الذهب.. بين الملاذ الآمن وتقلبات الأسواق ! ...مصر

جريده المساء - اخبار عربية

بقلم : د.مني عبدالفتاح عثمان (دكتوراه الاقتصاد والعلوم السياسية ـ جامعة أسوان)

في كل مرة تهتز فيها الأسواق، يعود الذهب إلى الواجهة. حرب تشتعل، تضخم يرتفع، بنك مركزي يغير اتجاه الفائدة، أو عملة كبرى تتراجع، فيتجه كثيرون إلى المعدن الأصفر وكأنه الميناء الذي لا تهزه العواصف. لكن هنا تظهر مفارقة تستحق التوقف: كيف يمكن لأصل نشتريه بحثًا عن الأمان أن يكون هو نفسه شديد التقلب؟ فالذهب الذي يوصف منذ عقود بأنه «الملاذ الآمن» قد يرتفع بقوة خلال أيام ثم يفقد جزءًا من مكاسبه بالسرعة نفسها. وفي أغسطس 2026 عاد السعر العالمي ليتجاوز 4400 دولار للأوقية بعد تحركات واسعة خلال العام. فهل تغير الذهب؟ أم أن العالم الذي يسعّره هو الذي أصبح أكثر اضطرابًا؟ الحقيقة أن سعر المعدن الأصفر لا يتحرك بسبب عامل واحد. الذهب أشبه بمرآة تعكس في اللحظة نفسها مخاوف المستثمرين من التضخم، واتجاه أسعار الفائدة، وقوة الدولار، والحروب، والديون، وسياسات البنوك المركزية، وحركة الأموال بين الأسواق. ولهذا قد يبدو صعوده أو هبوطه غامضًا إذا نظرنا إلى السعر وحده. الفائدة الأمريكية تأتي في قلب هذه المعادلة. فالذهب لا يمنح حائزه عائدًا دوريًا مثل السندات والودائع، ومن ثم يصبح أكثر جاذبية عندما يعتقد المستثمرون أن الفائدة قد تنخفض، بينما تصبح الأصول التي تدفع عائدًا أكثر منافسة له عندما ترتفع الفائدة. والأهم أن السوق لا تنتظر اجتماع البنك المركزي حتى تتحرك؛ فهي تتعامل مع المستقبل قبل أن يقع. قد يصدر تقرير واحد عن التضخم أو التوظيف في الولايات المتحدة، فتتغير توقعات المستثمرين بشأن القرار القادم للاحتياطي الفيدرالي، ويتحرك الذهب خلال ساعات. وهذا ما ظهر مجددًا في أغسطس 2026 عندما دفعت بيانات التضخم الأمريكية المستثمرين إلى تقليص توقعات رفع الفائدة، فصعد الذهب إلى أعلى مستوى له في أكثر من شهرين. وهنا نفهم أن الذهب لا يتفاعل مع القرار فقط، بل مع توقع القرار. لكن العلاقة بين التضخم والذهب ليست بسيطة كما تبدو. فالقول إن ارتفاع الأسعار يعني تلقائيًا ارتفاع الذهب قد يكون مضللًا؛ لأن المستثمر ينظر أيضًا إلى رد فعل البنوك المركزية. فإذا واجهت موجة التضخم برفع قوي للفائدة، فقد ترتفع عوائد الأصول الأخرى ويضعف بريق الذهب مؤقتًا. أما إذا بقي التضخم مرتفعًا بينما تراجعت العوائد الحقيقية، فقد يعود المعدن الأصفر إلى الواجهة باعتباره أداة لحماية القوة الشرائية. وهكذا قد يحمل الخبر نفسه أثرين متعاكسين: التضخم يدعم الذهب من ناحية، لكن السياسة النقدية التي تستجيب له قد تضغط عليه من ناحية أخرى. ثم يأتي الدولار. فالذهب يسعّر عالميًا بالعملة الأمريكية، ولذلك فإن ضعف الدولار غالبًا ما يمنح المعدن الأصفر قوة إضافية، بينما قد تمثل قوة الدولار ضغطًا عليه. ومع ذلك لا توجد قاعدة تعمل في كل الأوقات؛ ففي بعض الأزمات قد يبحث المستثمرون عن الدولار والذهب معًا. وهنا تكمن صعوبة السوق: العامل الذي يفسر الصعود اليوم قد لا يكون هو العامل نفسه غدًا. ثم تأتي الأزمات. الحروب، والتوترات التجارية، والقلق من الديون، والخوف من تباطؤ الاقتصاد العالمي، كلها تعيد إلى الذهب واحدة من أقدم وظائفه: الاحتفاظ بالقيمة عندما تصبح قيمة أشياء أخرى محل شك. فالناس لا يشترون الذهب فقط عندما يعرفون أن المستقبل سيكون سيئًا؛ بل يشترونه أحيانًا لأنهم لا يعرفون كيف سيكون المستقبل أصلًا. لكن ثمة تحولًا آخر يجعل قصة الذهب اليوم مختلفة. فالمشتري لم يعد المستثمر الفرد وحده؛ البنوك المركزية نفسها أصبحت لاعبًا بالغ الأهمية. ووفق مجلس الذهب العالمي، بلغت مشتريات البنوك المركزية الصافية نحو 244 طنًا في الربع الأول من 2026، كما أظهر مسح للمجلس أن 89% من مديري الاحتياطيات يتوقعون زيادة حيازات البنوك المركزية العالمية من الذهب خلال الاثني عشر شهرًا التالية. وهذا يطرح سؤالًا أكبر: لماذا تشتري الدول الذهب في عصر العملات الرقمية والأسواق المالية العملاقة؟ جزء من الإجابة يرتبط بتنويع الاحتياطيات وتقليل المخاطر. فالدولة لا تريد أن تضع كل قدرتها المالية في أصل واحد أو عملة واحدة، خصوصًا في عالم أصبحت فيه السياسة والجغرافيا والاقتصاد أكثر تداخلًا. وهكذا يعود أصل عمره آلاف السنين ليحجز موقعًا متقدمًا داخل نظام مالي شديد الحداثة. ولا تعني مشتريات البنوك المركزية أن الأسعار ستواصل الصعود بلا توقف. فهذه المؤسسات تتحرك بأفق طويل، بينما يتحرك المتعاملون يوميًا وفق الأخبار والسيولة والمخاطر. لذلك يمكن أن تجتمع قوة شراء طويلة الأجل مع موجة بيع قصيرة الأجل، وهو ما يفسر جزءًا من الحركات الحادة في الأسعار. وفي الجهة المقابلة تقف المضاربة وصناديق الاستثمار وجني الأرباح. دخول أموال ضخمة إلى صناديق الذهب يمكن أن يدفع السعر سريعًا إلى أعلى، وخروجها قد يعكس الاتجاه بالسرعة نفسها. ولذلك قد تستمر الأسباب التي تجعل الذهب جذابًا على المدى الطويل، بينما يهبط سعره غدًا لأن مستثمرين قرروا بيع جزء من مراكزهم وتحقيق الأرباح. وهنا ربما نفهم المفارقة بطريقة مختلفة: الذهب ليس ملاذًا آمنًا لأنه لا ينخفض. إنه ملاذ لأنه يؤدي دورًا مختلفًا داخل محفظة المستثمر أو احتياطي الدولة، ولأنه يمكن أن يوفر تنويعًا وحماية في بعض السيناريوهات التي تتعرض فيها أصول أخرى للضغط. أما سعره اليومي فلا يحمل أي وعد بالاستقرار. وبالنسبة إلى المواطن المصري، تصبح القصة أكثر تعقيدًا. فما يراه في واجهة محل الذهب ليس مجرد انعكاس لسعر الأوقية في الأسواق العالمية؛ فهناك أيضًا سعر صرف الجنيه أمام الدولار، والعرض والطلب داخل السوق المحلية، وتكاليف التداول. ولهذا قد يسمع المواطن أن الذهب انخفض عالميًا ثم لا يجد الانخفاض نفسه محليًا، أو يراه يتحرك في مصر بدرجة أكبر من حركته في الخارج. لهذا ربما يكون الخطأ الأكبر في التعامل مع الذهب هو اختزال كل هذه العوامل في سؤال واحد: هل أشتري الآن أم أنتظر؟ السؤال الأكثر أهمية يسبقه: لماذا يتحرك الذهب أصلًا؟ فمن يفهم علاقة الذهب بالفائدة والدولار والأزمات ومشتريات البنوك المركزية وسلوك المستثمرين، يستطيع أن يقرأ حركته بصورة أكثر هدوءًا. أما من يتابع السعر وحده، فقد يرى المعدن الأصفر يقفز أمامه ثم يتراجع، من دون أن يرى القوى التي تحركه. وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال: هل الذهب ملاذ آمن أم أصل متقلب؟ فهو، على نحو يبدو متناقضًا، الاثنان معًا. وهذا تحديدًا هو سر الذهب… وسر الحيرة التي ترافقه كلما تحركت أسعاره.

    ظهرت المقالة الذهب.. بين الملاذ الآمن وتقلبات الأسواق ! أولاً على جريدة المساء.

    مشاهدة الذهب بين الملاذ الآمن وتقلبات الأسواق

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الذهب بين الملاذ الآمن وتقلبات الأسواق قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريده المساء ( مصر ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الذهب.. بين الملاذ الآمن وتقلبات الأسواق !.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار