أعدناهم من سبتة فمن يعيد المغرب إليهم؟ ...المغرب

صوت المغرب - اخبار عربية

نجحنا، إلى حد بعيد، في إعادتهم من مدينة سبتة بعدما دخلوا إليها يومي 30 و31 يوليوز الماضي. ونجحنا، يوم 15 غشت، في منع موجة ثانية من التدفق العشوائي على المدينة السليبة. لكن ماذا بعد؟

هل عرفنا لماذا “طجّوا” من بيننا فجأة؟ هل فهمنا ما الذي يجعل عشرات الآلاف من المغاربة، بينهم أطفال ويافعون، يقررون في لحظة واحدة تقريبا أن المكان الذي ينبغي أن يكونوا فيه هو أي مكان آخر غير المغرب؟

    هل فتحنا ما يكفي من نقاشات مع المسؤولين والخبراء والمختصين في الأمن والسياسة والاقتصاد وعلم النفس وعلم الاجتماع؟

    هل حاولنا، فعلا، أن نفكك صورة ذلك اليافع الذي لا يطالبه أحد في سنه الصغيرة بعمل، ولا بإنفاق، ولا بإعالة أسرة، ولا بالاضطلاع بأي مسؤولية اجتماعية ثقيلة، لكنه مع ذلك كف عن الحلم بمستقبله معنا ورحل؟

    المشكلة ليست كيف وصل مغربي إلى سبتة، ولا من أخبره بالطريق، ولا أي صفحة في «فيسبوك» أو حساب على «تيك توك» دعاه إلى التجمع… هذه أسئلة مهمة للأمن والتحقيق، لكنها لا تفسر لماذا وجد النداء، حين صدر، عشرات الآلاف المستعدين للاستجابة له.

    بالله عليكم، هل تابعت طبقتنا السياسية ومدبرو شؤوننا تلك العبارات العفوية و”البريئة” التي كان أطفالنا وشباننا يلقونها أمام كاميرات الصحافيين والقنوات الدولية، حتى وهم لا يتبادلون مع محدثيهم فهم كلمة واحدة؟

    هل توقفنا، مثلا، عند معنى أن يكون كل ما يريد ابننا المهاجر أن يقوله ويوصله إلى العالم هو “إلا المغرب أرجوركم!”؟

    نعم، إنها عبارات مؤلمة وجارحة، لكنها ليست شتيمة ننزعج منها ثم ننتقل إلى موضوع آخر. حين تصدر هذه العبارة بهذه الكثافة وهذه العفوية من أطفال وشباب مختلفين، فهي علامة على شيء ما تصدع في علاقتهم ببلادهم.

    أنا لا أجهل، صدقوني، تفاصيل الهوة الاجتماعية السحيقة التي باتت تفصل بين الذين يملكون في المغرب والذين لا يكادون يوجدون أصلا. أعرف حجم البطالة، والهشاشة، وانسداد المصاعد الاجتماعية، والتفاوت المجالي، ورداءة كثير من الخدمات العمومية، وشعور فئات واسعة بأنها خارج الحسابات وخارج فرص الارتقاء…

    لكنني لم أقتنع قط بأن الفقر وحده، أو البطالة وحدها، أو التفاوت وحده، يفسر الرحيل الجماعي لعشرات الآلاف، الذين كانوا سيتحولون بسهولة إلى رقم مليوني لو لم تغلق المنافذ.

    هناك شيء أعمق وأخطر. هناك عطب أصاب علاقة جزء واسع من المغاربة بفكرة المستقبل داخل المغرب نفسه. ومن لديه ذرة شك، فليجرب هذا الاختبار البسيط: لينشر على أي من منصات الشبكات الاجتماعية محتوى يتساءل فيه، لا أكثر، عن جدوى الهجرة أو البقاء. وليقرأ التعليقات.

    سيل من التذمر والقنوط والضجر واليأس. شعور بأن كل الأبواب مغلقة، وأن المغادرة ليست واحدا من الخيارات، بل تكاد تصبح، في المخيال الجماعي لفئات واسعة، الخيار الطبيعي الوحيد.

    فهل سنوقف هذا النزيف بالمقاربة الأمنية وحدها؟ وهل تسعفنا خطب الجمعة المُملاة من محبرة «تسديد التيليغ» في استعادة الأمل واليقين بأن الوطن أكثر من مجرد أرض نستوطنها؟

    لقد اتسع الخرق على الراقع. وأخطر ما في الأمر أن المشكلة لم تعد مجرد خلل أو قصور في التدبير. هذه أشياء يمكن تداركها. يمكننا أن نغير سياسة، ونصحح برنامجا، ونراجع ميزانية، ونعفي مسؤولا، ونأتي بغيره…

    المشكلة تصبح أخطر عندما يكون الخلل في الشعور نفسه؛ في ذلك الخيط غير المرئي الذي يجعل جماعة بشرية تقبل أن تعيش معا، وتختلف معا، وتتحمل بعضها بعضا، وتؤمن، رغم كل شيء، بأن لها فوق هذه الأرض مصيرا مشتركا.

    كنت، خلال الأيام الأخيرة، وأنا أتابع الاستعدادات التي رافقت دعوات “النفير العام” نحو سبتة، أتوقف طويلا عند مشاهد السلطات والقوات العمومية وهي تطوف بمحطات القطارات، وتصعد الحافلات قبل انطلاقها نحو شمال البلاد، وتدقق في وجوه المسافرين وملابسهم وأعمارهم ووجهاتهم.

    وبصرف النظر عن القلق الحقوقي البديهي الذي تطرحه مثل هذه المشاهد، لأننا أمام تقييد لإحدى الحريات شبه الطبيعية للمخلوقات، لا للإنسان وحده، وهي حرية التنقل؛ لم يكن أكثر ما يستوقفني رجال السلطة وهم يمارسون المنع. بل كان يستوقفني تحول القياد والبشاوات والضباط، في لحظات كثيرة، إلى ما يشبه المساعدين الاجتماعيين.

    يسألون الطفل من أين جاء، ولماذا يريد الذهاب، وأين أسرته، ويحاول بعضهم إقناعه بالعودة، قبل أن يمارسوا، عندما يرونه ضروريا، وظيفتهم الأصلية بالمنع والإكراه، بكل ما يطرحه ذلك من أسئلة دستورية وحقوقية. وكنت أسأل نفسي أمام هذه الصور: أين الآخرون؟

    نعم، اختلالات كبيرة في السياسات العمومية تفسر، جزئيا على الأقل، ما جرى. وصحيح أن الدولة تتحمل مسؤوليتها في شروط التعليم والتشغيل والصحة والعدالة الاجتماعية والثقة في المؤسسات… لكن هل يعني ذلك أن نتصرف كما لو أننا اتفقنا جميعا على الانصراف؟

    لا يمكن أن نتحدث عن هذه الظاهرة ونتفاعل معها كما لو أن الهجرة صارت جوابنا الجماعي الوحيد على واقعنا. كنت أرى السلطات تفتش في ملامح وهندام وجيوب سراويل المسافرين عن بداية اشتباه في نية التوجه نحو سبتة، كي تمنع صاحبها من مواصلة رحلته، وأتساءل: أين المجتمع؟ أين الأحزاب؟ أين الجمعيات؟ أين المثقفون والفنانون والمدرسون والرياضيون والفاعلون المدنيون؟

    أين حملة الضمير الجمعي؟

    هل يكفي أن تكون هناك مسؤولية تقصيرية من جانب الدولة كي نتفرج على مشهد الرحيل الجماعي، وكأن “الطايلة” الوحيدة هي تحليله وتفسيره وفهمه، ثم إحصاء أخطاء السلطات؟

    لماذا لم يخرج وجه مدني واحد إلى محطة قطار، لا يحمل هراوة ولا سلطة منع، ليجلس إلى طفل ترك بيت أسرته وخرج نحو المجهول ويقول له: لا تفعل؟

    لم أتمنّ ذلك لأن الواقع جميل، ولا لأن المغرب بلا أعطاب، ولا لأن مستقبل المرء مضمون؛ بل لأن الارتماء في البحر ليس مشروعا للحياة، ولأن الوطن، مهما اختل تدبيره، لا ينبغي أن يصبح عدوا في وعي أبنائه.

    نحتاج، بالتأكيد، إلى إصلاح السياسات التي صنعت هذا اليأس. وإلى اقتصاد يمنح الفرصة، ومدرسة تعيد معنى الارتقاء، وعدالة تزرع الثقة، وسياسة تجعل المواطن يشعر بأن صوته له أثر… لكننا نحتاج، أيضا، إلى إعادة بناء معنى الانتماء نفسه.

    ما حدث في نهاية يوليوز، ثم ما استعددنا لمواجهته في 15 غشت، ليس مجرد أزمة حدود.

    إنه إنذار.

    يمكن للدولة أن تغلق الطرق إلى سبتة، وأن تعيد من وصل إليها، وأن تمنع قطارا أو حافلة أو تجمعا من الوصول إلى الحدود…

    لكن لا أحد يستطيع أن يحرس وطنا إلى الأبد بالحواجز.

    لقد أعدنا أغلبهم من سبتة، ومنعنا آخرين من الوصول إليها.

    والآن يبدأ الامتحان الأصعب: كيف نعيد المغرب إليهم؟

    أعدناهم من سبتة فمن يعيد المغرب إليهم؟ صوت المغرب.

    مشاهدة أعدناهم من سبتة فمن يعيد المغرب إليهم

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أعدناهم من سبتة فمن يعيد المغرب إليهم قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، أعدناهم من سبتة فمن يعيد المغرب إليهم؟.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار