تتجه فرنسا نحو الانتخابات الرئاسية المقررة سنة 2027 وسط نقاش متزايد بشأن مستقبل اليمين المتطرف، وموقع الهجرة في البرامج السياسية، وحدود التحولات القانونية الممكنة في حال وصول التجمع الوطني إلى السلطة، بالتزامن مع معادلة ديمغرافية واقتصادية تواجهها دول أوروبية عدة، عنوانها شيخوخة السكان والحاجة إلى العمالة الأجنبية مقابل تنامي التأييد لسياسات أكثر تشددا تجاه الهجرة.
وفي تحليل نشرته “لوموند ديبلوماتيك”، في عدد غشت، يرى الكاتبان بينوا بريفيل وبيير ريمبير أن جزءا من النقاش السياسي الفرنسي يتركز على احتمال حدوث تحول سلطوي كبير في حال فوز التجمع الوطني، بينما يطرحان احتمالا آخر يقوم على حدوث تغييرات قانونية تدريجية توسع الفوارق بين فئات السكان بحسب الجنسية والوضع القانوني، خصوصا عبر مفهوم “الأولوية الوطنية” الذي يحتل مكانة أساسية في برنامج الحزب.
ويستعيد التحليل مسارا سياسيا امتد سنوات، شهد انتقال قضايا الهجرة والأمن والهوية من هوامش النقاش إلى صدارة الحياة السياسية الفرنسية، ويربط ذلك بمحطات عدة، منها الهجمات التي شهدتها فرنسا خلال 2015 و2016، وأزمة اللاجئين القادمين من الشرق الأوسط، والنقاش الذي أثاره الرئيس السابق فرانسوا هولاند عندما اقترح تجريد مزدوجي الجنسية المولودين في فرنسا والمدانين في جرائم خطيرة تمس حياة الأمة من الجنسية الفرنسية.
ويرى الكاتبان أن التقدم الانتخابي المتواصل للتجمع الوطني خلال السنوات الأخيرة جعل احتمال وصول اليمين المتطرف إلى الحكم أحد العناصر الثابتة في الحسابات السياسية الفرنسية، بعدما كان هذا السيناريو ينظر إليه قبل عقدين باعتباره بعيدا عن التحقق.
تكشف الأرقام التي يستند إليها التحليل حجم التحول في الخريطة السياسية الفرنسية، إذ انتقلت لوائح الجبهة الوطنية، التي أصبحت لاحقا التجمع الوطني، من 11.3 في المائة من الأصوات ومن دون أي نائب في الانتخابات التشريعية لعام 2002، إلى أكثر من 33 في المائة و123 مقعدا في انتخابات 2024.
ولا تقتصر الظاهرة على فرنسا، إذ يشير المقال إلى تنامي حضور تيارات اليمين الراديكالي في دول أوروبية عدة، من إيطاليا وألمانيا إلى هولندا ودول شمال أوروبا، مع اختلاف التجارب الوطنية والبرامج الانتخابية لكل حزب، بينما أصبحت قضايا الهجرة والتغير الديمغرافي والهوية من أبرز الموضوعات التي تستثمر فيها هذه القوى سياسيا.
ويلفت التحليل إلى مفارقة تظهر في الرأي العام الفرنسي، فبينما تشير بعض الدراسات التي يستشهد بها إلى تراجع الاعتقاد بوجود تراتبية بيولوجية بين الأعراق ارتفعت في المقابل مشاعر القلق من الهجرة، والشعور بفقدان السيطرة على التحولات الديمغرافية والثقافية.
وفي مؤشر على حضور الملف في المزاج العام أورد المقال نتائج استطلاع نقلته صحيفة “لوفيغارو” في 28 ماي 2026 بطلب من قناة “CNews”، أفادت بأن 63 في المائة من المستجوبين يؤيدون تعليق الهجرة القانونية لمدة ثلاث سنوات، وهي نتيجة تعكس الوزن المتنامي للقضية في النقاش السياسي قبل الانتخابات المقبلة.
ولا ينظر الكاتبان إلى صعود قضايا الهجرة بمعزل عن التحولات السكانية التي تعرفها القارة، إذ يشيران إلى أن تراجع الخصوبة وارتفاع نسبة كبار السن يوفران بيئة مناسبة لخطابات القلق الديمغرافي، في وقت تواجه الاقتصادات الأوروبية تحديا مختلفا يتمثل في توفير عدد كاف من العاملين للحفاظ على نشاط قطاعات رئيسية.
وتضع هذه المعادلة الأحزاب التي تتبنى سياسات متشددة تجاه الهجرة أمام تحد عملي، فالوصول إلى السلطة يفرض عليها التوفيق بين الوعود الانتخابية المتعلقة بخفض أعداد الوافدين وبين احتياجات سوق العمل التي تدفع في اتجاه استقدام مزيد من العمال.
حاجة الاقتصاد إلى العمالة تعقّد سياسات الهجرة
يورد التحليل إيطاليا مثالا على هذا التناقض، إذ وقعت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، التي وصلت إلى الحكم بخطاب متشدد بشأن الهجرة، في 2025 مرسوما ثلاثيا ثانيا يسمح باستقدام 500 ألف عامل أجنبي لتغطية احتياجات قطاعات مثل الزراعة والبناء والسياحة؛ ويشير أيضا إلى ألمانيا، حيث أنشئت وكالة رقمية لاستقطاب العمال الأجانب المؤهلين تحت اسم “Work-and-Stay”، في سياق ضغوط تواجهها الشركات بسبب نقص اليد العاملة، وهو ما يوضح أن التشدد السياسي تجاه الهجرة لا يلغي الحاجة الاقتصادية إليها.
وفي فرنسا ينقل المقال عن باتريك مارتان، رئيس حركة الشركات الفرنسية “ميديف”، قوله في دجنبر 2023 إن الحاجة إلى الهجرة لا تأتي فقط من أرباب العمل، وإنما يفرضها الاقتصاد، وهي عبارة يلخص بها التحليل الفجوة بين النقاش السياسي وبين مطالب سوق العمل.
وتكتسب المسألة أهمية أكبر عند النظر إلى حركة الهجرة عالميا، إذ بلغ عدد المهاجرين الدوليين 304 ملايين شخص سنة 2024، مقابل 174 مليونا عام 2000، لترتفع نسبتهم من سكان العالم من 2.8 في المائة إلى 3.7 في المائة. وفي أوروبا وصل العدد إلى 94 مليونا مقابل 56 مليونا مطلع الألفية.
ويلفت الكاتبان إلى أن التطور التكنولوجي والأتمتة لا يقدمان في المدى القريب حلا لجميع احتياجات سوق العمل، مستشهدين بتصريح للمرشح الرئاسي السابق إريك زمور في يونيو 2026 تحدث فيه عن إحلال الروبوتات محل المهاجرين؛ فيما يرى التحليل أن وظائف كثيرة، وخصوصا تلك المرتبطة برعاية المسنين والأشخاص المحتاجين إلى المساعدة اليومية، يصعب تعويض اليد العاملة فيها سريعا بواسطة التكنولوجيا.
وهكذا تصبح الهجرة بالنسبة إلى أوروبا قضية ذات وجهين، الأول اقتصادي وديمغرافي يدفع نحو استقدام العمال، والثاني سياسي وانتخابي يجعل خفض الهجرة مطلبا يحظى بتأييد شريحة من الناخبين، وهي معادلة يرجح أن تظل حاضرة بقوة في الحملة الرئاسية الفرنسية المقبلة.
وينتقل التحليل من هذه المفارقة إلى السؤال القانوني، إذ يرى الكاتبان أن التجمع الوطني قد يسعى، إذا وصل إلى الحكم، إلى التعامل معها من خلال إعادة تنظيم الحقوق المرتبطة بالجنسية والإقامة، عوض الاكتفاء بإغلاق أبواب الهجرة بصورة كاملة.
“الأولوية الوطنية” تثير جدل المساواة والجنسية
يركز التحليل في هذا الجانب على مفهوم “الأولوية الوطنية”، الذي يقوم على منح المواطنين الفرنسيين أسبقية في بعض الحقوق أو الخدمات مقارنة بالأجانب، ويشير إلى أن التجمع الوطني سبق أن أعلن عزمه، في حال وصوله إلى الرئاسة، تنظيم استفتاء واسع بشأن الهجرة يمنح هذا المبدأ أساسا قانونيا أقوى.
ويستند المقال إلى مقترح قانون دستوري بعنوان “المواطنة-الهوية-الهجرة”، قدمته مارين لوبان في 25 يناير 2024، ويتضمن جعل “الأولوية الوطنية” حقا يمكن الاستناد إليه دستوريا، وإلغاء الحصول على الجنسية استنادا إلى الولادة على الأراضي الفرنسية، وإدراج حماية هوية فرنسا ضمن مهام الجمهورية.
كما يتضمن المقترح، بحسب النص الذي يستند إليه التحليل، تقييد وصول الأشخاص الذين يحملون جنسية دولة أخرى إلى بعض الوظائف في الإدارة والشركات العامة والهيئات المكلفة بخدمات عامة، وهو ما يجعل وضع مزدوجي الجنسية جزءا أساسيا من النقاش القانوني الذي قد يرافق أي محاولة لتطبيق هذه السياسة.
ويرى الكاتبان أن هذه النقطة تثير سؤال المساواة بين المواطنين، لأن الدستور الفرنسي يمنع التمييز الصريح على أساس الأصل، بينما يمكن لبعض التصنيفات المرتبطة بالجنسية أن تنتج فروقا عملية في الحقوق أو فرص الوصول إلى وظائف وخدمات بعينها.
ومن هنا يقدم التحليل أطروحته الأساسية، إذ يرى أن التحول السياسي في فرنسا، إذا وقع، قد لا يأخذ بالضرورة صورة تغيير مفاجئ للمؤسسات، وإنما يمكن أن يتشكل تدريجيا من خلال قوانين وإجراءات تحصل على شرعية انتخابية وتؤدي إلى توسيع الفوارق القانونية بين فئات من السكان، وهو سيناريو يعرضه الكاتبان بوصفه قراءة لاحتمال سياسي مستقبلي، وليس وصفا للنظام القانوني الفرنسي القائم حاليا.
ويستعيد المقال في هذا السياق تجارب تاريخية لجأت إلى تصنيف السكان قانونيا وفق أوضاع مختلفة، ومنها نظام “الأهالي” الذي طبقته الجمهورية الفرنسية الثالثة في مستعمراتها، حيث ميز بين المواطنين المتمتعين بكامل الحقوق السياسية والسكان الخاضعين لالتزامات وعقوبات وقيود خاصة. ويستخدم الكاتبان هذه السابقة لإبراز مخاوفهما من أن تصبح الجنسية أو الوضع القانوني أساسا لفوارق أوسع في الحقوق.
ولا يقدم التحليل نتيجة محسومة لما ستؤول إليه انتخابات 2027، إذ تظل السيناريوهات مرتبطة بنتائج الاقتراع وموازين القوى داخل البرلمان والمؤسسات الدستورية، لكنه يرى أن النقاش حول التجمع الوطني تجاوز منذ سنوات السؤال المتعلق بإمكان وصوله إلى السلطة، وانتقل تدريجيا إلى البحث في السياسات التي قد يسعى إلى تنفيذها إذا تحقق ذلك.
كما أن ملف الهجرة لم يعد بالنسبة إلى فرنسا قضية حدودية أو أمنية فقط، فقد أصبح مرتبطا بمستقبل سوق العمل وشيخوخة السكان والجنسية والمساواة أمام القانون، في ظل اقتصاد يحتاج إلى يد عاملة جديدة ومشهد سياسي يزداد فيه حضور المطالب بتقليص الهجرة.
وتكشف هذه المفارقة أحد أبرز التحديات التي قد تواجه فرنسا خلال المرحلة المقبلة، إذ يتعين على القوى السياسية التوفيق بين حاجات الاقتصاد والتحولات الديمغرافية ومواقف الناخبين، فيما ينتقل النقاش بشأن انتخابات 2027 من أسماء المرشحين وحسابات التحالفات إلى سؤال أوسع يتعلق بالشكل الذي يمكن أن تتخذه المواطنة والمساواة والسياسة الهجرية في فرنسا خلال السنوات المقبلة.
فرنسا تحتاج إلى العمال وتخشى المهاجرين .. تناقض يسبق "رئاسيات 2027" Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة فرنسا تحتاج إلى العمال وتخشى المهاجرين تناقض يسبق رئاسيات 2027
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ فرنسا تحتاج إلى العمال وتخشى المهاجرين تناقض يسبق رئاسيات 2027 قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، فرنسا تحتاج إلى العمال وتخشى المهاجرين .. تناقض يسبق "رئاسيات 2027".
في الموقع ايضا :
- جدول مباريات اليوم الأحد 16 أغسطس 2026 والقنوات الناقلة.. مواعيد مواجهات أرسنال ومانشستر سيتي وريال مدريد
- بعد انهيار FCAS.. فرنسا تراهن على «سوبر رافال» لحماية قوتها الجوية
- المتحدث باسم الخارجية الأمريكية لوسائل إعلام: ستواصل الولايات المتحدة دعم الإطار الثلاثي لتحقيق الاستقرار الإقليمي