ترك برس
في جنوب غربي تركيا، حيث تتداخل الطبيعة الهادئة مع آثار الحضارات التي تعاقبت على الأناضول، تبدو مدينة أفروديسياس القديمة وكأنها صفحة مفتوحة من تاريخ الفن الإنساني. وبين أعمدتها الرخامية وبقايا معابدها ومسارحها، ازدهرت منذ قرون مدرسة نحت تركت وراءها مجموعة استثنائية من الأعمال التي تكشف المستوى الرفيع الذي بلغه الفن في العالم القديم.
ويحتضن متحف أفروديسياس في ولاية أيدن مجموعة فريدة من هذه الكنوز، إذ يضم حصرا القطع التي عُثر عليها خلال أعمال التنقيب في المدينة القديمة، فيما تشكل المنحوتات الجزء الأكبر من مقتنياته. ويمنح المتحف زائره فرصة نادرة لمشاهدة الأعمال في سياقها الأثري، والتعرف على تطور فن النحت الذي اشتهرت به أفروديسياس على مدى قرون.
وافتتح المتحف عام 1979، ليكون مستودعا ومركزا لعرض المكتشفات التي أظهرتها الحفريات في الموقع. غير أن المتحف الأول كان صغيرا، ما دفع إلى تنفيذ مبنى إضافي خصص بصورة خاصة لعرض منحوتات "سيباستيون"، وهي من أبرز مجموعات الموقع الأثرية.
ويُشار إلى أن المتحف مغلق حاليا أمام الزوار منذ 11 يناير/كانون الثاني 2024 بسبب أعمال تدعيم، على أن تستمر فترة الإغلاق إلى حين الانتهاء من الأعمال.
متحف صُمم لحماية الآثار
لم يكن تصميم المبنى مجرد إنشاء قاعة تقليدية لعرض القطع الأثرية، وإنما روعي فيه الحفاظ على بقايا الموقع الموجود أسفله وعدم الإضرار بها أثناء عملية البناء.
وتوجد أسفل المبنى الإضافي بقايا جدران تعود إلى العصرين الروماني والبيزنطي، فيما صُمم الجزء الداخلي من المتحف باستخدام هيكل فولاذي قائم على ركائز، جرى توزيعها بطريقة تضمن عدم اصطدامها بأي من بقايا الجدران الأثرية أو الأشجار الموجودة في الموقع.
كما صُممت الدعامات الفولاذية بما يتلاءم مع منحوتات سيباستيون والأعمال المعروضة، إذ وضعت على مسافات تبلغ نحو 180 سنتيمترا، فيما تستند إلى جسور فولاذية تمتد لمسافات تتجاوز 5.40 أمتار.
وأتاح هذا التصميم إبقاء المبنى مرفوعا عن سطح الموقع، بما يسمح للزائر بالنظر إلى ما يوجد أسفل المتحف ومشاهدة البقايا الأثرية دون أن تتسبب المنشأة الحديثة في إخفائها أو الإضرار بها.
مدرسة نحت ازدهرت لقرون
تعود أهمية أفروديسياس الفنية إلى وجود مدرسة متخصصة في النحت ازدهرت في المدينة بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الخامس الميلادي، وأنتجت خلال هذه الفترة أعمالا عالية الجودة جعلت المدينة واحدة من أبرز مراكز فن النحت في العالم القديم.
وساعد الموقع الجغرافي للمدينة على ازدهار هذه الصناعة الفنية؛ إذ كانت كتل الرخام المستخدمة في صناعة المنحوتات تستخرج من محاجر تقع على بعد نحو كيلومتر واحد شمال أفروديسياس، الأمر الذي وفر للنحاتين مادة خام وفيرة وقريبة من ورشهم.
ومع مرور الوقت، اكتسبت المدرسة شهرة واسعة بفضل مهارة فنانيها، وأصبحت منحوتاتها من أهم الشواهد على تطور تقنيات النحت في العصرين اليوناني والروماني.
ولهذا السبب، يعد متحف أفروديسياس من المتاحف الاستثنائية في غرب الأناضول، إذ لا يكتفي بعرض قطع فنية منفصلة، وإنما يقدم مجموعة واسعة من الآثار التي عُثر عليها خلال الحفريات، بما يسمح للزائر بفهم الأعمال ضمن البيئة التاريخية التي ظهرت فيها.
رحلة بين تماثيل الأباطرة والفلاسفة
منذ دخول المتحف، تبدأ رحلة الزائر بين مجموعة متنوعة من الأعمال الفنية والآثار التي تكشف عن مكانة أفروديسياس في العالم القديم.
وفي إحدى واجهات العرض، تظهر منحوتات نصفية دائرية تعرف باسم "توندو"، تمثل شخصيات من الفلاسفة ورجال الدولة المعروفين في العصور القديمة.
وتقود الجولة بعد ذلك إلى قاعة تضم تماثيل الأباطرة، وتماثيل شخصية، ونصفية، إضافة إلى تابوت حجري مميز تزينه أشكال تمثل الفصول الأربعة، بما يعكس تنوع الموضوعات التي تناولها الفنانون في أفروديسياس.
أما النقوش البارزة المعروضة في أحد الممرات، فتعود إلى النصب الجنائزي لزويلوس، الذي ارتبط بتاريخ المدينة بوصفه مؤسسها الثاني، وتعود أعماله إلى الفترة التي تعرف باسم العصر الكلاسيكي الثاني في عهد الإمبراطور أوغسطس.
قاعة ميلبوميني.. حيث يلتقي الفن بالأسطورة
تحمل إحدى قاعات المتحف اسم "ميلبوميني"، إلهة المأساة في الميثولوجيا اليونانية، وتضم تماثيل لرجال دولة يرتدون ملابس رسمية، إلى جانب تماثيل للإلهة ميلبوميني والإله أبولو.
وتعكس هذه الأعمال الصلة الوثيقة بين الفن والنظام السياسي والديني في المجتمعات القديمة، حيث لم تكن المنحوتات مجرد أعمال جمالية، وإنما وسيلة للتعبير عن السلطة والمعتقدات والشخصيات المهمة في المجتمع.
قاعة الأوديون.. من الملاكمين إلى مراحل صناعة التمثال
ومن أبرز أقسام المتحف أيضا قاعة "الأوديون"، التي تضم تماثيل للملاكمين وفنانين جالسين، إلى جانب مجموعة من الأعمال التي توضح مراحل صناعة التمثال.
وفي إحدى زوايا القاعة، تعرض منحوتات غير مكتملة، وهي من أكثر المجموعات أهمية لفهم تقنيات النحت القديمة، لأنها لا تقدم النتيجة النهائية للعمل الفني فحسب، بل تكشف مراحل العمل التي كان يمر بها النحات قبل اكتمال التمثال.
وتكتسب هذه المجموعة أهمية عالمية، لأنها تساعد الباحثين والزوار على فهم أساليب النحت وأدواته ومراحله المختلفة، بدءا من التعامل مع كتلة الرخام وصولا إلى تشكيل التفاصيل الدقيقة للعمل.
كما تعرض في أجزاء أخرى من المتحف مواد أثرية تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، عثر عليها في أفروديسياس ومحيطها، إلى جانب مجموعة من العملات التي تقدم معلومات إضافية عن تاريخ المدينة وتطورها الاقتصادي والسياسي.
أخيل وبنتيسيليا.. أسطورة تروي قصة مأساوية
ومن بين القاعات التي تلفت الانتباه قاعة تحمل اسم تمثال "أخيل وبنتيسيليا"، المستوحى من قصة مأساوية مرتبطة بحرب طروادة.
وتضم القاعة إلى جانب هذا العمل تماثيل أخرى، بينها "ديسكوفوروس"، وتمثال للشاب هرقل، وأعمال تصور ساتيرا يحمل الإله ديونيسوس.
وتكشف هذه المجموعة عن حضور الأساطير اليونانية بقوة في أعمال فناني أفروديسياس، كما تظهر قدرتهم على تحويل القصص الأسطورية إلى مشاهد نحتية تجمع بين الحركة والتعبير الجسدي والتفاصيل الدقيقة.
أفروديت.. قلب المتحف
وفي إحدى أبرز قاعات المتحف، ينتصب تمثال أفروديت، الإلهة التي حملت المدينة اسمها واحتلت مكانة مركزية في معتقداتها الدينية.
ويحتل التمثال، الذي يمثل أفروديت في صورتها التعبدية، موقعا محوريا داخل القاعة، بينما تعرض خلفه منحوتة ديونيسوس، كبير كهنة معبد أفروديت، وإلى يمينه تمثال زوجته كلوديا أنطونيا تاتيانا.
كما تعرض إلى اليسار تماثيل لكهنة عاشوا في عهد الإمبراطور قسطنطين، بينما يظهر في الجهة الأخرى تمثال ضخم يمثل "ديموس"، أي الشعب أو سكان المدينة.
ويكشف ترتيب هذه الأعمال وتنوعها عن العلاقة الوثيقة التي كانت تجمع بين الدين والمجتمع والسلطة في أفروديسياس، كما يقدم صورة عن الشخصيات التي كانت تتمتع بمكانة بارزة في المدينة.
ذاكرة أفروديسياس محفوظة في الرخام
لا تكمن أهمية متحف أفروديسياس في عدد القطع التي يضمها فحسب، وإنما في طبيعة المجموعة التي يقدمها للزائر. فجميع المعروضات تقريبا مرتبطة مباشرة بالموقع الأثري نفسه، ما يجعل المتحف امتدادا طبيعيا للمدينة القديمة وليس مجرد مبنى منفصل عنها.
وتكشف المنحوتات والنقوش والتماثيل والعملات واللقى الأثرية عن مدينة كانت مركزا مهما للفن والدين والسياسة والثقافة في الأناضول خلال العصور القديمة، فيما تمثل مدرسة النحت التي ازدهرت فيها أحد أبرز وجوه هذا الإرث.
ومن خلال الأعمال التي بقيت محفوظة حتى اليوم، يمكن تصور المكانة التي بلغتها أفروديسياس بين مراكز النحت في العالم القديم، وفهم كيف تمكن فنانوها من تحويل الرخام المستخرج من المحاجر القريبة إلى أعمال فنية بقيت شاهدة على براعتهم بعد مرور نحو ألفي عام.
وهكذا، يمثل متحف أفروديسياس جزءا أساسيا من الذاكرة الحضارية لمدينة أيدن وللأناضول عموما، إذ يجمع بين الفن والتاريخ وعلم الآثار في مكان واحد، ويقدم للزائر نافذة على مدينة ازدهرت فيها مدرسة فنية استثنائية، ولا تزال أعمالها حتى اليوم تروي قصة حضارة جعلت من الرخام لغة للتعبير عن الإنسان والآلهة والسلطة والجمال.
مشاهدة أفروديسياس رحلة بين تماثيل الأباطرة والفلاسفة في قلب الأناضول
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أفروديسياس رحلة بين تماثيل الأباطرة والفلاسفة في قلب الأناضول قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، أفروديسياس.. رحلة بين تماثيل الأباطرة والفلاسفة في قلب الأناضول.
في الموقع ايضا :
- بث مباشر.. شاهد مباراة الجزائر والمغرب في كأس أمم أفريقيا للسيدات
- شاهد الآن البث المباشر لمباراة مانشستر يونايتد الإنجليزي وميلان الإيطالي الودية
- بث مباشر.. شاهد أول ظهور لمحمد صلاح في مباراة طرابزون سبور وقاسم باشا في الدوري التركي
