لماذا تراهن إيران على حرب النقاط لإخراج أمريكا من غرب آسيا؟ ..اخبار محلية

26 سبتمبر نت - اخبار محلية
لماذا تراهن إيران على حرب النقاط لإخراج أمريكا من غرب آسيا؟

لا تخوض الجمهورية الإسلامية في إيران مواجهتها الراهنة مع الولايات المتحدة وفق منطق "الملاكمة" الذي يبحث عن ضربة قاضية تُسقط الخصم في الحلبة، ولا تنظر إلى النصر على أنه لحظة احتلال مواقع أو تدمير كتائب في زمن قياسي.

ووفق تقرير لمركز بدر للدراسات الاستراتيجية فأن ما تفعله طهران هو الأعمق والأكثر دهاءً: معركة قوامها الفلسفة التحويلية، أي تحويل الوجود العسكري الأمريكي في غرب آسيا، بمرور الزمن وتراكم اللحظات، من ورقة رابحة في يد واشنطن إلى ثقب أسود يبتلع أموالها وأرواح جنودها وهيبتها.

    إنها حرب "النقاط" أو ما يصح أن نسميه "العمل العسكري التراكمي"، حيث لا يكون الظفر مرتبطاً بمعركة فاصلة، بل بتراكم "اصطكاكي" يفضي إلى إعادة نظر أمريكية جذرية في جدوى البقاء في هذه البقعة الملتهبة من العالم.

     

    استراتيجية تحويل المعادلة... حين يصير الوجود عبئاً لا منصةً للنفوذ

    تنطلق هذه الرؤية من إدراك إيراني متجذر لطبيعة موازين القوى، وإيمان راسخ بأولوية استخدام ميزة "الحرب غير المتماثلة"، التي تجعل من المستحيل على الطرف الأقوى تقنياً أن يمارس سيطرته الكاملة.

    وهنا يُعتمد مبدأ "الاستنزاف متعدد المستويات"، القائم على عمليات متكررة ومحدودة في آن، وتوزيع الضغط جغرافياً وفق عقيدة "وحدة الساحات"، مع استخدام أدوات عسكرية متواضعة الكلفة في نسق إغراقي، في مواجهة أنظمة أمريكية تفوقها ثمناً بعشرات المرات.

    وهكذا تتحول كل ضربة، في سياقها التراكمي، إلى جزء من عملية جراحية أطول أمداً، هدفها الأسمى ليس إحداث الخراب المباشر فحسب، وإنما رفع فاتورة الوجود الأمريكي إلى مستوى لا تحتمله الحسابات الأمريكية نفسها.

     

    كيف يستنزف الإغراق الرخيص الدرع الباهظ؟

    وهنا تتجلى إحدى أهم أوراق القوة في اللعبة الإيرانية؛ فإطلاق طائرة مسيّرة أو صاروخ متواضع التقنية لا يفرض على الأمريكيين مجرد اعتراضه، لكنه يجرهم إلى سلسلة من الالتزامات المكلفة: تشغيل منظومات دفاع جوي وصاروخي تفوق كلفتها المستهدف بمئات الملايين، وتأمين القواعد، وتعزيز التحصينات، وإعادة توزيع القوات، وتغيير مسارات الإمداد والحركة، وفوق كل ذلك إعادة هندسة التموضع العسكري برمته.

    ومع تكرار هذه العملية وفق إيقاع محكوم، تبدأ القاعدة العسكرية بفقدان وظيفتها الأصلية؛ إذ يصير الموقع الذي يفترض أن يكون منصة للقفز نحو العمليات والنفوذ، مجرد منشأة تحتاج إلى حماية مستمرة، وقوة تمركزت فيه لتتحول إلى طابور خامس يعاني من الهلع والخوف والتشتت وإعادة الانتشار الدائم.

    وتكشف الساحات العراقية والخليجية عن وجه آخر من هذه المعادلة المركبة، فالهجمات المتكررة على المواقع والقواعد الأمريكية في المنطقة، أسهمت في تقليص حرية حركة القوات الأمريكية ودفعها نحو الانتشار الأصغر والأكثر تشتتاً، حتى إن بعضها اضطر إلى الانتقال من ثكناته العسكرية إلى فنادق ومكاتب محلية في الإمارات ومنشآت مدنية في الكويت والبحرين، بعدما أصبحت تلك المنشآت العسكرية "غير صالحة للسكن" كما وُصف بعضها، وذلك بسبب تحولها إلى أهداف دائمة في مرمى الهجمات.

    وهذا هو جوهر ما تريده استراتيجية الاستنزاف: إجبار القوة الأعظم على إنفاق المزيد من الموارد، ليس من أجل توسيع نفوذها، وإنما من أجل الحفاظ على وجود أقل فاعلية، يكاد يفتقد إلى أبسط مقومات الطمأنينة التشغيلية.

     

    الصدى الداخلي في واشنطن... حين ينقلب السؤال على السائل

    لكن التحول الأخطر لا يتعلق بحجم الأضرار العسكرية المباشرة وحده، وإنما بذلك الصدى الذي بدأ يتردد في دهاليز الخطاب الأمريكي نفسه.

    فحين يصبح السؤال الداخلي في واشنطن ليس "كيف نوسع وجودنا ونعزز نفوذنا؟" بل "هل يستحق هذا الوجود الباهظ كلفته؟"، تكون الحرب بالنقاط قد بدأت بتحقيق أحد أهم أهدافها الاستراتيجية.

    فالرأي العام الأمريكي وصناع القرار هناك يواجهون اليوم ضغوطاً متزايدة بشأن جدوى إبقاء القوات في الخليج والأردن وسوريا، في ظل الخسائر البشرية التي لا تتوقف، والتكاليف المالية الفلكية التي تنهش ميزانية البنتاغون.

    والأكثر دلالة أن أصواتاً أمريكية نافذة، كصوت إليوت أبرامز، باتت تصف البنية التحتية العسكرية الحالية بأنها "متخلفة عن العصر وتعرض القوات للخطر"، معترفة بأن نقل القوات إلى مواقع أبعد لا يوفر حماية كاملة، مستشهدة بالخسائر التي وقعت في الأردن خير دليل على فشل هذا المبدأ.

     

    جوهر الرهان... النصر بالتراكم لا بالإجهاز

    وهذه النقطة بالذات تفصح عن لبّ العبقرية الإيرانية في هذه المرحلة؛ فالاستراتيجية الإيرانية لا تحتاج إلى إخلاء كل قاعدة أمريكية بالقوة العسكرية المباشرة، إذ يكفيها أن تجعل واشنطن أمام معادلة لا تستطيع حلها بأي ثمن معقول: إن أبقت قواتها في القواعد الحالية، بقيت عرضة للهجمات المتنقلة؛ وإن حصّنت هذه القواعد، ارتفعت التكلفة إلى عنان السماء؛ وإن نقلت قواتها إلى مواقع أكثر بعداً، تراجعت القيمة العملياتية للانتشار وفقدت السيطرة على الجغرافيا الحيوية؛ وإن وزعتها على مواقع صغيرة، أصبحت أكثر تشتتاً وأقل قدرة على تنفيذ عمليات واسعة.

    وهكذا تتحول الخيارات الأمريكية كلها إلى سلسلة من البدائل المكلفة، لا ينفع معها إلا خيار الرحيل.

    وفي سياق كهذا، يكتسب سؤال ترامب: "ماذا نجني من هذا؟"، وهو يتساءل بدهائه عن جدوى مئات القواعد الأمريكية حول العالم، دلالة تتجاوز حدود التصريح العابر، لتصبح السؤال الملح الذي تفرضه طهران ليس على الإدارة الحالية فحسب، وإنما على المؤسسة السياسية والعسكرية الأمريكية بأسرها: ماذا تحصل أمريكا مقابل هذا الانتشار المكلف، إذا كانت قواعدها تتحول إلى أهداف مستمرة، وإذا كان الدفاع عنها يستنزف المليارات، وإذا كانت استضافتها تحوّل الدول المضيفة نفسها إلى غنائم سهلة للاستهداف؟

     

    هل خرجت السعودية من مظلة الدفاع الأمريكية؟

    غير أن قراءة المشهد لا تكتمل إذا اقتصرنا على البعد العسكري المباشر؛ فهناك استنزاف موازٍ يحدث على مستوى الهندسة السياسية للمنطقة، ولعل اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان خير شاهد عليه.

    فبينما تراهن إيران على رفع كلفة القواعد الأمريكية بالصواريخ والمسيّرات، تراهن الرياض على خفض القيمة الاستراتيجية لتلك القواعد عبر خلق مظلة أمنية إقليمية بديلة.

    والسؤال الملح هنا: هل يعني هذا الاتفاق خروج السعودية من المظلة الأمريكية؟ الإجابة، بمنطق المحلل البارد، هي لا إذا نظرنا إلى المدى المنظور، ولكنها نعم بامتياز إذا نظرنا إلى مسار تفكيك الاحتكار.

    فالمملكة لا تحرق اليوم سفينتها مع واشنطن، لكنها، ولأول مرة، تبني لنفسها قوارب نجاة إقليمية تجعل القاعدة الأمريكية في الخليج مجرد خيار، لا قدراً محتوماً.

    فهذا الاتفاق، في جوهره، يحول المعادلة من "الاعتماد المطلق" إلى "التنويع الدفاعي"؛ فوجود القوة النووية الباكستانية والصناعة الدفاعية التركية إلى جانب الثقل المالي السعودي، يمنح الرياض ورقة ضغط في وجه الابتزاز الأمريكي الذي طالما استخدم الملف الأمني لإجبارها على تسويات سياسية لا تريدها.

    وبالتالي، فإن ما تخسره أمريكا هنا لا يقتصر على قواعدها العسكرية فقط، فهي ستخسر  "عصاها السحرية" في المنطقة؛ فعندما يمتلك الحليف البدائل، تتحول القاعدة الأمريكية من منصة للنفوذ إلى مجرد عبء لوجستي لا يبرر بقاءه، وهذا بالضبط ما تتقاطع معه الاستراتيجية الإيرانية في أعلى نقطة من الاشتباك غير المباشر.

    فإيران تستنزف القواعد من الخارج، بينما يبدأ الحلفاء بتقليص أهميتها من الداخل، وكلا المسارين يصبان في النهاية في وعاء الإجابة الأمريكية المحرجة: لماذا ندفع ثمن وجود لا نكسب منه نفوذاً ولا ولاءً؟

    في النهاية؛ فإن جوهر الرهان الإيراني إذاً هو إخراج الولايات المتحدة من غرب آسيا من بوابة تغيير حسابات الكلفة والمنفعة لديها.

    فإذا صارت القاعدة مكلفة أكثر مما هي مفيدة، وإذا صارت حماية الجندي الأمريكي معضلة مستعصية، وإذا تراجعت القدرة على استخدام المنشأة عسكرياً إلى حد العقم، وإذا تحولت الدولة المضيفة من حليف إلى عبء سياسي وأمني ثقيل، فإن استمرار الوجود يصير موضع شك حتى داخل أروقة البيت الأبيض والبنتاغون.

    وما تراهن عليه طهران وحلفاؤها في جبهة المقاومة ليس إذاً صاروخاً واحداً، ولا طائرة مسيرة هنا أو هناك، إنما هو التراكم الذي لا يقهر؛ ضربة اليوم في كردستان، وضربة الغد في السعودية أو الكويت أو الإمارات، تضاف إلى ضربة الأمس في الأردن والبحرين، وتضاف الخسائر البشرية إلى فاتورة الحماية، ويعاد الانتشار ويتضاءل هامش الحركة، حتى تصل اللحظة التي يختلف فيها السؤال الأمريكي جذرياً من "كيف نحافظ على قواعدنا؟" إلى السؤال الأكثر إيلاماً وجوهرية: "لماذا نبقيها أصلاً؟".

     

    مشاهدة لماذا تراهن إيران على حرب النقاط لإخراج أمريكا من غرب آسيا

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ لماذا تراهن إيران على حرب النقاط لإخراج أمريكا من غرب آسيا قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على 26 سبتمبر نت ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، لماذا تراهن إيران على حرب النقاط لإخراج أمريكا من غرب آسيا؟.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار محلية


    اخر الاخبار
    قبل 4 دقيقة