ترك برس
كتب المحلل الاستراتيجي الدكتور عثمان غازي كاندمير مقالاً في صحيفة «إندبندنت تركية» تناول فيه صعوبة فهم العلاقات الدولية من خلال تفسير الأحداث الكبرى بسبب واحد، داعياً إلى تبني رؤية أكثر تعدداً للعوامل والفاعلين والمصالح، مستعيناً باستعارة «القنفذ والثعلب» التي استخدمها المؤرخ الأمريكي جون لويس غاديس.
وأشار كاندمير إلى أن بعض الأسئلة في العلاقات الدولية تبدو إجاباتها سهلة للغاية، إذ يُقال عند اندلاع حرب إن «بريطانيا تقف وراءها»، أو عند وقوع أزمة إن «حلف شمال الأطلسي (الناتو) هو أم كل الشرور»، بينما تُفسر تدخلات الولايات المتحدة في دولة ما بالنفط، وتُختزل الحرب الروسية الأوكرانية في توسع الناتو، والهجوم الإسرائيلي على إيران في الأهداف الإقليمية لإسرائيل.
ولفت إلى أن هذه التفسيرات قد تلامس بعض الحقائق، إلا أن المشكلة تكمن في وضع حقيقة واحدة مكان الحقيقة بأكملها.
وأوضح أن غاديس يستخدم في كتابه «عن الاستراتيجية الكبرى» استعارة قديمة لوصف هذا الميل الذهني، وهي استعارة «القنفذ والثعلب»، التي تعود جذورها إلى الشاعر اليوناني القديم أرخيلوخوس، بينما تعود صياغتها الحديثة إلى المفكر إيزايا برلين. فالقنفذ يرى العالم من خلال فكرة كبرى واحدة، في حين يرى الثعلب أشياء كثيرة في الوقت نفسه.
وأكد أن هذا التمييز مفيد لفهم العلاقات الدولية؛ فـ«القنفذ» يستخرج سبباً رئيسياً واحداً من بين أحداث متعددة، بينما يقبل «الثعلب» بوجود أسباب وفاعلين ومصالح متعددة داخل الحدث نفسه.
وأضاف: «المشكلة أن العالم الحقيقي يبدو في كثير من الأحيان إلى جانب الثعلب».
راحة التفسير الواحد
قال كاندمير إن العقل البشري لا يحب التعقيد، موضحاً أن محاولة فهم أسباب اندلاع حرب من خلال التفكير في عشرة متغيرات في الوقت نفسه أمر مرهق، ولذلك يكون العثور على سبب واحد أمراً مريحاً.
وبهذا تتحول كلمات مثل «النفط» و«الناتو» و«بريطانيا» و«إسرائيل» و«روسيا» و«أمريكا» إلى مفاتيح يُعتقد أنها قادرة على تفسير العملية برمتها.
وتساءل: «لكن هل فُهمت الأحداث فعلاً؟»
وأوضح أن القول إن «الحرب في أوكرانيا اندلعت بسبب الناتو» يترك أسئلة كثيرة بلا إجابة، منها: ما طبيعة رؤية روسيا لتاريخها؟ ولماذا تعتبر موسكو أوكرانيا مهمة؟ وما خيارات أوكرانيا؟ وما الذي كانت الولايات المتحدة تهدف إليه قبل الحرب وبعدها؟ ولماذا لا تتبع الدول الأوروبية السياسة نفسها؟ وكيف تغيرت حسابات روسيا خلال الحرب؟ وماذا تستفيد الصين من هذه الحرب؟
وأكد أن أياً من هذه الأسئلة لا يفسر الحرب بمفرده، لكنها جميعاً تشكل أجزاء من الصورة، معتبراً أن «نظرة الثعلب تبدأ من هنا».
هل يعرف الثعلب كل شيء؟
أجاب كاندمير بالنفي، موضحاً أن تفوق الثعلب لا يكمن في معرفته بكل شيء، وإنما في عدم اختزاله كل شيء في سبب واحد.
وأشار إلى أن التفكير بوجود طرفين فقط في الحرب قد لا يكون كافياً أحياناً، إذ تضم الحرب حكومات وجيوشاً وأجهزة استخبارات ومجتمعات وشركات وحلفاء وقوى منافسة، وقد لا تتطابق أهداف هذه الأطراف.
وأضاف أن الحسابات الأولية تتغير بعد اندلاع الحرب؛ فقد تحدد دولة هدفاً معيناً، ثم تكون مقاومة الخصم أقوى من المتوقع، وترتفع التكلفة الاقتصادية، وتتغير مستويات دعم الحلفاء، أو يظهر نظام أسلحة جديد.
وبذلك تغير الحرب نفسها الحسابات التي كانت قائمة عند بدايتها، وهو ما يتطلب، بحسب الكاتب، «عين الثعلب» لرؤيته.
وهل لا قيمة للقنفذ؟
على العكس، يرى كاندمير أن «القنفذ» يعلمنا أمراً مهماً، وهو أن جميع التفاصيل ليست متساوية في الأهمية.
وأوضح أن الحدث الواحد قد يضم مئات المتغيرات، لكن بعضها أكثر أهمية من الآخر، وأن التحليل الجيد لا يعني سرد جميع التفاصيل، بل القدرة على تحديد التفاصيل الحاسمة.
وأشار إلى أن المشكلة ليست في أن يكون المرء «قنفذاً»، وإنما في عدم تغيير التفسير الكبير الذي اختاره ذات مرة.
وقال إن العالم يتغير، والأحداث تتغير، وسلوك الفاعلين يتغير، لكن إذا واصلنا تكرار الجملة نفسها، فهذا يعني أننا لم نعد نقرأ العالم، بل «نكتب أفكارنا فوق العالم».
«لا بد أن تكون بريطانيا وراء الأمر»
يرى الكاتب أن جزءاً مهماً من نظريات المؤامرة يعمل من خلال هذه الآلية الذهنية، حيث تتكرر عبارات من قبيل: «لا بد أن تكون بريطانيا وراء هذا الأمر».
وأوضح أن هذه العبارة يمكن أن تكون صحيحة، مشيراً إلى أن لبريطانيا مصالح وأنشطة استخباراتية وأهدافاً في السياسة الخارجية عبر التاريخ، وأن البحث في التأثير البريطاني في أي حدث أمر مشروع تماماً.
لكنه شدد على أن كلمة «لا بد» تنهي التحليل، لأن الباحث عندها لا يعود يبحث عن الأدلة، وإنما يبدأ في مواءمة الأدلة مع النتيجة التي اختارها مسبقاً.
وينطبق الأمر نفسه، بحسب كاندمير، على عبارة «الناتو هو أم كل الشرور»، إذ يمكن انتقاد قرارات الحلف وسياسات توسعه ودوره في أزمات معينة، لكن ربط جميع الأزمات الأمنية في العالم بالناتو، والبدء في تفسير حتى التطورات التي لم يكن الحلف طرفاً فيها من خلاله، يحول ذلك من منهج تحليلي إلى شيء آخر.
وقال إن المؤسسة أو الدولة أو الزعيم عندما يتحول إلى سبب لكل شيء، فقد لا يكون ذلك تفسيراً لأي شيء في الحقيقة.
النظر إلى داخل الحرب
اعتبر كاندمير أن أكبر خطأ عند اندلاع الحرب هو الاعتقاد بأن لها قصة واحدة فقط.
فالحرب، وفق الكاتب، لها قصة روسية، وقصة أوكرانية، وقصة أمريكية، وقصة أوروبية، كما أن لها أبعاداً اقتصادية ومرتبطة بالطاقة والتكنولوجيا والسياسة الداخلية.
وأكد أن هذه الأبعاد كلها تحدث في الوقت نفسه وتؤثر في بعضها بعضاً.
وأوضح أن حسابات روسيا تجاه أوكرانيا ليست منفصلة عن المقاومة الأوكرانية، وأن السياسة الأوروبية ليست منفصلة عن السلوك الروسي، فيما يؤثر الدعم الأمريكي في الموقف الأوروبي، وتؤدي مواقف الصين إلى تغيير حسابات كل من روسيا والولايات المتحدة.
وأشار إلى أن علاقة السبب والنتيجة هنا ليست أحادية الاتجاه، قائلاً: «أ يؤثر في ب، وب بدوره يغير أ».
وأضاف أن هذه إحدى الصعوبات الرئيسية في السياسة الدولية.
لننظر مجدداً إلى أوكرانيا وروسيا
قال كاندمير إن الحرب الأوكرانية تقاوم لهذا السبب التفسيرات التي يمكن اختزالها في جملة واحدة.
فعبارة «لأن روسيا إمبريالية» تفسر بعض الأمور، بينما تشرح عبارة «لأن الناتو توسع» جانباً آخر، وتشير عبارة «لأن أوكرانيا اتجهت نحو الغرب» إلى عنصر مختلف، فيما تفتح عبارة «الأهداف الشخصية لبوتين» نافذة أخرى.
لكن تحويل أي من هذه التفسيرات إلى تفسير شامل للحرب يعني، بحسب الكاتب، استبعاد الحقائق الأخرى.
وهنا يُبقي «الثعلب» جميع الاحتمالات مطروحة على الطاولة، ثم يطرح سؤالاً أكثر صعوبة: «أي من هذه العوامل كان حاسماً، وفي أي فترة، وبأي قدر؟»
وأكد أن التحليل الحقيقي يبدأ من هنا.
الحرب على إيران تخضع للاختبار نفسه
يرى الكاتب أن المنهج ذاته يمكن تطبيقه على الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
فهناك من يقول إن «إسرائيل تريد القضاء على القدرات النووية الإيرانية»، وإن «الولايات المتحدة تحمي مصالحها في المنطقة»، وإن «إيران تحاول إبقاء النظام قائماً»، وإن «طرق الطاقة عامل حاسم».
وأشار إلى أن كل هذه التفسيرات فرضيات تستحق البحث، لكن لا ينبغي مسبقاً وضع أي منها مكان التفسير الكامل.
وأوضح أن الأهداف قد تتغير أثناء استمرار الحرب، كما يمكن أن تتغير حسابات التكاليف لدى الفاعلين.
وأضاف أن التوازنات الداخلية في إيران، والتصور الأمني الإسرائيلي، وأولويات واشنطن يمكن أن تتغير، كما يمكن للدول الأخرى في المنطقة أن تتخذ مواقف مختلفة.
وبالتالي، فإن تفسيراً يبدو صحيحاً في اليوم الأول للحرب قد يصبح غير كافٍ بعد بضعة أشهر.
قراءة العالم
خلص كاندمير إلى أن فهم العلاقات الدولية يتطلب انضباطاً ذهنياً، مشيراً إلى أن العثور على العدو نفسه في كل حدث أمر سهل، والبحث عن القوة نفسها خلف كل حرب أمر سهل، كما أن تفسير كل أزمة من خلال أيديولوجية واحدة أمر سهل.
لكن الصعب، بحسب رأيه، هو الدخول إلى داخل الحدث، والنظر في ما يريده الفاعلون، وما يعرفونه وما يجهلونه، والخيارات المتاحة أمامهم، وكيف يمكن أن يرد الخصم.
وأكد أن الأهم هو قبول حقيقة أن الأحداث لا تتشكل بالضرورة كما نتوقع، وإنما نتيجة حسابات الفاعلين أنفسهم وتحركاتهم المتبادلة.
وقال إن «القنفذ» يعلمنا ألا نفقد الصورة الكبرى، بينما يذكرنا «الثعلب» بأن الصورة الكبرى لا تتكون من خط واحد.
وخلص إلى أن الشخص الذي يريد فهم العلاقات الدولية ربما لا ينبغي له الاختيار بين الاثنين، بل عليه أولاً أن يبسط السؤال مثل «القنفذ»، ثم يشكك فيه مثل «الثعلب».
وختم بالقول إن أسهل طريقة لفهم العالم هي العثور على إجابة واحدة، لكن الإجابة الصحيحة تتطلب في كثير من الأحيان طرح عدة أسئلة في الوقت نفسه.
مشاهدة النظر إلى العالم بعين laquo القنفذ والثعلب raquo لفهم العلاقات الدولية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ النظر إلى العالم بعين القنفذ والثعلب لفهم العلاقات الدولية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، النظر إلى العالم بعين «القنفذ والثعلب» لفهم العلاقات الدولية.
في الموقع ايضا :
- سحب السيارات القديمة في الجزائر.. ما حقيقة قرار 2027؟
- تقرير: إيران تنشر صواريخ ومسيّرات وتجهّز الحوثيين لاستهداف السعودية وتستدعي قدامى محاربيها في العراق
- التلفزيون السوري: قوات الاحتلال “الإسرائيلي” تقصف بالمدفعية تل الأحمر الشرقي في ريف القنيطرة عاجل
