yemenat
يمنات
أ.د. يوسف سلمان الريمي*
في اللحظة التي يتوقف فيها طفل يمني عن الذهاب إلى المدرسة، لا يفقد مجرد مقعد دراسي، بل يفقد أول خط دفاع عن مستقبله. وفي اللحظة التي يتوقف فيها معلم عن تلقي راتبه، لا يفقد مجرد دخل شهري، بل يفقد آخر رابط يبقيه داخل منظومة تعليمية كانت يوماً شريان الحياة للمجتمع.
وفي اللحظة التي تتحول فيها المدرسة إلى ثكنة عسكرية أو ملجأ للنازحين، لا يفقد المجتمع مجرد مبنى، بل يفقد حاضنة تربوية كانت تنتج المواطنة والتعايش والأمل.
هذه ليست مشاهد درامية من فيلم سينمائي، بل هي حقيقة يمنية يعيشها أكثر من 4.5 مليون طفل خارج المدارس، و171,600 معلم بلا رواتب منتظمة منذ عام 2016، وآلاف المدارس إما مدمرة أو محتلة أو مغلقة. لكن السؤال ليس فقط: كم الدمار؟ بل: لماذا نحن بحاجة ماسة إلى مبادرة وطنية مستقلة لإعادة بناء هذا التعليم؟
1. لأن الكارثة أكبر من أن تُدار بالحلول التقليدية لعقود، تعامل النظام التعليمي اليمني مع أزماته بمنطق الترقيع؛ فجوات تُسد ببرامج طارئة، ومعلمون يُعوضون بوعود مؤجلة، ومنشآت يُعاد تأهيلها بميزانيات هزيلة.
لكن ما يحدث اليوم ليس أزمة تعليمية بالمفهوم التقليدي، بل هو انهيار منظومي شامل يمتد من البنية التحتية إلى المحتوى الذهني، ومن الرواتب إلى الهوية الوطنية؛ لأن الكارثة أكبر من أن تُدار بالأساليب الروتينية.
عندما يعجز 95% من طلاب الصفوف الأولى عن قراءة نص بسيط، فهذا ليس تدنياً في التحصيل، بل هو إعاقة معرفية جيلية.
وعندما تتحول المناهج الدراسية إلى ساحة للأجندات الأيدولوجية المتصارعة، فهذا ليس خللاً في المحتوى، بل هو تفكيك مقصود لأداة بناء الوطن.
وعندما يتحول التعليم الخاص إلى ملاذ الأثرياء فقط، بينما يتآكل التعليم العام، فهذا ليس تفاوتاً في الجودة، بل هو إعادة إنتاج للطبقية الاجتماعية باسم الحق في التعليم.
هذه الكارثة تتجاوز قدرة أي جهة حكومية منهكة، أو أي برنامج إنساني طارئ، على معالجتها بشكل جذري. وهنا تكمن الحاجة الماسة الأولى إلى هذه المبادرة: لأنها لا تقدم مساعدات، بل تقدم رؤية استراتيجية لإعادة بناء المنظومة من الأساس.
2. لأن الدولة وحدها لم تعد تكفي في سياق النزاع الممتد، تآكلت قدرة مؤسسات الدولة على إدارة شؤون التعليم بشكل فعال.
والوزارات تعاني من شح الموارد، والمحافظات تعاني من غياب التنسيق، والمدارس تعاني من تعدد الجهات الفاعلة التي تتدخل بمنطق الإسعاف لا البناء. والأخطر: أن التعليم نفسه أصبح رهينة للصراع؛ فالرواتب تُستخدم كأداة ضغط سياسي، والمناهج تُستخدم كأداة تجنيد أيدولوجي، والمدارس تُستخدم كأماكن للتعبئة.
المبادرة الوطنية لإعادة بناء التعليم لا تقدم نفسها بديلاً عن الدولة، بل تقدم نفسها رافداً فكرياً تكميلياً لها. وهذا التواضع الاستراتيجي ليس ضعفاً بل هو ذكاء منظوماتي؛ فالمبادرة تدرك أنها لا تملك صلاحيات التنفيذ الميداني، لكنها تملك ما تفتقر إليه الدولة المنهكة: الاستقلال، والحياد، والقدرة على التفكير بعيداً عن ضغوط اليوم السياسية.
وهنا الحاجة الماسة الثانية: نحن بحاجة إلى عقول مستقلة تفكر في مستقبل التعليم بعيداً عن حسابات الصراع، وتصيغ سياسات تعليمية لا تُقاس بمدى خدمتها لطفل على حساب آخر، بل بمدى خدمتها للطفل اليمني بغض النظر عن انتمائه الجغرافي أو السياسي.
3. لأن المعلم اليمني يستحق أن تُعاد إليه كرامته ليس هناك منظومة تعليمية في العالم تستطيع الاستمرار عندما يعيش ثلثا كادرها التدريسي بدون رواتب. ليس لأن المعلمين طماعون، بل لأن الكرامة الإنسانية شرط للإبداع التربوي. المعلم الذي يعمل بدون راتب لسنوات لا يفقد فقط قدرته على الشراء، بل يفقد احترامه لنفسه أولاً، ثم احترام المجتمع له، ثم قدرته على تربية جيل يؤمن بالعدالة.
المبادرة تضع المعلم أولاً كمبدأ استراتيجي حاكم، وتعمل على صياغة نماذج تمويلية مستقلة، مثل الصندوق الوطني المستقل لأجور المعلمين، بهيكل حوكمة يُحيّد الرواتب عن الصراع. وهذا ليس رفاهية، بل هو شرط ضروري لأي تعافٍ؛ فبدون معلم مستقر مهنياً ومالياً لن يكون هناك تعليم، ولن يكون هناك مستقبل.
وهنا الحاجة الماسة الثالثة: نحن بحاجة إلى جهة تُعيد للمعلم مكانته كركيزة أساسية في العملية التعليمية، وتناصره لدى صناع القرار والمانحين، وتُذكّر العالم بأن إنقاذ التعليم اليمني يبدأ من إنقاذ المعلم اليمني.
4. لأن الهوية الوطنية في خطر في ظل تسييس المناهج وإقحام الأجندات الأيدولوجية، لم يعد التعليم أداة لبناء المواطنة، بل أصبح أداة لتعميق الانقسام. والمناهج التي كانت يوماً رابطاً جامعاً لليمنيين، تحولت إلى ساحة للصراع على من يملك الحقيقة. وهذا ليس مجرد خلل تربوي، بل هو تفكيك للنسيج الاجتماعي نفسه.
المبادرة تلتزم بحماية الهوية الوطنية الجامعة في المحتوى التعليمي، وتناهض التسييس والأدلجة. وهذا ليس رومانسية وطنية، بل هو إدراك عميق بأن التعليم في سياق النزاع إما أن يكون جسراً للمصالحة، أو قنبلة موقوتة للانقسام. ونحن، في بلد ممزق، بحاجة ماسة إلى تعليم يُعيد إنتاج التعايش لا الصراع.
وهنا الحاجة الماسة الرابعة: نحن بحاجة إلى جهة فنية مستقلة تراجع المناهج وتنقيها من شوائب التسييس، وتعيد إليها قيم المواطنة المتساوية والتعايش، لأننا إن فقدنا الهوية الجامعة في المناهج، فقدنا اليمن نفسه.
5. لأن العدالة التعليمية ليست رفاهية عندما يصبح التعليم الجيد حكراً على من يستطيع دفع أجور المدارس الخاصة، فإننا لا ننتج فقط جيلاً أمياً وجيلاً متعلماً، بل ننتج مجتمعاً طبقياً متصارعاً. والتجارب العالمية تثبت أن العدالة التعليمية ليست مجرد قيمة حضارية، بل هي شرط للاستقرار السياسي والأمني. فالشباب المحرومون من التعليم الجيد هم الأكثر عرضة للانخراط في العنف والتطرف.
المبادرة تدافع عن الحق في تعليم منصف وشامل، وتناهض الفجوات التعليمية المتزايدة. وهذا ليس شعاراتياً، بل هو إدراك بأن إهمال التعليم العام ليس توفيراً في الميزانية، بل هو استثمار في عدم الاستقرار.
وهنا الحاجة الماسة الخامسة: نحن بحاجة إلى صوت وطني يرفع راية العدالة التعليمية، ويُذكّر صناع القرار بأن تفاوت فرص التعليم ليس مشكلة تربوية فحسب، بل هو تهديد وجودي للنسيج الاجتماعي.
6. لأن العالم يتقدم ونحن نتأخر في الوقت الذي تتسارع فيه الأنظمة التعليمية العالمية نحو دمج الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية، يعاني الطالب اليمني من عزلة تقنية خانقة. انعدام الكهرباء والإنترنت ليس مشكلة بنية تحتية فحسب، بل هو إعاقة حضارية تُبعد جيلاً بأكمله عن عالم يتشكل فيه المستقبل.
المبادرة تدعو إلى التوظيف الذكي للتقنية في البيئات الهشة، عبر حلول منخفضة التكلفة قادرة على العمل في ظروف الانقطاع. وهذا ليس تفاخراً تكنولوجياً، بل هو إدراك بأن الفجوة الرقمية ليست فجوة معرفية فحسب، بل هي فجوة في فرص العمل والتنمية مستقبلاً.
وهنا الحاجة الماسة السادسة: نحن بحاجة إلى جهة تفكر في تعليم اليمن ليس بمنطق ما قبل الحرب، بل بمنطق ما بعد الحرب، وتُعد جيلاً قادراً على المنافسة في اقتصاد المعرفة، لا مجرد جيل قادر على اجتياز الامتحان.
7. لأن المناصرة وحدها لا تكفي، والتنفيذ وحده لا يكفي تكمن قوة هذه المبادرة في أنها تجمع بين العمق الفكري والقابلية للتطبيق. فهي لا تكتفي بالمناصرة الإعلامية، بل تُنتج أوراق سياسات وأدلة إجرائية ونماذج هندسية وحقائب تعليمية جاهزة للتبني. وهي لا تكتفي بالتنظير الأكاديمي، بل تبني شبكات علاقات استراتيجية مع المنظمات الدولية والجهات المانحة لحشد الدعم. وهذا النهج المزدوج – بين الفكر والفعل – هو ما يميز المبادرة عن المبادرات الأخرى التي إما أن تبقى أفكاراً في الأدراج، أو مساعدات طارئة بلا رؤية.
وهنا الحاجة الماسة السابعة والأخيرة: نحن بحاجة إلى جهة تُجيد فن الجمع بين الحلم والواقع، بين ما يجب أن يكون وما يمكن أن يكون، بين المناصرة للضغط والتصميم للتنفيذ.
8. خاتمة: لأننا لا نملك ترف الانتظار التعليم في اليمن ليس قطاعاً خدمياً يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الحرب. فالحرب قد تنتهي باتفاق سياسي، لكن آثارها على العقول والأجيال قد تستمر لعقود. وكما تقول المبادرة نفسها: التعليم ليس خدمة تتوقف بتوقف الاستقرار، بل هو شريان الحياة الذي إن انقطع طالت آثاره أجيالاً قادمة.
نحن بحاجة ماسة إلى هذه المبادرة، ليس لأنها تمتلك السحر الحلولي، ولكن لأنها تمتلك الإرادة الوطنية المستقلة، والخبرة الفنية العميقة، والرؤية الاستراتيجية البعيدة. نحن بحاجة إليها لأنها تُذكّرنا بأن اليمن ليس فقط بلداً في حرب، بل هو وطن يستحق مستقبلاً، وأن هذا المستقبل لا يُبنى بالسلاح، بل يُبنى بالقلم والكتاب والمعلم.
وفي زمن يغيب فيه الأمل، قد تكون هذه المبادرة – ببساطة – آخر فرصة لجيل يمني بلا مدارس، لكي يستعيد حقه في أن يكون إنساناً.
* رئيس شعبة التخطيط بمركز البحوث والتطوير التربوي – اليمن
yemenat
مشاهدة لماذا نحن بحاجة ماسة إلى مبادرة وطنية لإعادة بناء التعليم في اليمن
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ لماذا نحن بحاجة ماسة إلى مبادرة وطنية لإعادة بناء التعليم في اليمن قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على موقع يمنات الأخباري ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، لماذا نحن بحاجة ماسة إلى مبادرة وطنية لإعادة بناء التعليم في اليمن؟.
في الموقع ايضا :
- لانس يهزم باريس سان جيرمان ويتوج بلقب كأس السوبر الفرنسية
- تصريح غير متوقع وصادم!.. ترامب يُعلق متأخرًا على اتفاق (مكة) بين السعودية وتركيا وباكستان
- إكسير الحياة.. نرمين الفقي تكشف عن مشروبها السحري للتخسيس
