بقلم :مدحت الشيخ
(باحث في الشؤون السياسية والاجتماعية)
يظل شبح «كليات القمة» حاضرًا بقوة في وجدان كثير من الأسر والطلاب، وكأن مستقبل الإنسان يمكن أن يُختزل في رقم تحصّل عليه في نهاية المرحلة الثانوية، أو في اسم كلية أُدرجت تاريخيًا ضمن قائمة اعتاد المجتمع أن يمنحها مكانة استثنائية.
وعندما لا تأتي النتيجة وفق ما تشتهيه الأسرة أو يحلم به الطالب، تبدأ مشاعر الإحباط في التسلل إلى النفس، ويتحول عدم الالتحاق بكلية بعينها إلى ما يشبه الحكم القاطع على المستقبل، وكأن أبواب الحياة قد أُغلقت، والطريق إلى النجاح أصبح مستحيلًا.
لكن الحقيقة أكثر رحابة من ذلك بكثير.
فالمرحلة الثانوية ليست محطة تصدر حكمًا نهائيًا على مستقبل الإنسان، والدرجات مهما بلغت أهميتها لا تستطيع أن تختزل شخصية الطالب أو قدراته أو طموحه.
إنها مجرد مرحلة من مراحل الطريق، بينما الرحلة الحقيقية تبدأ عندما يدخل الإنسان الجامعة ويبدأ في مواجهة ذاته، واكتشاف إمكاناته، وتحديد موقعه الذي يريد أن يشغله في الحياة.
لقد تغيرت طبيعة العالم، وتبدلت معها مفاهيم النجاح والعمل والتميز. ولم يعد سوق العمل ينظر إلى الشهادة الجامعية باعتبارها وحدها مفتاح المستقبل، وإنما أصبح أكثر اهتمامًا بما يمتلكه الإنسان من معرفة ومهارات وخبرات، وقدرة على التفكير والتحليل والابتكار والتعامل مع المتغيرات.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمرحلة الجامعية.
فالجامعة ليست مجرد مدرجات ومحاضرات وامتحانات وشهادة في نهاية الطريق، وإنما مساحة واسعة لتكوين الشخصية وصقل الوعي وبناء الخبرة. وفيها يتعلم الطالب كيف يتحمل المسؤولية، وكيف يختلف مع الآخرين دون خصومة، وكيف يبحث عن المعلومة، وكيف يحول المعرفة النظرية إلى قدرة عملية يمكن أن يستفيد منها في حياته.
ولذلك، فإن الطالب الذي يدخل الجامعة بعقلية «سأحصل على الشهادة ثم أبحث عن مستقبلي» قد يفوّت على نفسه سنوات ثمينة كان يمكن أن يستثمرها في صناعة هذا المستقبل.
أما الطالب الذي ينظر إلى الجامعة باعتبارها ورشة حقيقية لبناء الذات، فسوف يبدأ مبكرًا في اكتساب اللغات، وتطوير مهاراته الرقمية، والاطلاع على تخصصه من مصادر متعددة، والمشاركة في الأنشطة، والتدريب العملي، وبناء شبكة من العلاقات المهنية والإنسانية.
ولا يعني ذلك التقليل من قيمة الكليات التي تحتاج إلى مجموع مرتفع أو من قيمة التفوق الأكاديمي، فالعلم في كل تخصص يستحق الاحترام، والنجاح في أي مجال يحتاج إلى جهد حقيقي. لكن الخطأ هو تحويل بعض الكليات إلى معيار وحيد للنجاح، والنظر إلى بقية التخصصات باعتبارها درجات أقل على سلم الحياة.
فكم من خريج كلية لم تكن في حسابات «القمة» أصبح بعد سنوات اسمًا بارزًا في مجاله، وكم من شخص لم يبدأ من المكان الذي كان يحلم به، لكنه امتلك من الإرادة ما جعله يصل إلى مكان لم يكن يتخيله.
القضية إذن ليست أين بدأت، وإنما ماذا ستفعل بعد البداية.
وهنا يأتي دور الأسرة، التي ينبغي أن تكون مصدرًا للثقة لا مصنعًا للمقارنات. فالطالب في هذه المرحلة يحتاج إلى من يكتشف قدراته ويمنحه الثقة، لا إلى من يذكره كل يوم بأن زميله التحق بكلية أفضل منه في نظر المجتمع.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الأسرة هو أن تجعل ابنها أسيرًا لصورة اجتماعية جاهزة عن النجاح. فالحياة لا تسير وفق قوالب ثابتة، والإنسان لا يُقاس باسم الكلية التي تخرج فيها، وإنما بما أضافه إلى نفسه ومجتمعه، وبما استطاع أن يحققه من إنجاز.
والطموح الحقيقي لا يعني أن تحصل على ما يريده الآخرون لك، وإنما أن تعرف ما تريده أنت، وأن تمتلك الشجاعة الكافية لتحويل هذا الطموح إلى مشروع واضح، ثم إلى خطوات متتابعة، ثم إلى إنجاز ملموس.
قد يدخل طالب كلية لم يكن يضعها في مقدمة اختياراته، لكنه يقرر ألا يعيش أسيرًا لفكرة أنه «لم يصل إلى القمة»، فيبدأ في التفوق داخل تخصصه، ثم يكتسب الخبرة، ثم يطور أدواته، ثم يفتح لنفسه أبوابًا جديدة، ليكتشف بعد سنوات أن ما اعتبره في البداية خسارة كان في الحقيقة طريقًا مختلفًا إلى النجاح.
وهنا يجب أن نعيد تعريف «القمة».
القمة ليست اسمًا مكتوبًا على بوابة كلية، وليست لقبًا اجتماعيًا تمنحه الأسرة أو المجتمع. القمة حالة من التفوق يصنعها الإنسان بالعلم والعمل والانضباط والإصرار. وقد تجد القمة في الطب أو الهندسة أو الاقتصاد أو الإعلام أو القانون أو التعليم أو التكنولوجيا أو التجارة أو الحرف والمهن المختلفة، فكل مجال يفتح أبوابه لمن يمتلك القدرة على التميز.
إن أخطر ما يمكن أن نزرعه في عقول أبنائنا هو أن الحياة تبدأ وتنتهي عند نتيجة الثانوية العامة. والحقيقة أن الثانوية قد تغلق بابًا، لكنها تفتح أبوابًا أخرى، والإنسان الواعي هو من يتعلم كيف يبحث عن الأبواب المفتوحة بدلًا من الوقوف طويلًا أمام الباب المغلق.
الجامعة إذن ليست نهاية مرحلة دراسية، وإنما بداية مرحلة أكثر نضجًا ومسؤولية. وفيها يبدأ الطالب في الانتقال من عالم التلقي إلى عالم الاختيار، ومن الاعتماد على الآخرين إلى تحمل مسؤولية قراراته، ومن انتظار المستقبل إلى صناعته.
فلا تحزن إذا لم تأتِ النتيجة كما تمنيت، ولا تجعل مجموعك يختصر أحلامك، ولا تسمح لنظرة الآخرين أن تحدد قيمتك.
اختر طريقك، واعرف قدراتك، وطوّر أدواتك، وامنح تخصصك ما يستحق من جهد، ولا تتوقف عن التعلم.
فالشهادة قد تفتح لك بابًا، لكن الكفاءة هي التي تجعلك قادرًا على البقاء خلفه، والطموح قد يرسم الطريق، لكن الإرادة والعمل هما من يقودانك إلى نهايته.
القمة الحقيقية ليست كلية يلتحق بها الإنسان، وإنما قيمة يصنعها الإنسان لنفسه.
ظهرت المقالة الجامعة.. حين يتحول الطموح من حلم إلى مشروع حياة أولاً على جريدة المساء.
مشاهدة الجامعة حين يتحول الطموح من حلم إلى مشروع حياة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الجامعة حين يتحول الطموح من حلم إلى مشروع حياة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريده المساء ( مصر ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الجامعة.. حين يتحول الطموح من حلم إلى مشروع حياة.
في الموقع ايضا :
- والدته باكية: قل الحقيقة يا ابني.. المتهم الخامس في قضية اغتيال الدكتور عبدالرحمن الشاعر يعترف أمام المحكمة
- في إشارة إلى محاولات إقصاء السامعي.. المخلافي: كيف لسلطة عجزت عن تقبّل عضو في المجلس السياسي الأعلى الانفتاح على الشراكة؟!
- عقار شهير لعلاج أمراض مناعية يبشر بعلاج الثعلبة البقعية