"الثعلب" يكشف أسرار عملية "أوبك": القذافي وراء الهجوم الذي هز العالم ...المغرب

هسبريس - اخبار عربية

بعد أكثر من نصف قرن على واحدة من أكثر العمليات المسلحة إثارة في تاريخ الإرهاب الدولي يعود اسم إليتش راميريز سانشيز، المعروف عالميا بـ”كارلوس الثعلب”، إلى الواجهة من داخل سجنه الفرنسي، حاملا معه رواية جديدة عن الهجوم الذي استهدف مقر منظمة البلدان المصدرة للنفط “أوبك” في فيينا سنة 1975، وهي العملية التي حولته من مسلح مجهول نسبيا إلى أحد أشهر المطلوبين في العالم، وأسهمت في صناعة نموذج جديد من الإرهاب العابر للحدود.

وفي تحقيق مطول نشرته صحيفة “واشنطن بوست” روى الصحافي والكاتب الأمريكي جوبي واريك تفاصيل لقائه بكارلوس داخل سجن بواسي الفرنسي في مارس 2025، بعد نحو خمسين عاما على اقتحام مقر “أوبك” واحتجاز عشرات المسؤولين ووزراء النفط، في عملية بدأت بإطلاق النار وسط العاصمة النمساوية وانتهت بعد أيام من الرحلات الجوية والمفاوضات بين عدة دول.

    ويقدم التحقيق صورة لرجل بلغ منتصف السبعينيات من عمره، تبدو عليه آثار العقود الطويلة التي قضاها في السجن والعزلة، غير أنه مازال محتفظا بجانب من الشخصية الاستعراضية التي جعلت منه في سبعينيات القرن الماضي ما تصفه الصحيفة بأنه أول “إرهابي مشهور” على المستوى العالمي، فقد كان اسمه وصورته حاضرين في وسائل الإعلام، واختلطت حوله الوقائع بالأساطير والأعمال الروائية والسينمائية.

    ويعيد التحقيق بناء عملية فيينا انطلاقا من تفاصيل دقيقة، لكنه يقدم أيضا معطى جديدا يتعلق بالجهة التي يقال إنها أمرت بالعملية، إذ ينقل عن كارلوس تأكيده أن الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي كان وراء الهجوم على مقر “أوبك”، في رواية تختلف عن فرضيات ظلت لعقود تربط العملية بنظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

    بدأت العملية صباح 21 دجنبر 1975 بطريقة تكاد تبدو عادية، فقد وصل ستة مسلحين إلى محيط مقر “أوبك” باستخدام الترام في شوارع فيينا، وهم يحملون حقائب ثقيلة ويخفون أسلحتهم تحت ملابس الشتاء، وكان في مقدمتهم كارلوس الذي لم يكن يتجاوز آنذاك 26 عاما، لكنه كان مطلوبا من أجهزة الأمن في عدة دول أوروبية.

    وبمجرد دخول المجموعة إلى المبنى أخرج أفرادها الأسلحة والقنابل اليدوية، ثم اقتحموا مقر الاجتماع حيث كان وزراء ومسؤولون وممثلون عن دول نفطية عديدة مجتمعين. وتحولت العملية خلال ثوان إلى هجوم دموي أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص والسيطرة على عشرات الحاضرين.

    وبحسب التحقيق وجد 62 شخصا أنفسهم رهائن في قبضة المجموعة المسلحة، بينهم شخصيات بارزة في عالم النفط والسياسة، بينما لم يكن واضحا في الساعات الأولى من يقف وراء العملية ولا الأهداف الحقيقية لمنفذيها.

    كارلوس نفسه لم يحاول الاختباء طويلا خلف اسم مستعار، إذ قدم نفسه للرهائن قائلا إنه “كارلوس الشهير”، في مشهد يكشف جانبا من شخصيته التي كانت تبحث عن الشهرة بقدر ما كانت تسعى إلى التأثير السياسي، فقد كان يتحدث بالإنجليزية والفرنسية والعربية والإسبانية، ويمزج بين التهديد والمزاح والاستعراض، حتى إن بعض الرهائن، بحسب التحقيق، طلبوا توقيعه بعد انتهاء المحنة.

    وأعلنت المجموعة أنها تتحرك تحت اسم “ذراع الثورة العربية”، ورفعت شعارات مرتبطة بالقضية الفلسطينية، كما طالبت السلطات النمساوية ببث بيان سياسي مؤيد للفلسطينيين عبر الإذاعة والتلفزيون بصورة متكررة، ثم توفير حافلة وطائرة لنقل المسلحين والرهائن خارج البلاد.

    وهدد كارلوس بإعدام رهائن على فترات زمنية محددة إذا لم تستجب السلطات لشروطه، بينما كانت القاعة طوقت بالمتفجرات، ما جعل الحكومة النمساوية أمام أزمة أمنية غير مسبوقة.

    لكن أحد أكثر الأسئلة غموضا كان يتعلق بسبب استهداف “أوبك” أساسا، فالتنظيم يضم دولا عربية كانت في ذلك الوقت من أبرز الداعمين للقضية الفلسطينية، وهو التناقض الذي أثاره أيضا دبلوماسي عراقي حاول التوسط بين المسلحين والسلطات النمساوية.

    ويشير التحقيق إلى أن الشعارات المعلنة لم تكن تكشف كامل أهداف العملية، إذ كانت لدى كارلوس، بحسب الرواية التي يقدمها واريك، تعليمات باستهداف شخصيتين بعينهما، هما وزير النفط السعودي أحمد زكي يماني، والمسؤول الإيراني جمشيد أموزيغار، الذي كان يمثل إيران داخل “أوبك” في مرحلة حكم الشاه محمد رضا بهلوي.

    وبحسب الرواية أخبر كارلوس يماني شخصيا بأنه تلقى أمرا بقتله، بل تحدث إليه بأسلوب جمع بين الإعجاب والتهديد، وأبلغه بأن تنفيذ الحكم كان يفترض أن يتم في المرحلة الأخيرة من العملية، بعد نقل الرهائن بين عدد من العواصم العربية.

    من “الثورة” إلى الإرهاب المأجور.. لماذا يتهم التحقيق القذافي؟

    ظل السؤال حول الجهة التي أمرت بهجوم فيينا مفتوحا لعقود، ومع مرور السنوات ظهرت روايات متعددة، كان من أبرزها اتهام نظام صدام حسين بالوقوف خلف العملية، غير أن تحقيق “واشنطن بوست” يقدم رواية مختلفة، مستندا إلى معطيات يقول إنها ظهرت لاحقا، وإلى ما نقله الكاتب مباشرة عن كارلوس.

    ويقول واريك إن كارلوس أكد خلال لقائه به أن العملية كلف من طرف معمر القذافي، الذي كان في منتصف السبعينيات يسعى إلى استخدام النفط باعتباره سلاحا سياسيا ضد الغرب، وكان غاضبا من الاتجاه داخل أوبك نحو تخفيف الضغوط الاقتصادية التي أحدثها الحظر النفطي العربي بعد حرب 1973.

    فقد أحدث الحظر النفطي في تلك المرحلة هزة كبيرة في الاقتصادات الغربية، وارتفعت أسعار الوقود بصورة حادة، بينما حققت الدول المنتجة للنفط مداخيل ضخمة. غير أن الخلاف بدأ يتعمق داخل “أوبك” حول مدى الاستمرار في رفع الأسعار واستخدام النفط أداة للضغط السياسي.

    وبحسب التحقيق كانت ليبيا تدفع باتجاه مزيد من التشدد وزيادة الأسعار، بينما مالت السعودية وإيران إلى سياسة أكثر اعتدالا، انطلاقا من مخاوف من أن يؤدي الضغط المفرط على الاقتصادات الغربية إلى ركود عالمي تكون له تداعيات أيضا على الدول المنتجة.

    وهنا، بحسب الرواية التي يقدمها واريك، بدأ القذافي يفكر في عملية تستهدف بعض الشخصيات التي اعتبرها مسؤولة عن هذا الاتجاه المعتدل داخل “أوبك”، ولذلك برز اسما أحمد زكي يماني والمسؤول الإيراني جمشيد أموزيغار ضمن الأهداف المحتملة.

    ويروي التحقيق أن استخدام عناصر ليبية مباشرة كان سيحمل مخاطر سياسية كبيرة، لذلك وقع الاختيار على كارلوس، الذي كان قد اكتسب سمعة في تنفيذ العمليات المسلحة لحساب جهات مختلفة، وهو ما جعل الكاتب يصف جانبا من مسيرته باعتباره شكلا مبكرا من “الإرهاب المأجور”.

    ويشير التحقيق إلى أن هذا النموذج، أي استخدام أفراد أو مجموعات مسلحة لتنفيذ عمليات لصالح دول أو أجهزة تبقى في الظل، لم يختف مع انتهاء حقبة كارلوس، بل تحول لاحقا إلى أسلوب أكثر تعقيدا في النزاعات الدولية الحديثة.

    غير أن العلاقة بين كارلوس والقذافي، حسب المصدر ذاته، لم تستمر كما كان يتوقع منفذ العملية، إذ يرى واريك أن الزعيم الليبي ربما غير موقفه أثناء أزمة الرهائن نفسها، وترك كارلوس ورفاقه دون الدعم الذي كانوا ينتظرونه. ونقل الكاتب عن كارلوس وصفه القذافي، بعد عقود من تلك الأحداث، بأنه “رجل مجنون”، مضيفا أن المجموعة كادت تموت بسببه، في تعبير يعكس حجم المرارة التي بقيت لدى كارلوس تجاه الزعيم الليبي حتى بعد سنوات طويلة في السجن.

    ومع ذلك تبقى هذه الرواية منسوبة إلى كارلوس وإلى استنتاجات التحقيق الذي أعده واريك، وليست حكما قضائيا مستقلا حسم بصورة نهائية هوية الآمر بالعملية، وهي نقطة مهمة بالنظر إلى كثرة الروايات والأجهزة والدول التي ارتبطت باسم كارلوس على امتداد مسيرته.

    كارلوس بعد نصف قرن.. ذاكرة مثقوبة وثلاثة أحكام بالمؤبد

    عندما التقى واريك كارلوس في سجن بواسي لم يعد أمامه ذلك المسلح الشاب الذي كان يتحرك بين العواصم الأوروبية ويظهر أمام الرهائن مرتديا قبعة سوداء ويحمل السلاح، بل سجين مسن أمضى عقودا خلف القضبان، وتراجعت قدرته على تذكر بعض الأحداث والوقائع التي صنعت اسمه.

    ويسجل التحقيق أن كارلوس كان يكرر نفسه أحيانا ويفقد خيط الرواية، كما بدت ذاكرته انتقائية في عدد من الملفات، فعندما سأله واريك عن شخص ليبي قتل خلال عملية فيينا قال إنه لا يتذكر الواقعة، رغم أن التحقيق ينسب إليه إطلاق النار عليه.

    ولم تكن هذه المرة الأولى التي يقول فيها كارلوس إنه لا يتذكر عمليات خطيرة نسبت إليه، فقد سبق خلال محاكماته في فرنسا أن أنكر معرفته بتفاصيل عمليات قتل وتفجيرات مختلفة، من بينها مقتل شرطيين ومخبر في باريس، وهجوم بقنبلة على مركز تجاري وحملة تفجيرات وعمليات إطلاق نار في أوروبا ولبنان.

    وانتهت تلك المحاكمات بثلاثة أحكام بالسجن المؤبد، وهو ما يجعل احتمال خروج المعني من السجن شبه معدوم.

    وكان كارلوس اعتقل سنة 1994 في السودان في عملية شاركت فيها أجهزة استخبارات فرنسية وأمريكية، بعد نحو عقدين ظل خلالهما واحدا من أبرز المطلوبين دوليا، وكانت قدرته على الإفلات من أجهزة الأمن جزءا أساسيا من الأسطورة التي تشكلت حوله.

    لكن صورته تراجعت تدريجيا بعد هجمات 11 شتنبر 2001، حين ظهر نموذج مختلف تماما من الإرهاب، يقوم على التنظيمات الجهادية العابرة للدول والعمليات الانتحارية واسعة النطاق، وهو ما جعل إرهاب السبعينيات الذي مثله كارلوس يبدو، رغم دمويته، منتميا إلى عصر آخر.

    ومع ذلك يرى واريك أن تجربة كارلوس لم تكن بلا تأثير على الأجيال اللاحقة، إذ درست تنظيمات مثل القاعدة نماذج العمليات التي نفذتها الجماعات المسلحة في الستينيات والسبعينيات، بما فيها خطف الطائرات واحتجاز الرهائن واستخدام وسائل الإعلام لتحويل العمل المسلح إلى حدث عالمي.

    وهذا تحديدا ما جعل عملية “أوبك” نقطة تحول، فقد نجح ستة مسلحين في الاستيلاء على مؤتمر يضم عشرات الشخصيات الدولية وسط مدينة أوروبية، ثم فرضوا شروطهم على دولة، وانتقلوا بالرهائن جوا بينما كان العالم يتابع تفاصيل الأزمة لحظة بلحظة.

    وبحلول نهاية العملية كان كارلوس حصل على ما كان يبحث عنه منذ سنوات: الشهرة العالمية، فقد تحولت صورته إلى رمز لعصر جديد من الإرهاب، وأصبح اسمه حاضرا في الصحافة والأدب والسينما، حتى صار من الصعب أحيانا فصل الشخص الحقيقي عن الشخصية التي صنعتها وسائل الإعلام.

    غير أن الرجل الذي كان يتطلع في السادسة والعشرين إلى أن يعرف العالم اسمه يقضي اليوم ما تبقى من حياته داخل السجن، بينما تعود عمليته الأشهر إلى الواجهة من زاوية مختلفة، ليس فقط بسبب ما جرى داخل مقر “أوبك”، بل بسبب السؤال الذي بقي معلقا طوال نصف قرن: من كان يحرك الخيوط؟.

    وتقدم شهادة كارلوس الأخيرة إجابة مثيرة، مفادها أن معمر القذافي كان وراء العملية، وأن الصراع داخل “أوبك” حول النفط والأسعار والعلاقة مع الغرب كان في خلفية خطة استهدفت وزراء يفترض أنهم ينتمون إلى المنظمة نفسها، غير أن هذه الرواية تظل جزءا من شهادة رجل كانت حياته نفسها مزيجا من الوقائع والإنكار والأساطير.

    وهكذا، بعد أكثر من خمسين عاما على إطلاق النار في ممرات مقر “أوبك”، لا تزال عملية فيينا قادرة على إنتاج أسرار جديدة، فيما يبقى كارلوس الثعلب، رغم الشيخوخة وثلاثة أحكام بالمؤبد، شاهدا على مرحلة دشنت العلاقة الحديثة بين الإرهاب والإعلام والسياسة، وحولت العمل المسلح من حادث محلي إلى عرض عالمي تتسابق الحكومات والشاشات والجماهير لمتابعته.

    "الثعلب" يكشف أسرار عملية "أوبك": القذافي وراء الهجوم الذي هز العالم Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

    مشاهدة الثعلب يكشف أسرار عملية أوبك القذافي وراء الهجوم الذي هز العالم

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الثعلب يكشف أسرار عملية أوبك القذافي وراء الهجوم الذي هز العالم قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، "الثعلب" يكشف أسرار عملية "أوبك": القذافي وراء الهجوم الذي هز العالم.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار