إسرائيل تغتال بنبركة في الرباط! ...المغرب

صوت المغرب - اخبار عربية

لا تفاضل بين الأرواح، واغتيال شخص واحد، مهما كانت قيمته ورمزيته، لا يمكن أن يكون أفظع من إبادة الآلاف ممن لا أسماء شهرة لهم. لكنني عندما تلقيت أول أمس الأربعاء 12 غشت 2026 رسالة من صديق يقول لي إن صديقا له شاهد ما يشبه إجراءات افتتاح المقر الجديد لمكتب الاتصال الإسرائيلي، كان أول ما وخز ضميري وصعق ذاكرتي هو المكان الذي دلّني عليه هذا الصديق.

الشارع يحمل اسم المهدي بنبركة. الرجل الذي مضى أكثر من ستين عاما على اختفائه، واغتياله شبه المؤكد، دون أن تكفّ الأصابع عن الإشارة إلى الموساد الإسرائيلي باعتباره واحدا من أهم الفاعلين في الجريمة، إلى جانب أجهزة وشخصيات مغربية وفرنسية.

    قلت في نفسي: أليس في الرباط غير هذا الشارع؟ واستعادت ذاكرتي فجأة تفاصيل كثيرة جمعتها منذ كنت في بدايات تشكيل وعيي، بين مرحلتي التعليم الثانوي والجامعي، حين شدّتني قضية بنبركة بشدة، وكنت نهما في قراءة كل ما يصل إلى يدي عنها.

    في مقدمة ذلك يوجد كتاب لا أذكر عدد المرات التي قرأته وأعدت قراءته فيها، للصحافي الراحل مصطفى العلوي، الذي غطى فصول المحاكمة التي جرت في فرنسا عقب اختطاف المهدي، ومثُل أمامها الجنرال المغربي أحمد الدليمي.

    وكلما صدر لاحقا كتاب فرنسي أو إسرائيلي، أو خرجت وثائق جديدة من الأرشيف، وجدت أن الراحل مصطفى العلوي كان قد اقترب، منذ وقت مبكر جدا، من أجزاء كثيرة مما أصبح يقدم اليوم باعتباره كشفا جديدا.

    وحدث أن قادتني التجربة المهنية، بعد سنوات، إلى الظفر بمجالسة الراحل مصطفى العلوي شهورا لكتابة مذكراته، بعدما تطورت تجربتنا الأولى التي كانت عبارة عن حوار صحافي.

    وكان من بين الملفات التي ناقشناها وقلّبنا وثائقها مطولا، قضية المهدي بنبركة، والمحاكمة الفرنسية التي شارك مصطفى العلوي في تغطيتها.

    ثم تطورت تلك التجربة إلى شراكة تكاد تشبه الاندماج بين جريدة «أخبار اليوم» التي كنت أعمل فيها وصحيفة «الأسبوع الصحافي» التي كان الراحل يدير نشرها، وأصبحت أتولى إنتاج القسم الأساسي من محتوى أعداد الأسبوعية، بما فيه ملف الغلاف.

    ومن بين ما نشرناه في تلك المرحلة السابقة للربيع العربي، أن موقعا قريبا من المكان الذي وقع عليه الاختيار لبناء المقر الحالي للسفارة الأمريكية بالرباط يرتبط بشبهات قديمة حول “النقطة الثابتة 3” (PF3)، أحد مواقع الاعتقال السري خلال سنوات الرصاص، والذي طالب حقوقيون ومحققون بالبحث فيه عن رفات بعض المختفين، ومن بينهم ما تبقى من جثمان المهدي بنبركة.

    وفي 26 فبراير 2012، سمح لي نشاطي المهني بأن أحضر لحظة إعطاء وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، إلى جانب وزير الخارجية المغربي آنذاك سعد الدين العثماني، انطلاقة أشغال بناء السفارة الأمريكية الجديدة بالرباط.

    صافحت كلينتون يومها، وأنا أتمنى لو كان الوقت والمجال يسمحان بسؤالها: هل بلغكم أن المنطقة التي ستشرعون في نبش ترابها اليوم تجاور مكانا تلاحقه منذ عقود أقاويل وشبهات مرتبطة بأشد ملفات الاختفاء السياسي غموضا في تاريخ المغرب؟

    مرت السنوات. وظل بنبركة بلا قبر. وها أنا، في غشت 2026، أجد اسمه أمامي، لكن هذه المرة على لوحة شارع يحتضن المقر الجديد لمكتب الاتصال الإسرائيلي.

    استرجعت كل هذه التفاصيل بكثير من الوخز والغضب، وهو بالضبط ما جعلني، كعادتي حين يختلط الخبر بما هو شخصي، أمتنع عن الكتابة والنشر فورا، حتى أفصل بين ذكرياتي ومشاعري وبين ما ينبغي تقديمه للقارئ بكل موضوعية وتجرد.

    أمضينا يومين في التحقق. ذهبنا إلى المكان. راقبناه. وتأكدنا في النهاية من أن الفيلا التي وصفها لي صديقي في شارع المهدي بنبركة هي فعلا المقر الجديد لمكتب الاتصال الإسرائيلي.

    وفوق المبنى الداخلي كان هناك العلم الإسرائيلي. لكن بطريقة غريبة. العلم شبه محتجب من الخارج، معلق على ارتفاع شديد الانخفاض، في وضع يحاكي الأعلام المنكسة في حالات الحداد، فيما تنتشر كاميرات المراقبة فوق البناية، وتحيط بالمكان ترتيبات أمنية ثقيلة، بسيارات للقوات العمومية وعناصر بالزي الرسمي وأخرى بالزي المدني. والمفارقة أن كل ذلك يجري في شارع المهدي بنبركة.

    لا أعتقد أن موظفا في وزارة الخارجية الإسرائيلية جلس فوق خريطة الرباط وقرر الانتقام من رجل قُتل قبل ستين سنة باختيار الشارع الذي يحمل اسمه مقرا لبعثة بلاده. ولا أملك أي معطى يسمح لي بالقول إن اختيار المكان تم أصلا بوعي بهذه الرمزية. لكن بعض المصادفات تكون أثقل من النوايا.

    كتبت قبل أقل من عام، في الذكرى الستين لاختطاف بنبركة، أنني أحمل خلاصة شخصية اشتغلت عليها نحو ربع قرن: الموساد لم يكن في هذه القضية مجرد “طرف مساعد” أو “وظيفي”، بل كان فاعلا حاسما من زاوية المصلحة السياسية والأمنية، ومن زاوية التحكم في جوانب من العملية وأدواتها ولوجستياتها.

    لمن لا يعرف جذور القصة من الأجيال الجديدة، أقول إن بنبركة لم يكن معارضا مغربيا عاديا، بل كان واحدا من أبرز وجوه حركة التحرر في العالم الثالث، وكان يستعد للإشراف على مؤتمر القارات الثلاث في هافانا، ويملك من العلاقات والقدرة التنظيمية والطموح السياسي ما جعله هدفا لأكثر من جهاز وأكثر من دولة.

    ومنذ 1966، نشر الصحافيان الإسرائيليان ماكسيم غيلان وصمويل مور معلومات عن تدخل إسرائيلي في قضية بنبركة، فصودرت الجريدة واعتقلا وحوكما سرا. وكان اسم مدير الموساد مائير عميت من بين الأسماء التي طالبت أسرة بنبركة لاحقا بالتحقيق معها.

    أما تفاصيل الخديعة نفسها، فقد ظل الراحل مصطفى العلوي يحدثني عنها كما لو أنها جرت أمس. كان “الطعم” هو فيلم “باسطا”، وموعد أمام مقهى “ليب” الباريسي، وضباط شرطة فرنسيون، ورجال مخابرات، وعصابة من المجرمين، ومعارض مغربي يأتي للمشاركة في نقاش حول فيلم عن حركات التحرر، فيختفي إلى الأبد.

    كل شيء في هذه القصة يشبه السينما، باستثناء أن الجثة حقيقية و لم تظهر في نهاية الفيلم.

    ستون عاما مرت، ولم يقل لنا أحد أين المهدي. لا فرنسا، ولا المغرب، ولا إسرائيل.

    لهذا آلمتني صورة ذلك العلم. ليس فقط لأنه علم إسرائيل، فأنا لا أحتاج إلى بنبركة كي أملك ما يكفي من أسباب الغضب من دولة تقتل الأبرياء وتحاصرهم وتهدم مدنهم، ولا تحتاج غزة إلى استدعاء جريمة عمرها ستة عقود كي تعطينا دروسا يومية في طبيعة هذه الدولة وأجهزتها.

    لكن لشارع المهدي بنبركة حسابا آخر. حساب مغربي، وحساب ذاكرة لم تغلق، وحساب رجل لم تسلم أسرته حتى اليوم رفاتا تدفنه.

    مكتب الاتصال الإسرائيلي في شارع المهدي بنبركة. أي قدر من العبث يحتاجه التاريخ حتى يكتب مثل هذه الجملة؟

    لا شيء في القانون يمنع ذلك. وربما لم ينتبه أحد إلى الاسم، وربما انتبهوا لكنهم لم يجدوا فيه مشكلة. وهذه، في حقيقة الأمر، هي المشكلة. لأن الدول لا تبني ذاكرتها بالقوانين وحدها. بل هناك أشياء لا تحتاج إلى قرار رسمي حتى تصبح من المحرمات الأخلاقية.

    قد يقول قال إن هذا الشارع الذي كان يحمل اسم “بني يزناسن” حمل اسم المهدي بنبركة عام 1995 بعدما كان قد استقر فيه عام 1994 مكتب الاتصال الإسرائيلي في نسخته السابقة. لكن هذا الإصرار على ربط القتيل بقاتله مؤلم للذاكرة الجمعية.

    كأن التاريخ أراد أن يختصر لنا ستين عاما في مشهد واحد. في 1965 ساعد جهاز إسرائيلي من كانوا يريدون إسكات بنبركة. وفي 2026، لم يعد الرجل موجودا حتى يحتج. لا جسد له. ولا قبر. الاسم وحده بقي. فوجد مكتب إسرائيل مكانا تحته.

    أتصوّر مراسلات مكتب الاتصال الإسرائيلي في المغرب، وفي عنوانه مكتوب: شارع المهدي بنبركة!

    قد تكون إسرائيل قد شاركت في اغتيال بنبركة، جسديا، مرة واحدة في باريس منتصف الستينيات، لكنها اليوم تغتاله رمزيا كل يوم، وكل ساعة وكل دقيقة… في الرباط.

    إسرائيل تغتال بنبركة في الرباط! صوت المغرب.

    مشاهدة إسرائيل تغتال بنبركة في الرباط

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ إسرائيل تغتال بنبركة في الرباط قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، إسرائيل تغتال بنبركة في الرباط!.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار