يمن مونيتور/وحدة التقارير/ فاطمة العنسي
بين جدران تضيق بساكنيها وصراع يلتهم ملامح الدولة، تواجه منظومة السجون في اليمن تحديات مركبة تتجاوز حدود الجدران الإسمنتية لتلامس عمق البنية المجتمعية والأمنية، لم يعد اكتظاظ الزنازين بعشرات السجناء مجرد أزمة بنية تحتية أو تحدٍ لسيادة القانون، بل بات استحقاقًا إنسانيًا وتنمويًا يضع المجتمع بأسره أمام سؤال مصيري: هل السجن أداة للانتقام والوصم، أم بوابة للإصلاح والدمج؟
الموروث والثقافة.. عندما تدفع النساء الثمن مرتين
في بلدٍ تحكمه العادات والتقاليد بصرامة، لا تتساوى وطأة العقوبة بين الجنسين، إذ يرى أستاذ علم الاجتماع، الدكتور عبد الباقي شمسان، أن هناك ضرورة ملحة للتمييز بين الجرائم الجنائية المحضة وتلك المرتبطة بأبعاد “أخلاقية”، مشيرًا إلى أن الأخيرة تترك ندوبًا غائرة وصدمات مركبة على النساء تحديدًا.
ويوضح شمسان قائلًا: “تتحمل المرأة المسجونة عبئًا مضاعفًا يفوق ما يواجه الرجل بمرات، فبينما يمتلك الرجل هوامش أكبر لتجاوز تداعيات السجن والبدء من جديد، تظل الوصمة الاجتماعية تلاحق المرأة وتعيق اندماجها، خاصة في القضايا الأخلاقية، بفعل ثقل التراث الثقافي والمجتمعي”.
وأمام هذا الواقع، يحذر شمسان من المعالجات المبتورة، داعيًا إلى تبني “معالجة وطنية شاملة” تنطلق من فلسفة الدستور اليمني الذي يكفل العيش الكريم للمواطنين، وتقوم هذه المعالجة على ركيزتين: التعليم وبناء المهارات، والتمكين الاقتصادي والمهني. وهي عملية تتطلب تنسيقًا رباعي الأبعاد تقوده السلطات المحلية بالشراكة مع الدولة، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني.
ويختتم حديثه: “ثمة حاجة ملحة للتنسيق مع المؤسسات والهيئات النفسية المتخصصة لتأهيل السجناء أثناء فترة العقوبة وبعدها، وتتأكد هذه الأهمية عند النظر إلى فئات خاصة شديدة الحساسية داخل السجون، ومنها، الأطفال، الأحداث (اليافعون)، متعاطو ومدمنو المخدرات، وتعتبر السلطة المحلية هي الجهة المخولة قانونًا بقيادة وتنسيق الجهود، إذ يقع على عاتقها عقد الاجتماعات واللقاءات مع مؤسسات المجتمع المدني المؤهلة للتمكين وحماية حقوق الإنسان والصحة، ويهدف هذا التنسيق إلى حشد الدعم الحكومي والخاص لتوفير برامج الرعاية اللاحقة وبحث فرص إعادة دمج الخريجين كأعضاء فاعلين وصالحين”.
فلسفة رد الاعتبار
يسلط المحامي والمستشار القانوني هاشم العزي الضوء على المبدأ الأخلاقي والقانوني لـ”أنسنة السجين” في اليمن، مؤكدًا أن كرامة الإنسان وحقوقه تظل لصيقة به ولا تسقط حتى لو ارتكب جرمًا، وينقسم هذا المسار في القانون اليمني إلى نوعين: تلقائي (بقوة القانون) لمن حُكم عليهم بالحبس لمدة لا تتجاوز العام، وقضائي للجرائم الأشد جسامة، والذي يتطلب طلبًا رسميًا وإثباتًا لحسن السلوك والسيرة بعد انقضاء فترات زمنية محددة وسداد الالتزامات المالية كافة.
ورغم التأسيس التشريعي المتماسك، يكشف العزي عن فجوة تطبيقية هائلة تحول حياة المفرج عنهم إلى جحيم مستمر، حيث تتثاقل خطى العدالة بسبب تأخر إجراءات النيابة العامة وبطء المحاكم في البت بطلبات رد الاعتبار، ويتفاقم هذا الشلل بفعل الغياب التام لبرامج “الرعاية اللاحقة” والدعم الاجتماعي والاقتصادي، يرافقها تمييز مستمر وتضييق أمني ومراقبة شرطية مفرطة، ناهيك عن رفض قطاع الأعمال توظيفهم ورفض المجتمع دمجهم. هذا الحصار المتكامل يحرم المفرج عنهم من حقهم في العيش الكريم، ويدفعهم قسرًا للوقوع في فخ الفقر، والعزلة، وبشكل أخطر العودة مجددًا إلى دائرة الجريمة.
ويخلص المحامي إلى ضرورة صياغة خارطة طريق عاجلة تتقاسم مسؤوليتها وزارات الداخلية، والعدل، والعمل، وتتمثل في تسريع إجراءات رد الاعتبار، وتوفير الاستشارات القانونية المجانية، وتفعيل قوانين الرعاية اللاحقة على الأرض عبر برامج دمج وتدريب حقيقية.
ويؤكد في ختام حديثه أن حماية السجناء والمفرج عنهم من التعسف والوصم ليست مجرد لفتة إنسانية أو ترفًا قانونيًا، بل هي ضرورة أمنية ومصلحة مجتمعية عليا، إذ إن احتضان المفرج عنه وفتح أبواب العمل الشريف أمامه هو خط الدفاع الأول لمنعه من العود الجنائي، والضمانة الحقيقية لبناء مجتمع مستقر وآمن.
القوانين وواقع السجون
في ظل الحرب والانقسام وتعدد سلطات الأمر الواقع في اليمن، تحولت السجون ومراكز الاحتجاز من مؤسسات للإصلاح والتقويم إلى فضاءات تثير الكثير من القلق الحقوقي والإنساني، مما كشف عن فجوة واسعة وصادمة بين النص القانوني والواقع المعيش خلف القضبان.
وأكد المحامي والناشط الحقوقي توفيق الحميدي أن التشريعات الوطنية ـ سواء الدستور اليمني، أو قانون الإجراءات الجزائية، أو قانون العقوبات ـ تقر بوضوح حماية كرامة الإنسان وتجريم التعذيب والاختطاف والإخفاء القسري، وتبطل أي إجراء يُنتزع تحت الإكراه.
وأوضح الحميدي أن اليمن طرف في اتفاقيات دولية عديدة، وتظل “قواعد نيلسون مانديلا” مرجعًا أخلاقيًا يؤكد أن السجين لا يفقد إنسانيته بفقدان حريته، الواقع يكشف عن تحول مراكز احتجاز كثيرة إلى فضاءات للعزل والعقاب والإذلال نتيجة للحرب وتعدد السلطات، مشيرًا إلى أن هذه الفجوة تظهر علنًا في الاكتظاظ الحاد، وتدهور الرعاية الصحية، وغياب التأهيل، وحرمان المحتجزين من التواصل مع أسرهم ومحاميهم، وصولًا إلى انتهاكات كالتعذيب وسوء المعاملة.
مضيفًا أن المشكلة ليست سوء إدارة فقط، بل هي انهيار لفلسفة العقوبة نفسها؛ إذ يجب أن يكون الهدف هو إصلاح السجين وحماية المجتمع، لا الانتقام وكسر الإرادة الإنسانية.
وحول سبل التغيير، شدد الحميدي على أن هذا التحول لا يمكن أن يبدأ بجدية دون وقف الحرب واستعادة سلطة القانون؛ لأن بيئة النزاع تنتج بطبيعتها سجونًا خارج الرقابة وثقافة أمنية تقوم على الاشتباه لا العدالة.
ودعا إلى ضرورة تغيير فلسفة السجن باعتبار أن السجين إنسان أخطأ أو عوقب، وفترة احتجازه هي فرصة للإصلاح النفسي والتعليمي والمهني، وفي هذا السياق، لفت إلى دور المؤسسات الحقوقية والمدنية في الضغط من خلال الرصد المستقل لأوضاع السجون، والمطالبة بمواءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية، وتمكين جهات الرقابة من الزيارة، بالإضافة إلى إدخال برامج التعليم والتدريب المهني وربط السجون ببرامج إعادة الإدماج والتوظيف بعد الإفراج.
وتابع قائلًا: “التجارب الحديثة تؤكد أن السجن الذي يعلم ويؤهل يعزز الأمن، أما السجن الذي يهين ويعزل فيعيد إنتاج العنف والجريمة”.
وفيما يتعلق بمرحلة ما بعد السجن، وصف الحميدي الوصمة الاجتماعية بأنها أخطر العقوبات غير المكتوبة، كونها تبدأ بعد انتهاء العقوبة القانونية حيث يواصل المجتمع معاقبة الشخص بالشك والإقصاء ورفض توظيفه.
واختتم حديثه بالقول: “إن أنسنة السجين ليست امتيازًا يمنح للمذنب، بل معيار يقاس به تحضر الدولة والمجتمع. هذا السجين سيعود يومًا إلينا، وحماية حقوقه هي مصلحة أمنية وتنموية واعية تهم الجميع”.
أفق مستقبلي
إن الانتقال بالسجون اليمنية من فكرة “العقاب والاحتجاز” إلى “التأهيل والتمكين” ليس ترفًا، بل هو استحقاق دستوري وضرورة مجتمعية لإرساء السلم الأهلي وسيادة القانون، وتحويل الطاقات المعطلة خلف القضبان إلى سواعد تبني وتساهم في التنمية.
خلف القضبان اليمنية: هل تتحول «العقوبة» من كسر الإرادة إلى صناعة الحياة؟ يمن مونيتور.
مشاهدة خلف القضبان اليمنية هل تتحول laquo العقوبة raquo من كسر الإرادة إلى صناعة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ خلف القضبان اليمنية هل تتحول العقوبة من كسر الإرادة إلى صناعة الحياة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على يمن مونيتور ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، خلف القضبان اليمنية: هل تتحول «العقوبة» من كسر الإرادة إلى صناعة الحياة؟.
في الموقع ايضا :
- لقطة جوية نادرة للمسجد الحرام والكعبة قبل 110 أعوام
- احتجاز اسرة زعيم قبلي يمني!
- اعلان سار لموظفي الدولة
