يُعدّ العنف داخل الأسرة والعلاقات العاطفية من أكثر الظواهر الاجتماعية والقانونية تعقيدًا، ليس فقط بسبب خطورة الأفعال التي يمكن أن تنتج عنه، وإنما أيضًا بسبب تعدد صوره والأشخاص الذين يمكن أن يكونوا ضحايا له. فالعنف قد يكون جسديًا، لكنه قد يتخذ أيضًا صورًا نفسية أو لفظية أو اقتصادية، وقد يقع بين الزوجين، أو بين الآباء والأبناء، أو داخل علاقات عاطفية من الجنس نفسه.
وتثير الصفحات التي تناولتها الباحثة الإسبانية Estefanía Ros Cordón في كتابها حول الجريمة المعاصرة مسألة مهمة: إلى أي حد تستطيع التشريعات، عندما تنطلق من تصور محدد للضحية والمعتدي، أن تستوعب جميع صور العنف الواقعة داخل الأسرة والعلاقات العاطفية؟
وهو سؤال يستحق النقاش أيضًا في السياق المغربي.
من العنف القائم على النوع الاجتماعي إلى مفهوم أوسع للعنف الأسري
يميز السياق الإسباني بين مفهومين ينبغي عدم الخلط بينهما: العنف القائم على النوع الاجتماعي (violencia de género) والعنف الأسري (violencia doméstica).
فبحسب العرض الوارد في الكتاب، يرتبط المفهوم الأول في التشريع الإسباني، في نطاقه القانوني الخاص، بالعنف الذي يمارسه الرجل على امرأة تربطه بها أو سبق أن ربطته بها علاقة عاطفية. ولذلك أقام المشرع الإسباني نظامًا خاصًا للحماية والتدخل القضائي والمؤسساتي في هذه الحالات.
أما العنف الأسري فهو أوسع من حيث الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا أطرافًا فيه، إذ قد يقع بين الأزواج أو الأقارب أو الآباء والأبناء وغيرهم ممن تجمعهم روابط أسرية.
وتكمن أهمية هذا التمييز في أن العنف داخل الأسرة لا يسير دائمًا في اتجاه واحد.
فقد تكون المرأة ضحية للعنف، وهو واقع اجتماعي خطير استدعى حماية تشريعية ومؤسساتية خاصة، لكن الرجل يمكن بدوره أن يكون ضحية، كما يمكن للآباء أن يتعرضوا للعنف من أبنائهم، وقد يقع العنف كذلك داخل علاقة عاطفية بين شخصين من الجنس نفسه.
وهنا تنتقل المسألة من سؤال: من هو المعتدي؟ إلى سؤال أكثر شمولًا: ما هو الفعل العنيف، ومن يحتاج إلى الحماية منه؟
العنف لا يعني الضرب فقط
من النقاط المهمة التي يبرزها النص الإسباني أن اختزال العنف في الاعتداء الجسدي يؤدي إلى إخفاء جزء كبير من الظاهرة.
فإلى جانب الضرب والدفع والاعتداءات الجسدية، قد يظهر العنف في صورة الإهانة والتحقير والصراخ والتهديد والتلاعب النفسي والابتزاز العاطفي والسيطرة الاقتصادية.
وهذا الجانب مهم قانونيًا واجتماعيًا؛ لأن الضحية التي لا تحمل آثارًا ظاهرة للاعتداء قد تكون مع ذلك تعيش داخل علاقة تقوم على الخوف أو الإذلال أو السيطرة المستمرة.
بل إن بعض أشكال العنف قد تكون أكثر صعوبة في الإثبات من الاعتداء الجسدي نفسه، خصوصًا عندما تقع داخل فضاء مغلق ولا يشهد عليها الغير.
عندما يصبح الأب أو الأم ضحية للابن
من أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في الدراسة الإسبانية ما تسميه العنف من الأبناء تجاه الآباء (violencia filio-parental).
والمقصود به السلوك الذي يمارسه الأبناء لإلحاق أذى جسدي أو نفسي أو حتى مالي بآبائهم.
فالاعتداء هنا قد يتمثل في الضرب أو التهديد، ولكنه قد يظهر أيضًا في سرقة أموال الوالدين أو تحميلهما ديونًا، أو ممارسة ضغط نفسي متواصل عليهما.
واللافت أن هذا النوع من العنف قد يبقى خفيًا مدة طويلة.
فالأسرة تُعامل تقليديًا باعتبارها مجالًا خاصًا، كما أن الأب أو الأم قد يجد صعوبة كبيرة في الإبلاغ عن ابنه، إما بسبب الخوف عليه أو الشعور بالذنب أو الأمل في تغير سلوكه أو خشية نظرة المجتمع.
لذلك قد لا تعكس الشكايات والأرقام الرسمية الحجم الحقيقي للظاهرة.
وهل يمكن أن يكون الرجل ضحية للعنف الزوجي؟
تطرح الدراسة أيضًا مسألة أقل حضورًا في النقاش العام، وهي العنف الذي تمارسه المرأة ضد الرجل داخل العلاقة الزوجية أو العاطفية.
ولا يعني الاعتراف بهذه الصورة التقليل من خطورة العنف الممارس ضد النساء أو تجاهل خصوصياته الاجتماعية والتاريخية. وإنما يعني ببساطة أن حماية المرأة من العنف لا ينبغي أن تستلزم إنكار وجود ضحايا آخرين.
وتشير المؤلفة إلى أن العنف ضد الرجل قد يكون جسديًا أو لفظيًا أو نفسيًا أو اقتصاديًا، وأن إحدى المشكلات التي تواجه الرجل الضحية تتمثل في الحاجز الاجتماعي أمام التبليغ.
فالصورة التقليدية للرجل باعتباره الطرف الأقوى قد تجعل الاعتراف بالتعرض للعنف أمرًا محرجًا بالنسبة لبعض الضحايا، كما قد تجعل المحيط الاجتماعي أقل استعدادًا لتصديقهم أو التعامل بجدية مع معاناتهم.
وهنا تظهر فكرة مهمة: المساواة أمام الحماية القانونية لا تعني بالضرورة إنكار أن بعض الفئات قد تحتاج إلى حماية خاصة، وإنما تعني أيضًا ألا يُترك ضحية بلا حماية بسبب جنسه.
العلاقات بين أشخاص من الجنس نفسه تكشف إشكالًا آخر
تناقش الدراسة الإسبانية كذلك ما تسميه violencia intragénero، أي العنف داخل العلاقات العاطفية بين أشخاص من الجنس نفسه.
فالأنماط السلوكية قد تكون مشابهة لما يقع في علاقات أخرى: السيطرة، الاعتداء الجسدي، العنف النفسي، الاعتماد الاقتصادي، الخوف، والعزوف عن التبليغ.
لكن الإشكال الذي تعرضه المؤلفة في الحالة الإسبانية هو أن النظام القانوني الخاص بـviolencia de género صُمم أساسًا لمواجهة عنف الرجل ضد المرأة في إطار علاقة عاطفية سابقة أو قائمة، مما يجعل حالات أخرى تُعالج في إطار قانوني مختلف، ومنها قواعد العنف الأسري في القانون الجنائي.
وتثير المؤلفة من هنا مسألة المساواة في الوصول إلى الحماية والخدمات والمساعدة النفسية والقانونية والاقتصادية، حتى لا تتحول خصوصية التصنيف القانوني إلى تفاوت غير مبرر في حماية الضحايا.
ماذا عن المغرب؟
هذه المناقشة الإسبانية تكتسب أهمية خاصة إذا نقلنا السؤال إلى المغرب.
فقد شكل القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء محطة أساسية في تطوير الحماية القانونية للمرأة من العنف، وأدخل آليات ومقتضيات ترمي إلى مواجهة عدد من صور العنف والإيذاء التي يمكن أن تتعرض لها النساء.
لكن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند هذا الحد.
فالأسرة المغربية، شأنها شأن أي مجتمع، قد تعرف صورًا مختلفة من النزاع والعنف: عنف الزوج ضد الزوجة، وعنف الزوجة ضد الزوج، وعنف الآباء ضد الأبناء، وعنف الأبناء ضد الآباء، والعنف بين الأقارب.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين أمرين.
الأول هو ضرورة استمرار الحماية الخاصة للنساء عندما تكشف الوقائع الاجتماعية عن تعرضهن لأنماط معينة من العنف بصورة تستدعي تدخلًا تشريعيًا ومؤسساتيًا خاصًا.
أما الثاني فهو ضرورة وجود منظومة عامة وفعالة لحماية كل شخص من العنف الأسري بصرف النظر عن كونه رجلًا أو امرأة، أبًا أو أمًا أو ابنًا.
وهذا ليس تناقضًا.
فيمكن للقانون أن يقر حماية خاصة لفئة معرضة بصورة أكبر لنوع معين من الاعتداء، وفي الوقت نفسه يضمن حدًا أدنى قويًا ومتكافئًا من الحماية لكل ضحية.
المشكلة ليست في العقوبة وحدها
لعل أهم ما يمكن استخلاصه من التجربة التي يعرضها الكتاب الإسباني أن مكافحة العنف الأسري لا تتحقق بالنص الجنائي وحده.
فالضحية قد تحتاج قبل الوصول إلى المحكمة إلى الاستماع والتوجيه والمساعدة النفسية والاجتماعية والحماية العاجلة. وقد تحتاج الأسرة نفسها، في بعض الحالات، إلى تدخل اجتماعي أو تربوي قبل أن يصل النزاع إلى مرحلة يصعب معها الإصلاح.
وتتضح هذه الفكرة بصورة أكبر في حالات عنف الأبناء ضد الآباء. فالدراسة الإسبانية تشير إلى أهمية التدخل على مستوى الأسرة والقاصر معًا: استعادة الحدود داخل الأسرة، تطوير قدرة الشاب على التحكم في اندفاعه، تنمية التعاطف والمهارات الاجتماعية، ووضع قواعد أسرية واضحة.
أي أن السياسة الجنائية الناجحة لا ينبغي أن تسأل فقط: كيف نعاقب المعتدي؟ بل كذلك: كيف نمنع ظهور العنف أصلًا؟ وكيف نحمي الضحية قبل أن يصبح الضرر غير قابل للإصلاح؟
نحو مفهوم شامل للحماية من العنف الأسري
ربما يكون الدرس الأهم في المقارنة بين النقاش الإسباني وما يمكن أن يثار في المغرب هو ضرورة تجاوز التصورات الجامدة.
فالاعتراف بخطورة العنف ضد النساء لا يستلزم إنكار العنف ضد الرجال. والحديث عن الآباء باعتبارهم مسؤولين عن حماية الأبناء لا يعني أن الأب أو الأم لا يمكن أن يتحولا بدورهما إلى ضحيتين لعنف الابن. كما أن وجود قوانين خاصة بفئة معينة لا ينبغي أن يؤدي إلى وجود ضحايا لا يجدون مسارًا واضحًا وفعالًا للحماية.
والقانون، في نهاية المطاف، لا ينبغي أن يبدأ من افتراض مسبق بأن المعتدي دائمًا شخص معين والضحية دائمًا شخص آخر، بل من الفعل نفسه: هل هناك عنف؟ هل هناك تهديد أو إكراه أو إذلال أو اعتداء أو سيطرة؟ وهل هناك شخص يحتاج إلى حماية فعالة؟
لذلك فإن تطوير السياسة القانونية المغربية في مجال العنف الأسري يمكن أن يقوم على معادلة متوازنة: الحفاظ على الحماية الخاصة التي تبررها أوضاع فئات معينة، وفي الوقت نفسه بناء تصور شامل للعنف داخل الأسرة يضع كرامة الإنسان وسلامته في مركز الحماية القانونية.
فالعنف لا يصبح أقل خطورة بسبب جنس الضحية، ولا يصبح مقبولًا لأنه وقع خلف باب منزل مغلق.
والقاعدة التي ينبغي أن تجمع الجميع بسيطة: لا ينبغي أن يكون البيت مكانًا يخاف فيه الإنسان ممن يفترض أن يكونوا أقرب الناس إليه.
مشاهدة العنف داخل الأسرة والعلاقات العاطفية هل تكفي صورة laquo الرجل المعتدي
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ العنف داخل الأسرة والعلاقات العاطفية هل تكفي صورة الرجل المعتدي والمرأة الضحية لفهم الظاهرة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على اليوم 24 ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، العنف داخل الأسرة والعلاقات العاطفية: هل تكفي صورة «الرجل المعتدي والمرأة الضحية» لفهم الظاهرة؟.
في الموقع ايضا :
- لبنان يتعرض لقصف عنيف الآن.. غارات بصواريخ ارتجاجية على علي الطاهر ودوحة كفررمان
- بين المحو والإسقاط.. الشق القانوني للعفو الشامل والعفو عن العقوبة
- ترامب يعلن عن "أقوى عملية اقتصادية على الإطلاق" ضد إيران.. ما القصة؟
