في 14 يوليوز 2025، استقبلت نتائج البكالوريا المغربية بارتياح: نسبة نجاح بلغت 83,3% في جميع الدورات، وهو رقم قياسي. لكن قبل بضعة أشهر، أكدت دراسة بيزا 2022 أن 18.4% فقط من التلاميذ المغاربة البالغين 15 سنة يتحكمون في الحد الأدنى من الكفايات في الرياضيات، مقابل 69% في المتوسط بدول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. في القراءة، النسبة تكاد تكون مماثلة: 18.9% مقابل 74% في المتوسط بدول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. هذه الفجوة السحيقة بين النجاحات المعلنة في الامتحانات الوطنية والكوارث المتكررة في التقييمات الدولية ليست مجرد حادث إحصائي، بل هي عرضٌ لنظام تقييم معطل، عاجز عن قول الحقيقة حول ما يتعلمه التلاميذ فعلاً.
يشكل التقييم التربوي جوهر أي إصلاح تعليمي. قياس مكتسبات التلاميذ يمكن من تشخيص الوضع، وتحديد التعثرات، وتوجيه المعالجة. بدون ميزان حرارة دقيق، يصبح تدبير المنظومة التربوية مثل أعمى يقود سفينة. في المغرب، هذا الميزان شبه مختل. التقييمات المعيارية موجودة، لكن يتم الالتفاف عليها أو تجاهلها أو استغلالها. الامتحانات الوطنية، التي يفترض أن تشهد على امتلاك الكفايات، ابتعدت تدريجياً عن المنهاج الدراسي لتتكيف مع المستوى المتوسط للتلاميذ. ويكمل الغش، وتضخم النقط، وفقدان ثقة المدرسين، مهمة تقويض مصداقية المنظومة التقييمية. والنتيجة: نحقق نسب نجاح مذهلة في الامتحانات الإشهادية بينما يؤكد البنك الدولي أن التلميذ المغربي يفقد 4,4 سنوات من التعلم الفعلي طيلة مساره الدراسي. بمعنى آخر، أزيد من أربع سنوات يقضيها على مقاعد المدرسة دون أن يتعلم شيئاً ذا قيمة.
منهاج رسمي، وامتحانات منفصلة عنه
يتوفر المغرب على أداة قيمة هي البرنامج الوطني لتقييم المكتسبات (PNEA)، الذي يقيس الفجوة بين المنهاج المقرر والمكتسبات الحقيقية للتلاميذ. يعتمد البرنامج على جداول تخصيص دقيقة تغطي مجالات المحتوى والمستويات المعرفية، من الحفظ البسيط إلى التفكير النقدي. لكن تأثيره يبقى محدوداً: لا يُنجز في أحسن الأحوال إلا مرة كل أربع سنوات، ولا يقدم معطيات خاصة بكل مؤسسة. والأخطر أن منطقه القائم على المطابقة مع المنهاج يتناقض مع ممارسة الامتحانات الوطنية.
إن امتحانات شهادة البكالوريا وامتحانات شهادة السلك الإعدادي لا تغطيان سوى جزء من الكفايات المنتظرة. فهي تقدس استرجاع المعلومات على حساب التحليل والتركيب وحل المشكلات المركبة. والأدهى أن مستوى متطلبات الامتحان قد انخفض سنة بعد سنة، تحت ضغط النتائج الضعيفة والظروف الاستثنائية. جائحة كوفيد-19 سنة 2020 أدت إلى تخفيف البرامج وتكييف الامتحانات؛ وإضرابات المدرسين سنة 2024 تسببت في تخفيض جديد للسقف. وكان وزير التربية آنذاك، السيد بنموسى، قد اعترف بأن الامتحانات « ستكون بنفس مستوى السنوات السابقة بفضل تكييف البرنامج الدراسي ». بكلمات أوضح، يُخفض مستوى الامتحان للحفاظ على المظاهر.
ويزيد من خطورة هذا الوضع تفشي ظاهرة الغش. تسريبات المواضيع، الغش المنظم، التساهل في المراقبة: فضائح متواترة تقوض الثقة في قيمة الشهادات. الأطر المرجعية الوطنية للتقييم موجودة، لكنها تركز على استرجاع المعارف وتطبق بدون صرامة. وكثيراً ما تُعدل أسئلة الامتحانات لتلائم المستوى الحقيقي للتلاميذ، بعيداً عن متطلبات المنهاج الدراسي. وهو ما أدى عمليا إلى تحول المدرسة المغربية إلى « مدرسة الحضور الجسدي » التي تحتفي بالحضور لا باكتساب الكفايات.
حكم لا استئناف فيه من التقييمات الدولية
في انتظار نشر نتائج البرنامج الوطني لتقييم المكتسبات لسنة 2025، كانت معطيات البرنامج لسنة 2019 قد دقت ناقوس الخطر. في السنة السادسة ابتدائي، 48% من التلاميذ لم يستوعبوا سوى 23% من مقرر الرياضيات؛ و12% فقط تحكموا في كامل برنامج اللغة الفرنسية. التقييمات الدولية تؤكد هذا الوضع وتضخمه. تصنف دراسة بيرلز 2021 المغرب في المرتبة 56 من بين 57 دولة في القراءة، مع 59% من التلاميذ تحت العتبة الدنيا. وتكشف دراسة تيمس 2023 أن درجة العلوم في الإعدادي انخفضت بما لا يقل عن 67 نقطة في ثماني سنوات ، أي ما يعادل 25 سنة من التعلم الضائع في أربع سنوات فقط. أما بيزا 2022 فتظهر تراجعاً في المجالات الثلاثة المختبرة، بنسبة 18% فقط من التحكم الأدنى في الرياضيات وفي القراءة.ل
أمام هذه الحقيقة، تبدو نسب النجاح في البكالوريا كوهم متقن الصنع. إنها ترتفع بفعل مزيج من تضخم النقط وتخفيض معايير التصحيح. المراقبة المستمرة، التي تمثل 25% من المعدل النهائي، معروفة بالمبالغة في التنقيط، حيث تسعى كل مؤسسة إلى تجميل إحصائياتها. أما الامتحان الجهوي، الذي يوضع جهويا، فيتسبب في تفاوتات في الصعوبة والتصحيح تمنع أي مقارنة موثوقة. في غضون ذلك، يقدم الفاعل الحكومي أرقاماً مذهلة ويتجنب مواجهة الأزمة العميقة للتعلمات.
مدرسون محبطون، وتقييم تحت الوصاية
لا يقتصر القلق على التلاميذ. فالمدرسون هم أول من يشك في فعالية نظام التقييم. وقد أشارت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية سنة 2024 إلى أن مصداقية المراقبة المستمرة « موضع شك من لدن الإدارة المغربية نفسها »، بسبب ضعف تكوين المدرسين في مجال التقييم وغياب أطر مرجعية منسقة. مديرو المؤسسات، الذين يتابعون تكويناً إدارياً بنسبة 93%، ليسوا مستعدين لمرافقة فرقهم في تصميم تقييمات صالحة. هذا النقص يغذي شعوراً بالعجز وفقدان الثقة.
برنامج المدارس الرائدة، الذي كان يُفترض أن يعطي دينامية للتقييم عبر روائز تحديد المستوى والتتبع المنتظم، لم يكفِ لاستعادة الثقة. فقد قاطعت اللجنة الوطنية لمفتشي التعليم عمليات التحقق الداخلي، منددة بـ »غياب صارخ للانسجام البيداغوجي » واختزال دور المفتشين في مجرد جمع للإحصائيات. هؤلاء المهنيون الميدانيون لم يعودوا يتعرفون على نظام يُفرض عليهم عمودياً، بدون حوار أو اعتبار لخبرتهم.
والأخطر من ذلك أن استقلالية التقييم أصبحت مطروحة. كانت الحكومة قد التزمت في برنامجها 2021-2026 بإسناد تقييم معياري سنوي للهيئة الوطنية للتقييم (INE). لكن ما إن صدرت تقارير الهيئة بخصوص المدارس الرائدة واتسمت بالنقد، حتى غيرت الحكومة وجهتها، وأسندت المهمة لمكاتب دراسات خاصة وللمرصد الوطني للتنمية البشرية. بهذا الفرار من الهيئة الوطنية للتقييم نحو مقدمي خدمات خواص، تفرغ الوزارة التقييم من العلمبة العلمية والموضوعية لصالح التسويق السياسي. هذا الانحراف يحول التقييم إلى أداة بروباغندا، عاجزة عن إحداث الصدمة الواقعية التي يحتاجها النظام التربوي المغربي.
ستة أوراش لكي يستعيد التقييم معناه
إن تقييم التعلمات ليس إجراءً إدارياً شكلياً، بل هو أقوى رافعة لتحسين جودة التعليم. لكي يقوم بهذا الدور في المغرب، لا بد من إجراء ستة إصلاحات.
أولاً، يجب تنسيق وتعزيز مصداقية التقييمات الداخلية. ينبغي أن تعتمد المراقبة المستمرة على شبكات وطنية موحدة، وأن يتلقى المدرسون تكويناً مكثفاً في التقييم بالمعايير. ومكافحة الغش، عبر إجراءات رادعة وتنظيم أكثر صرامة للامتحانات، شرط أساسي لاستعادة أي مصداقية.
ثانياً، يجب توسيع البرنامج الوطني لتقييم المكتسبات ليشمل كل مؤسسة على حدة، مع نشر النتائج للعموم، بما يمكن من تدبير لامركزي واستهداف دقيق للمعالجة. لا ينبغي أن تبقى التقييمات مجرد تشخيص، بل يجب أن تكون نقطة انطلاق لعمل بيداغوجي: تحديد التعثرات المبكرة، تكييف طرق التدريس، تقديم دعم فردي.
أما الورش الثالث فهو سياسي: لا بد من استعادة استقلالية التقييم. على الهيئة الوطنية للتقييم، بوصفها هيئة مستقلة، أن تستعيد حصرية التقييمات المعيارية الوطنية، مع إلزامية الشفافية. قبول النتائج النقدية شرط للاستفادة منها. هكذا تمكنت دول أخرى من إصلاح أنظمتها التربوية.
رابعاً، يجب إعادة ربط الامتحانات الوطنية بمتطلبات المنهاج. لا بد من وقف التكييف نحو الأسفل. بكالوريا بمستوى عالٍ، مع آليات تصحيح مستقلة، ستبعث إشارة واضحة للتلاميذ والمدرسين والمجتمع: الشهادة تثبت كفايات حقيقية، لا مجرد حضور. لكن، لا يكفي مجرد إعادة ربط الامتحانات بالمنهاج الحالي كما هو. بل يجب أولاً إعادة بناء المنهاج نفسه ليكون مصمماً لتكوين « عقل جيد التنظيم » بدل « عقل ممتلئ ». يجب أن تقلص البرامج من ثقل التراكم الموسوعي للمعلومات، وتنمي القدرة على توظيف كفايات معقدة: التحليل، التركيب، الإبداع، وحل المشكلات غير المسبوقة. وفي هذا الإطار، على الامتحانات الوطنية أن تقيّم هذه الكفايات المستعرضة لا مجرد الاستظهار. ويمكن للبكالوريا بنسختها الجديدة أن تستلهم من الاختبارات الدولية (بيزا، تيمس) التي تقيس القدرة على استخدام المعرفة في سياقات حقيقية، وأن تدمج وسائط أخرى كمشاريع البحث والعروض الشفهية. ويتطلب هذا التحول مجهوداً كبيراً في تكوين المدرسين المستمر كي يتمكنوا من تقييم الكفايات.
خامساً، ينبغي أن يدمج تكوين مديري المؤسسات وهيئات التأطير مكوّناً قوياً في التقييم وتحليل المعطيات، لكي تتحول النتائج الدراسية إلى أداة للتدبير اليومي.
أخيراً، يظل التركيز على التعلمات الأساسية – القراءة، الكتابة، الحساب – منذ السنوات الأولى من الابتدائي ضرورة لا غنى عنها لتقليص 4,4 سنوات الضائعة. لكن هذا التركيز يجب ألا يكون على حساب كفايات القرن الحادي والعشرين. في عصر الذكاء الاصطناعي، ينبغي للمدرسة أيضاً أن تُعد التلاميذ للتعاون والإبداع والتفكير النقدي والحسابي، واستعمال الرقمية بشكل أخلاقي. ويمكن منذ المرحلة الابتدائية إدماج مشاريع متعددة التخصصات، والبدء في البرمجة وتحليل البيانات، وأنشطة التربية على وسائل الإعلام والذكاء الاصطناعي، كل ذلك بالارتكاز على التعلمات الأساسية. التوازن ممكن: فاكتساب مهارات أساسية متينة هو شرط إطلاق الكفايات العليا، وهذه الأخيرة بدورها تعطي معنى للمعارف الأساسية. هذه الرؤية لمنهاج متوازن، يجمع بين العمق المعرفي والرشاقة الذهنية، هي ما يجب أن يوجه عملية إصلاح التقييم، بل والمدرسة المغربية برمتها.
استعادة حقيقة الأرقام
أزمة التعلمات في المغرب ليست قدراً محتوماً. يتوفر البلد على مدرسين متفانين، وعلى منهاج دراسي حديث في شكله، وأدوات تقييم معترف بها. لكن هذه المزايا تُحبط من طرف حكامة تفضل الإحصائيات البراقة على التشخيصات الصارمة. ما دام التقييم سيبقى مجرد عملية تواصلية تسويقية، سيواصل النظام التربوي إنتاج حاملي شهادات بدون كفايات، حاكما بذلك على أجيال بالفشل وعلى البلد بأداء الفاتورة الباهظة لهذا المصير.
ميزان حرارة التقييم يجب إصلاحه على وجه السرعة. لا للإحباط، بل للعلاج. لأن أولى درجات الإنصاف، هي الحقيقة. والحقيقة اليوم تقتضي أن نعيد التفكير في ما نقيسه، وكيف نقيسه، والأهم، في ما نختار تدريسه لبناء مدرسة الغد.
مشاهدة تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015 2030 الحلقة 19 تقييم التعلمات ميزان حرارة مختل
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015 2030 الحلقة 19 تقييم التعلمات ميزان حرارة مختل قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على اليوم 24 ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة 19: تقييم التعلمات، ميزان حرارة مختل.
في الموقع ايضا :
- بث مباشر.. شاهد مباراة الحسين إربد الأردني أمام باختاكور الأوزبكي في ملحق دوري أبطال آسيا للنخبة
- بث مباشر.. شاهد مباراة الاتحاد السعودي والجزيرة الإماراتي في ملحق دوري أبطال آسيا للنخبة
- فلكية جدة: كسوف كلي للشمس الأربعاء.. والسعودية خارج نطاق المشاهدة