المسار | مقالات الرأي
نورا الهاشمي
عاهدت نفسي أني أعامل الناس كما أستحق أن يعاملوني. وكوني كاتبة ومفكرة وباحثة، فأنا أطلب ما يطلبه كل الكتاب في العالم؛ أن تخترق كلماتي وأفكاري العالم، وأن تصل إلى أكبر عدد ممكن من الناس، وأن تجد طريقها إلى الذاكرة الإنسانية، لذلك عاهدت نفسي أيضاً أنه إذا وجدت كاتباً عظيماً، ذا سيرة مدهشة وأفكار استثنائية، أن أنشره للعالم كما أطمح أن ينشر الناس أفكاري العظيمة ويخلدوها. وما إن وقعت عيني على اقتراح أحد المتابعين لصاحب تغريدة يطلب فيها كتاباً يغير حياته ليقرأه، حتى اقترح أحد القراء رواية «دميان» لهيرمان هسه. والحقيقة أنني لم أكن أعرف هيرمان هسه معرفة حقيقية، ولم أقرأ له من قبل، بل لم أكن قد سمعت به كما ينبغي. بحثت عنه في جوجل، فخرجت لي روايته «السيد هارتا»، فحمّلتها معي إلكترونياً وشرعت في قراءتها بترجمة فؤاد كامل. لكن ما اكتشفته وأنا أقرأ لم يكن الرواية وحدها، بل كانت السيرة الذاتية لهيرمان هسه التي أدرجها المترجم فؤاد كامل. وهنا حدث شيء أشبه بالصدمة الفكرية؛ فما إن بدأت أقرأ تفاصيل حياته حتى صعد الأدرينالين فوراً إلى أعلى درجة في جمجمتي، ووجدتني أقول لنفسي: كيف لم أعرف هذا الكاتب من قبل؟
في تلك اللحظة عاهدت نفسي أن يعرف كل العالم، والعمانيون بالأخص، بهذا الكاتب الألماني العبقري الذي كسر أوروبا بأفكار رواياته التمردية، والمستنهضة للبحث عن الحقيقة والذات والمعنى. وما إن أنهيت الرواية حتى فتحت بثاً في تيك توك لأخبر أصدقائي عن هيرمان هسه، وأطرح عليهم الأسئلة العميقة التي عصفت بذهني عندما قرأت سيرته، وجعلتني هذه الأسئلة أكتب هذا المقال فور انتهائي من البث مباشرة.
هيرمان هسه، الكاتب الألماني العبقري الذي حاز جائزة نوبل للأدب سنة 1946، وارتبط اسمه بأعمال أدبية عظيمة مثل «دميان» و«سدهارتا» و«ذئب البراري» و«لعبة الكريات الزجاجية»، لم يكن مجرد كاتب نجح في كتابة روايات حققت الشهرة والانتشار، وإنما كان نموذجاً لإنسان اختار أن يتمرد على كثير من القواعد التي أراد المجتمع أن يضعه داخلها.
ترك المدرسة والدير، وابتعد عن وسائل التعليم التقليدية، وعكف على القراءة والدراسة الحرة بنفسه وذاته، بل وصل به الأمر، في شبابه، إلى التمرد على القوانين المدرسية والأنظمة التقليدية، حتى هدد والده بالانتحار إن هو أُجبر على الالتحاق بالمدرسة رغماً عن إرادته. لم يدرس بالطريقة التقليدية، ولم يكمل تعليمه كما كان متوقعاً منه، لكن رواياته العظيمة لم تحقق له النجاح فقط، بل خلدت اسمه في قائمة رواد الأدب الألماني والعالمي الذين أثروا في الجمهور وتركوا أثراً يتجاوز زمانهم.
لقد تمرد على أشياء كثيرة، لكنه لم يترك القراءة، ولم يتمرد على المعرفة، وإنما اختار طريقته الخاصة في الوصول إليها. وكانت أولى رواياته التي صدرت سنة 1904، «بيتر كامنتسند»، قد صادفت نجاحاً ملحوظاً، وكان موضوعها يدور حول تمرد الأبناء على الآباء، وهي الفكرة التي تبدو وكأنها امتداد مبكر لذلك الصراع الذي عاشه هسه نفسه مع السلطة والتقاليد والنظم التي أرادت أن تحدد له طريقه.
ورغم أنه مر بأزمة وصراعات نفسية أدخلته مستشفى الأمراض العقلية، إلا أن إبداعاته لم تتوقف. جاءت بعد ذلك روايته العظيمة «دميان» التي ذاعت صيتها في العالم كله، وكانت تحمل في داخلها عذابات تلك الفترة وقلقها وأسئلتها الوجودية، وتحولت إلى عمل أدبي أثّر في أجيال كاملة من القراء، وهو ما يجعلنا نتوقف مرة أخرى أمام تلك النظرية التي كثيراً ما تحدث عنها الناس: الإبداع يولد من رحم المعاناة.
لكن ما دفعني حقاً إلى كتابة هذا المقال هو أن هيرمان هسه ليس عبقرياً فحسب، ألف روايات حققت شهرة ونجاحاً، وإنما كان شجاعاً أيضاً؛ شجاعاً في كسر قواعد التعليم المدرسي التقليدي، وشجاعاً في أن يثبت أن الإنسان قد يمتلك عقلاً استثنائياً، حتى لو لم يحمل الشهادة التي يتوقعها المجتمع منه.
وهنا بدأت أسأل نفسي: لماذا لا نرى عبقرياً واحداً من عباقرة عمان ودول الخليج كسر ما كسره هيرمان هسه؟ لماذا لا نرى شخصاً يتمرد على كل القواعد التي وضعها النظام التقليدي، بل والرأسمالي البائد الذي لا يعترف إلا بالشهادة والتخصص، ولا يثبت العبقرية إلا لأصحاب الألقاب والشهادات؟
متى سيظهر عبقري يحطم صنم الشهادات، لا بمعنى إلغاء التعليم أو التقليل من قيمة العلم، وإنما بمعنى أن يثبت أن الشهادة ليست الشرط الوحيد للاعتراف بالعقل المبدع؟ متى سيظهر ذلك الإنسان الذي يشق طريقه المجيد نحو العالمية، دون أن يحتاج إلى شهادة تعترف له بأنه عالم أو أديب، كما فعل هيرمان هسه؟
هيرمان هسه لم يخلده التاريخ لأنه كان يحمل مجموعة من الشهادات والألقاب، وإنما خلدته أعماله وأفكاره وأسئلته وشجاعته في البحث عن طريقه الخاص. لم ينتظر مؤسسة تمنحه الإذن ليكون كاتباً، ولم ينتظر شهادة تقول له إنه مثقف، بل قرأ ودرس وكتب وتمرد، ثم ترك إنجازه يتحدث عنه.
ربما يكون بيننا اليوم شخص يمتلك فكرة عظيمة، وموهبة استثنائية، وعقلاً قادراً على أن يضيف شيئاً للعالم، لكنه يخشى أن يخرج عن الصف، ويخشى أن يُسأل عن شهادته قبل أن يُسأل عن فكرته، فيختار الصمت والسلامة، ويمضي عمره منتظراً اعتراف مؤسسة به.
ولهذا فإن السؤال الذي أتركه لكم ليس سؤالاً عن الشهادات بقدر ما هو سؤال عن الشجاعة.
متى سيظهر عبقري عماني يحطم صنم الشهادات، ويشق طريقه المجيد نحو العالمية، ويجبر العالم على الاعتراف به من خلال ما ينتجه، لا من خلال الورقة التي يحملها؟
أم أن الجبن مختوم في نواصي عباقرتنا؟!
مشاهدة نورا الهاشمي تكتب هل عباقرتنا جبناء
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ نورا الهاشمي تكتب هل عباقرتنا جبناء قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صحيفة المسار العُمانية ( عمان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، نورا الهاشمي تكتب: هل عباقرتنا جبناء؟.
في الموقع ايضا :
- تصعيد خطير في مأرب: صواريخ ومسيرات حوثية وضحايا وسط تهديدات مباشرة للسكان
- القاضية القرافي تطرح جملة من التساؤلات حول الإخلالات في غياب المجلس القضائي
- السيد البدوي يصدر 3 قرارات لتنظيم العمل بـ"الوفد".. إدريس رئيسا لمجلس التحرير
