رحل الجسد، وبقي الصوت. ذلك الصوت الجهوري الرخيم الذي كان يُبث عبر أثير إذاعة وتلفزيون عدن فيحول نشرة الأخبار إلى هيبة، والبيان إلى تاريخ، والكلمة إلى ذاكرة وطن لا تنسى.
إنه أحد أعمدة الإعلام اليمني وأيقوناته: الإعلامي والمذيع القدير "ناصر عبدالحبيب". شيّعته مدينة عدن، بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، حين غيّبه الموت فجر الجمعة 14 أغسطس 2026م، بعد أن أمضى عمراً كاملاً يبني لنا وعياً ويصنع لنا ذاكرة.
عام 1972. كان الميكروفون في إذاعة عدن بوابته الأولى إلى قلوب الناس. هناك في ذلك الاستوديو الخشبي القديم تعلم أن الإعلام أمانة لا وظيفة، وأن الصوت مسؤولية قبل أن يكون حرفة. وفي عام 1985 انتقل إلى تلفزيون عدن، فصار من الجيل المؤسس الذي رسم بيديه ملامح الإعلام البصري في الجنوب.
لم يكن "ناصر عبدالحبيب" مجرد قارئ أخبار يطل من الشاشة، بل كان حاضراً في الشارع، يحمل الكاميرا ويخرج للناس في برامج مثل "الكاميرا والناس" يسمع وجعهم، ويقلب دفاتر الزمن في "حدث في مثل هذا اليوم" فيعيد لنا التاريخ حياً، ويزرع البهجة في بيوتنا بـ "المسابقة العامة" إلى جانب القديرة أمل بلجون، ويوثق لهوية المدينة في "عدن ذاكرة مدينة" و "عدن تقدم" حتى صارت البرامج جزءاً من طقوسنا اليومية.
لأكثر من 54 عاماً ظل ناصر عبدالحبيب عنواناً للانضباط والثقافة والهيبة. تميز بثقافته الواسعة التي كان يقرأ بها ما بين السطور، وبحضوره المهيب الذي كان يفرض الاحترام بمجرد ظهوره، وبشخصيته المستقلة التي لم تساوم يوماً.
كان مدرسة متنقلة بذاتها. تعلم على يديه جيل كامل معنى النطق السليم، وإلقاء الخبر بوقار، واحترام عقل المشاهد والمستمع. كان نبيلاً في تعامله، بعيداً عن الضجيج، قريباً من الكلمة الصادقة. ارتبط اسمه بمرحلة ذهبية من تاريخ الإعلام الوطني، مرحلة كان فيها المذيع هو المرجع، والصوت هو الهوية، والكلمة لها وزنها.
ولعل أبلغ ما تركه لنا، إلى جانب أرشيفه الزاخر، هي وصيته التي قالها عند تكريمه عام 2020: “اهتموا بالإعلاميين المخضرمين، كَرِّموهم واستفيدوا من خبراتهم وهم على قيد الحياة...” كلمات خرجت من قلب رجل رأى بعينيه كيف يُنسى العطاء، وكيف يرحل الكبار بصمت. اليوم رحل هو، وبقيت كلماته تدق في ضمائرنا سؤالاً لا يهدأ.
وهنا أوجه السؤال إلى الجهات المعنية ووزارة الإعلام ونقابة الصحفيين: هل أنصفنا "ناصر عبدالحبيب" في حياته؟ هل منحناه المكانة التي تليق بتاريخه الطويل؟ أم أنه التحق اليوم بقافلة المبدعين الذين رحلوا ولم ينالوا ما كانوا يحلمون به، فلم نتذكرهم إلا في النعي؟
برحيله لا نفقد مذيعاً فقط. نفقد ذاكرة، نفقد مدرسة، نفقد جزءاً أصيلاً من هوية عدن الإعلامية التي لن تعود.
نسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجعل كل حرف نطق به، وكل برنامج قدمه، وكل طالب علمه، في ميزان حسناته. وأن يلهم أهله وذويه وزملاءه ومحبيه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون
البقاء لله وحده.
مشاهدة ناصر عبدالحبيب عندما يصمت صوت عدن
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ ناصر عبدالحبيب عندما يصمت صوت عدن قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على الاول _ من قلب الحدث ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، ناصر عبدالحبيب.. عندما يصمت صوت عدن.
في الموقع ايضا :
- سحب السيارات القديمة في الجزائر.. ما حقيقة قرار 2027؟
- تقرير: إيران تنشر صواريخ ومسيّرات وتجهّز الحوثيين لاستهداف السعودية وتستدعي قدامى محاربيها في العراق
- تجارب ريادية.. شباب الشرقية يصنعون المستقبل في «بيت الثقافة»
