر الأوّل مطابقة الممارسات البيداغوجيّة للمراجع الوطنيّة للجودة. لقد أنشأ القانون الإطار 51.17 عدة مراجع أساسيّة: الإطار المرجعي للمناهج، والإطار الوطني المرجعي للإشهاد، والإطار المرجعي للجودة بالإضافة إلى الدلائل المرجعية لمعايير الجودة ومرجع الوظائف والكفاءات. وأضاف القانون 59.21 المتعلق بالتعليم المدرسي إطاراً مرجعيّاً للممارسات البيداغوجيّة استنادا إلى الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 التي نصت عليه. وقد أنشئت اللجنة الدائمة للمناهج والبرامج والتكوينات التي يوجد من بين مهامها إعداد الإطار المرجعي للمناهج، وذلك انطلاقا من الإطار الوطني المرجعي للإشهاد الذي يعتبر أداة لتحديد وتصنيف الشهادات الوطنية في مختلف أسلاك وأطوار منظومة التربية والتكوين ببلادنا. وبالتالي على الورق، الهندسة متكاملة.

    لكن صورة الواقع مختلفة تماما. فالإطار المرجعي للجودة المنصوص عليه في القانون الإطار لم يجد بعدُ طريقه إلى الوجود. بسبب ـ«الارتباك الاستراتيجي» الذي أدى إلى تهميش القانون الإطار والاكتفاء بما سمته وزارة التربية الوطنية بعلامة الجودة. هذه الأخيرة تتمحور حول ثلاثية خارطة الطريق التلميذ والمدرس والمؤسسة في حين يدعو القانون الإطار إلى إرساء «إطار مرجعي للجودة» حقيقي كنظام مستقل يقيّم القيمة المضافة للمنظومة التربوية في مجملها ولجميع مكوناتها بشكل منفصل. أما الإطار الوطني للإشهاد، رغم إقراره، لم يؤدِّ وظيفته الكاملة في تصنيف الشهادات الوطنية لمنظومة التربية والتكوين.

    كما أن مرجع الوظائف والكفاءات، رغم الأعمال التحضيريّة التي أُنجزت حوله، خاصة في إطار الشراكة الدولية، لم يُعتمد بعد رسميا من طرف وزارة التربية الوطنية، علما بأن اعتماده يمر بالضرورة عبر طلب رأي المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي وهي الاستشارة التي لم تتم بعد إلى غاية سنة 2026. وجدير بالذكر أن وزارة التعليم العالي أعدت مشروعا لهذا المرجع أبدى المجلس رأيه فيه في شهر ماي 2025. وقد أوصى من خلاله بضرورة توسيع نطاق المرجع ليشمل جميع المهن القائمة. وباعتماد تصنيف وظيفي أكثر وضوحًا يراعي الفئات المهنية ومجالات التنقل الوظيفي.

    كما أوصى المجلس بتطويره في سياق رؤية إصلاحية شاملة، كما هو محدد في القانون الإطار 51.17، وبما يتماشى مع المكونات الأخرى لمنظومة التربية والتكوين. مع إدراج هذه المقاربة في خطة مندمجة لتدبير المسار الوظيفي مصممة خصيصًا لتناسب الخصائص المحددة للإدارة المركزية والجامعات ومؤسسات التعليم العالي.

    والاستنتاج الأكثر إثارة للقلق هو قطيعة الرابط العضوي بين هذه المراجع. فمرجع الوظائف والكفاءات يحدّد الكفايات المنتظرة من الموظّفين، والإطار الوطني للإشهاد يسمح بالتصديق على اكتساب هذه الكفايات، والإطار المرجعي للجودة يضمن جودة المنظومة برمّتها. غير أن هذه الوصلات ظلّت نظريّة في الممارسة. ولم تُوضع أيّة آليّة عمليّة لضمان التماسك بين هذه الأدوات الثلاثة، التي تقارب وكأنها تعمل في صوامع منعزلة دون تنسيق أو تشابك. وهذا الغياب للتماسك المنظومي يُضعف البناء بأكمله.

    وقد وضع برنامج المدارس الرائدة حوالي عشرين معياراً عمليّاً للجودة، لكن هذا الإطار يعاني من محدوديّتين رئيسيّتين: صُمّم كأداة للمطابقة، لا كرافعة للاستقلاليّة المهنيّة، وتمّ إعداده بتجاوز الهيئات المنصوص عليها في القانون الإطار. وكأنّ الإصلاح الشامل يمكن اختزاله في مشروع واحد. يسعى إلى مطابقة صارمة بـاسم «التايلورية البيداغوجيّة» التي تسلب المدرّس مهنيّته وتفرغه من إحساسه بالكفاءة الذاتية وهو ما يُفسد جودة التعلّمات الحقيقيّة.

    نشر الممارسات الجيّدة: تحدّي التعميم

    يقيس المؤشر الثاني عدد الممارسات البيداغوجيّة الجيّدة التي تمّ تحديدها ونشرها في المنظومة التربويّة. وضع المغرب عدة آليات للنشر: مجتمعات الممارسات المهنيّة، وشبكات مديري المدارس، والجمعيّة الوطنيّة لمديرات ومديري المدارس الابتدائيّة، والمرافقون البيداغوجيّون. ووفق تقرير اليونسكو (2025)، يكاد جميع المديرين يصرّحون بانتمائهم إلى شبكة، وتشمل الأهداف تبادل الأفكار حول تدبير المدرسة (98.3%) وتبادل التجارب المرتبطة بتنفيذ البرنامج الدراسي (74.6%). وتوفّر مجتمعات الممارسة المهنية، التي يعود إنشاؤها إلى سنة 2011، لتعزيز تنفيذ مشاريع المؤسّسات، فضاءً تعاونيّاً للمديرين لتبادل الممارسات الجيّدة وحلّ المشاكل بشكل جماعي واستثمار التجارب الفضلى.

    لكنّ عدة حدود تعيق النشر الفعّال لهذه التجارب. فتغطية مجتمعات الممارسة غير متساوية، والأدوار والمسؤوليات غير محدّدة بوضوح. والممارسات الجيّدة المحدّدة تبقى إلى حدّ كبير محصورة في المدارس الرائدة. وهنا ينبغي التحذير من الانحياز الانتقائي الهائل: فقد انطلق المشروع بمديرين ومدرّسين متطوّعين، محفّزين بمنح 10.000 درهم وتجهيزات ماديّة غير مسبوقة. والسؤال الذي ينبغي طرحه هو: «كيف سيكون استقبال هذا النموذج « المنمط » و »النازل من أعلى » من طرف 250.000 مدرّس في البلاد عندما يُفرض عليهم دون منح ودون تطوّع؟» مع استحضار أنّ أثر المشاريع في المرحلة التجريبيّة غالباً ما يكون أعلى بأربع مرات منه في مرحلة التعميم.

    ومن الضروري أيضا إثارة الانتباه إلى الانتقاء الإحصائي الذي يخفي المعطيات غير الملائمة.فقد اعتمدت وزارة التربية الوطنية في ترويجها لمشروع المدارس الرائدة على معطيات PISA (18.9% من التلاميذ يبلغون المستوى الأدنى في القراءة) مع تغييب معطيات PIRLS 2021 (41% من التلاميذ يبلغون المستوى الأدنى في القراءة في الابتدائي) رغم أن هذه الأخيرة هي الأولى بالاعتبار لأنها تهم السلك الذي ركز عليه المشروع أساسا. وبعزل البيانات الأكثر قتامة، تم بناء صورة مصطنعة لأرض محروقة بيداغوجيّاً، لتبرير النجاحات المفترضة لهذا النموذج.

    تحريف مبدأ التجريب المسبق

    تعود هذه الهشاشة في نشر الممارسات الجيدة إلى تحريف منهجي كبير. كانت خارطة الطريق 2022-2026 تهدف إلى غاية غاية نبيلة: جعل التجريب شرطاً مسبقاً للتعميم. وكان برنامج المدارس الرائدة، الذي انطلق بـ626 مدرسة في 2023-2024، يجسّد هذه المقاربة الفاضلة. وقد أجرت الهيئة الوطنية للتقييم التابعة للمجلس الأعلى للتربية، وهو هيئة دستورية مستقلة، تقييماً خارجياً صارماً. وأظهرت استنتاجاتها عدة حدود، وأقامت تمييزاً أساسياً: المكاسب المذهلة التي تحققت في المدارس الرائدة ليست ثمرة البيداغوجيا المنظمة المعروفة بالتدريس الصريح، بل ثمرة أداة الدعم البيداغوجي TaRL. وهذا فارق جوهري كان من شأنه أن يضعف ادعاء الوزارة بوجود حل معجزة.

    لكن إزاء هذا الاستنتاج غير المريح، اتخذت الحكومة منعطفاً استراتيجياً. فقد أُسندت مهمة التقييم إلى المرصد الوطني للتنمية البشرية، وهو هيئة تابعة لرئيس الحكومة، الذي قام بدوره بإسنادها إلى مكاتب دراسات خاصة. هذا الإنكار للخبرة الوطنية المستقلة يوحي بأن « حقيقة » الوزارة لا تصمد أمام مراجعة الأقران. وقد نشر المرصد نتائج إيجابية عموماً، مما عزز الخطاب الرسمي. وتم تعميم البرنامج، من 626 إلى أكثر من 4600 مدرسة، دون انتظار الاستنتاجات المدعمة للتقييم المستقل.

    وقد جرد هذا الإحلال مبدأ التجريب المسبق من معناه. فلم يعد التقييم أداة للقيادة والتصحيح، بل أداة للشرعنة بأثر رجعي. وقد همش الدور الرقابي للهيئة الوطنية، وأضعف الثقة في مؤسسات التقييم، وأرسى ثقافة الالتفاف التي قد تتكرر. إن نجاح المدارس الرائدة، كما يُدبّر، هو أكبر عقبة أمام ولادة مدرسة حقيقية للتميز. فبدون تقييم مستقل، لا يكون نشر الممارسات الجيدة سوى سراب.

    استعمال الممارسات الجيّدة: تبنّ غير متساو

    يقيس المؤشر الثالث نسبة استعمال الممارسات الجيّدة المستثمرة في المؤسّسات التعليمية. يظهر تقرير اليونسكو (2025) أن المدارس الرائدة تتبنّى فعلاً الممارسات الموصى بها: 100% من المديرين يلاحظون الممارسات الصفيّة، و81% يقومون بزيارات صفيّة أسبوعيّة. ويؤكّد تقرير ماتيماتيكا (2026) أن برنامجا آخر هو ثانوية التحدي الممول من طرف الشريك الأمريكي مؤسسة تحدي الألفية حقّق مكاسب متواضعة في الحساب، لكن دون تأثيرات ملحوظة في الفرنسيّة، أو في نتائج الامتحانات أو الكفايات العرضيّة. وهو ما يطرح سؤال الاستفادة من المشاريع المجربة في إطار الشراكة الدولية.

    لكنّ التبنّي يبقى متفاوتاً جدّاً. فالمدارس غير الرائدة لم تدمج معظم ممارسات النموذج، والمناطق القرويّة هي الأكثر حرماناً. فقرابة ثلث المديرين يديرون مؤسّستين في وقت واحد، وهي ظاهرة أكثر شيوعاً في الوسط القروي (48.4%) منها في الحضري (13.8%)، ممّا يحدّ من قدرتهم على تنفيذ ممارسات مبتكرة. كما أن تكوين المدرّسين لا يزال غير كاف: 45.8% فقط من المديرين تلقّوا تكويناً في الدعم البيداغوجي للمدرّسين.

    ويكشف تسلسل توسيع النموذج عن استراتيجية التسرّع: 626 مدرسة في 2023-2024، و2000 إضافية في 2024-2025، و2000 أخرى في 2025-2026، و2000 معلنة لـ2026-2027. «هروب إلى الأمام» يتجاهل عمداً مبادئ قيادة التغيير. هذا الغياب للشفافية يوحي بأنّ الرقم أصبح غاية في حدّ ذاته، و »واجهة تجميلية » تهدف إلى إخفاء الواقع البيداغوجي. وبتركيز جلّ الموارد على هذا البرنامج الوحيد، أحدثت الوزارة ثقباً أسود ميزانيّاتياً، وأصبحت معظم برامج خارطة الطريق العشرين في حالة موت سريري.

    وهنا تبرز للعيان مفارقة النخبة: لو كان هذا النموذج الدواء الشافي للجودة، فلماذا ينأى بنفسه عنه القطاع الخاصّ والبعثات الأجنبيّة؟ إن تخصيص التايلورية والبيداغوجيا المنمطة لأطفال المدرسة العمومية، مع تنمية الإبداع للنخبة، هو خطأ أخلاقي فادح. يكرس بثبات تعليما بسرعتين: التحرّر للمتميّزين، والتنميط للجماهير. وهذا نفي لمبدأ الإنصاف في القانون الإطار.

    من أجل إصلاح أصيل

    التشخيص واضح: أجاد المغرب في وضع أسس تشريعيّة متينة وتحديد ممارسات واعدة، لكنّ سلسلة الجودة تبقى مجزّأة. ولكي يكون المعيار 9.2 محقَّقاً بالكامل، تبرز عدة ورشات: إعداد وإرساء الإطار المرجعي الوطني للجودة، وتفعيل مرجع الوظائف والكفاءات بإصدار مراجع خاصّة بكلّ مهنة، وإعادة الربط العضوي بين مرجع الوظائف والكفاءات والإطار الوطني للإشهاد والإطار المرجعي للجودة، وإرساء آلية واضحة لاستثمار الممارسات الجيّدة، واستعادة استقلاليّة التقييم، والتخلّي عن التايلورية البيداغوجيّة، وضمان تعليم منصف. لقد ولّى زمن التواصل السياسي. وحان زمن الشفافية والإصلاح الأصيل. وإلا سينتهي الأمر بموت سريري المدرسة العمومية.

     

    مشاهدة تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015 2030 الحلقة 18 الأطر المرجعية والممارسات

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015 2030 الحلقة 18 الأطر المرجعية والممارسات الجي دة جودة المدرسة بين الوعود والواقع قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على اليوم 24 ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة 18: الأطر المرجعية والممارسات الجيّدة: جودة المدرسة بين الوعود والواقع.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار