كتبت Bélinda Ibrahim لـ”Ici Beyrouth“:
غالبًا ما يُحكى عن لبنان بذكر أزماته، وحروبه، وقادته. غير أنّ ثمة أماكن، متناثرة بين الجبال والوديان، والمدن، تروي قصصًا أخرى عن هذا البلد. عواصم قديمة، وخطوط سكك حديد مهجورة، ومعابد خفية، ومصحات متروكة، ومواقع أثرية مجهولة، جميعها تشهد بصمت على عصور مضت. سلسلة لإعادة اكتشاف لبنان من خلال أماكن أسهمت في تشكيل هويته.
في قلب أسواق صيدا، يخفي باب يكاد يكون مجهولًا نوافير، وفسيفساء، وأعمالًا خشبية، وصالونات. غير أنّ قصر دبّانة ليس مجرد بيت عثماني جميل. فبعد أن بُني، ووُسّع، وتحوّل، ثم رُمّم على امتداد ثلاثة قرون، تروي جدران القصر تحولات مدينة والنخب فيها.
وفي أسواق صيدا، لا توحي الواجهات الخارجية دائمًا بما تخفيه وراءها. إذ يسير المرء بمحاذاة جدران صمّاء، وأبواب ضيقة، وممرات لا يكاد الضوء يتسلّل إليها، من دون أن يخطر له أنّ أفنية وحدائق قد تنفتح على بُعد أمتار قليلة. وينتمي قصر دبّانة تمامًا إلى هذه العمارة القائمة على المفاجأة. فمن الشارع، لا شيء يدل حقًا على رحابته. وبمجرد عبور العتبة يتّسع الفضاء: يوزّع الفناء الغرف، ويتناوب الحجر بين درجاته الفاتحة والداكنة، وتغطي الفسيفساء الأرضيات، وتمتدّ الأعمال الخشبية إلى الأسقف، وتندمج مياه النوافير في المشهد. فالثروة لم تُوجَّه إلى عابري السبيل، بل كانت حكرًا على داخل البيت، وساكنيه، وزائريه.
ربما ينبغي قراءة تاريخ القصر من هذا الباب، بدلًا من اختزاله في تعاقب المالكين والتواريخ. فما نسمّيه اليوم قصر دبّانة لم يُصمَّم دفعة واحدة، ولا حتى على يد العائلة الّتي يحمل اسمها. فالبيت حصيلة عصور متعاقبة، تراكمت فيها طبقات بعضها فوق بعض، منذ صيدا العثمانية في القرن الثامن عشر، مرورًا بالتحوّلات الّتي أدخلتها عائلة كبيرة من التجّار، وصولًا إلى آثار الحرب وأعمال الترميم المعاصرة.
بيت على مقياس صيدا العثمانية
نذكر في البداية نجد علي آغا الحمّود، وهو وجيه صيداوي نافذ ارتبط بالإدارة العثمانية، وجباية الضرائب، وقيادة فرق من الإنكشارية. ففي عام 1721، شيّد الأخير مسكنه في جزء المدينة الشرقي، بالقرب من باب بيروت. ونُظّم المشروع حول برج علي، وهو البرج الّذي سيشكّل نواة المجمّع الأولى. ويؤكد نقش مؤرخ في 1730-1731، محفوظ فوق باب قاعة الاستقبال الكبرى، أنّ علي آغا هو الّذي كلّف ببناء القصر.
يفسّر هذا الأصل جانبًا من فرادة المبنى. فقد نشأ المسكن في مدينة كانت لا تزال منكمشةً خلف تحصيناتها، حيث عاشت العائلات الكبرى على تماس مباشر مع الأسواق، والأبواب، ومراكز السلطة. ولم يُفصَل آنذاك بشكل واضح بين القصر الأرستقراطي والمدينة التجارية؛ فالبيت اندمج في نسيجها العمراني الكثيف، لكنّه تحصّن في مواجهته بعمارة متجهة إلى الداخل.
وهكذا، أصبح الفناء المركزي قلب المسكن الحقيقي. فهو الّذي جلب الضوء، ووزّع المساحات، وأمّن متنفسًا في قلب المدينة القديمة. وانتظمت حوله الغرف المخصّصة للسكن وتلك المخصّصة للاستقبال، وفق تراتبية نظمت الحياة العائلية كما نظمت الحضور الاجتماعي.
ويُعتبر حاليًّا السلاملك، المخصّص للاستقبال بشكل خاص، الجزء الأبرز المتبقي من مخطط القرن الثامن عشر. ويجد الزائر فيه مفردات العمارة العثمانية المشرقية الّتي لا يمكن حصرها في تأثير واحد. فالليوان والديوانات ينظّمان الفضاء، بينما تؤلف الفسيفساء متعددة الألوان، والمقرنصات، والنوافير، والأسقف المنحوتة من خشب الأرز، زخرفةً ذات صلات واضحة بالبيوت الدمشقية الكبرى. ويعزز تناوب الأحجار الفاتحة والداكنة، أو الأبلق، هذا الحوار مع العمارة السورية.
وهكذا، وبقدر ما يستعرض الثراء، يروي البيت أسلوبًا في السكن ونمطًا في الحياة. فالفخامة لا تتركّز في واجهة ضخمة، بل تتجسّد في تفاصيل الحياة الداخلية، وفي استقبال الزوار، والاجتماعات العائلية، والتماس البرودة والانتعاش في الصيف، والصلة الدائمة بين الغرف المسقوفة والفضاءات المفتوحة.
مسكن يتغيّر مع سكّانه
فتح تراجع نفوذ حمّود مرحلة جديدة. ففي القرن التاسع عشر، جرى تقسيم الملكية، وتأجيرها، والتنازل عنها تدريجيًّا لعائلات مختلفة. وهنا أتاحت الوثائق توضيح قصة طالما جرى تبسيطها. فبحسب تقليد عائلة دبّانة، يعود استقرارها إلى عام 1800، لكنّ وثائق عقارية درستها مؤرخة العمارة ماي دافي وثّقت عام 1859 شراء أسين خلات، زوجة يوسف دبّانة، التاجر المقيم في صيدا، أجزاء متعددة من المسكن، من بينها السلاملك. وتدريجيًّا، دخلت الدار في ذاكرة المدينة تحت اسم هذه العائلة.
لم يحوّل آل دبّانة ملكيتهم إلى مزار للقرن الثامن عشر. فقد عاشوا فيها، والبيت يتغيّر مع تغيّر شاغليه. كبرت العائلة، وتبدّلت الاحتياجات، وكذلك الأذواق. وبين عاميْ 1917 و1920، أُضيف مستويان جديدان بلغة معمارية تأثرت أكثر بالنزعات الكلاسيكية الجديدة المشرقية والغربية. وأقيم رواق فوق الفناء القديم، وأخذت النوافذ الزجاجية الملوّنة ترشّح الضوء، فيما ربط درج داخلي المساحات الجديدة بالطوابق الأقدم.
وفي القمة تظهر “الطيّارة”، تلك الغرفة المرتفعة الّتي تشرف على الأسطح. وتشكّل الأخيرة نقيضًا لافتًا لتنظيم المسكن الأولي: فبعد بيت بُني لحجب الداخل عن أنظار الشارع، يظهر هنا فضاء صُمّم للنظر إلى البعيد. ومن هناك، تدخل صيدا القديمة إلى البيت، بأسطحها وأريافها وبحرها.
وهكذا، أصبح القصر أكثر إثارة للاهتمام من مجرد مسكن عثماني محفوظ على نحو مثالي. فهو، في الواقع، كان أبعد ما يكون عن ذلك؛ إذ تجاورت فيه طبقات من عصور مختلفة. وظلّ القرن الثامن عشر، زمن آل حمّود، حاضرًا تحت تحوّلات آل دبّانة؛ وجاور الذوق الدمشقي إضافات لاحقة؛ واستمرّ منطق دفاعي قديم في ظل منطق البيت البرجوازي. وعدّل كل جيل المبنى من دون أن ينجح تمامًا في محو آثار الماضي.
واتصلت هذه العمارة المتراكبة بتاريخ صيدا. ففي عهد علي آغا حمّود، بقيَ نفوذ العائلات الكبرى معتمدًا بدرجة كبيرة على وظائف الإمبراطورية العثمانية الإدارية، والضريبية، والعسكرية. وبعد قرن، أصبح آل دبّانة أقرب إلى عالم التجار ورجال الأعمال الّذين يحرّكون رؤوس الأموال والبضائع. وتغيّر المجتمع، ومعه البيت.
من البيت العائلي إلى تراث المدينة
حمل القرن العشرون قطيعة أشدّ وطأة. ففي عام 1968، أُدرج القصر في سجل الآثار التاريخية اللبنانية. وبعد سنوات قليلة اندلعت الحرب الأهلية. وغادرت العائلة المكان، وتعاقب على المسكن قاطنون كثر، ألحقوا به أضرارًا جسيمة. ومنذ عام 1978، استقر فيه لاجئون فلسطينيون، وتلت ذلك عمليات إشغال أخرى في خلال النزاع. وتعرضت الغرف، والأعمال الخشبية، والزخارف، لتبعات الاستخدام المكثف، في مرحلة أصبح فيها الحفاظ على التراث أمرًا ثانويًّا أمام ضرورات الحرب.
مع ذلك، نجا القصر. وقد فرض هذا البقاء، بعد الحرب، سؤالًا مختلفًا عن ذلك الّذي طرحه قاطنوه السابقون: كيف التعامل مع مسكن عائلي عندما تتجاوز أهميته تاريخ عائلة واحدة؟
تبلورت الإجابة في أواخر تسعينيات القرن العشرين مع إنشاء مؤسسة دبّانة. وبدأت أعمال الترميم نحو عام 2000، وسعت إلى الحفاظ على الفترات المختلفة الّتي عرفها البيت، بدل إعادته بصورة مصطنعة إلى حالته الأصلية. وكان الهدف تحويل القصر إلى متحف، وعلى نطاق أوسع، إلى مكان يمكن فيه فهم تاريخ صيدا المنزلي من خلال العمارة بحد ذاتها.
وهذا ما يميز قصر دبّانة عن متحف أُقيم في داخل مبنى قديم. فهنا يشكّل المبنى المجموعة الأولى. وتكمّل الأشياء، والأثاث، والعناصر الزخرفية الرواية، لكنّ مسارات الحركة، والأحجام، والتحولات، وحتى التناقضات المعمارية، هي الّتي تمنح المكان قيمته. فمن غرفة تعود إلى القرن الثامن عشر ننتقل إلى إضافة من القرن العشرين من دون أن نغادر التاريخ العائلي عينه.
من هنا، يكفي أن نسلك الطريق المعاكس وننزل مجددًا نحو الأسواق. بعد الفسيفساء، والأسقف المنحوتة، والصالونات، والطيّارة المفتوحة على المدينة، نعود إلى الباب المتواضع الّذي بدأت منه الحكاية بكاملها. ويبدو الباب شبه أصغر من أن يحتوي ما مررنا به للتو.
مع ذلك، يشكل هذا جوهر المكان برمته. فقصر دبّانة لا يروي حكاية صيدا من خلال الهيمنة على المدينة، بل من خلال اختبائه فيها. فقد تعاقب خلف جدرانه وجيه عثماني، وعائلة من التجار، وأجيال متعددة من السكان، واحتلالات في خلال الحرب، ثم المرممون الّذين جاؤوا لإنقاذ ما كان إنقاذه لا يزال ممكنًا. وتغيّرت المدينة من حوله، فيما سجّل البيت كل تحول من هذه التحولات في حجارته. وبعد ثلاثة قرون، يكفي دائمًا دفع بابه كي نستعيدها.
المقال التالي: نبع اللبن، القوس الّذي نحتته الجبال
لماذا يخفي القصر ثراءه؟
من السوق، لا يكشف قصر دبّانة تقريبًا شيئًا عن صالوناته، ونوافيره، وزخارفه. ويعبّر هذا التكتّم عن مبدأ مميّز للبيوت الكبرى في بلاد الشام خلال العهد العثماني: فالبيت يحمي الحياة العائلية من الأنظار الخارجية، ويُظهر ثراءه في فضاءاته الداخلية بدلًا من استعراضه في واجهة ضخمة.
وهكذا، يشكل الفناء قلب المسكن الحقيقي. فهو يؤمن الضوء والانتعاش، ويوزّع الغرف المختلفة، وينظّم الانتقال بين المساحات الخاصة وأماكن الاستقبال. وتتعاقب حوله اللياوين، والديوانات، والصالونات، وتزيّنها الفسيفساء، والأعمال الخشبية المنحوتة، والمقرنصات، والنوافير. فالثراء حاضر بكل وضوح، لكنّه لا يتوجّه إلى الشارع. إذ لا بد من عبور الباب في قصر دبّانة حتى تبدأ العمارة في الكلام.
قصر دبّانة… بيت يروي حكاية صيدا هنا لبنان.
مشاهدة قصر دب انة hellip بيت يروي حكاية صيدا
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ قصر دب انة بيت يروي حكاية صيدا قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هنا لبنان ( لبنان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، قصر دبّانة… بيت يروي حكاية صيدا.
في الموقع ايضا :
- اندلاع حريق كبير بمستودع للوقود في السليمانية
- الرئيس الأمريكي ترامب يخسر جولة جديدة أمام المحكمة العليا في قضية الاعتداء الجنسي والتشهير بـ إي. جين كارول
- ØªÙØ§ØµÙ Ø§ÙØ£Ù Ø³ÙØ§Øª Ø§ÙØ«ÙاÙÙØ© ÙÙ Ù Ø¯ÙØ±ÙØ© ٠عÙÙ Ø¨Ù ÙØ§Ø³Ø¨Ø© Ø°ÙØ±Ù اÙÙ ÙÙØ¯ اÙÙØ¨ÙÙ
