إسبانيا تأتي أيضاً من الجنوب ...المغرب

اليوم 24 - اخبار عربية
إسبانيا تأتي أيضاً من الجنوب

تستطيع إسبانيا، بل ويحق لها، أن تدافع عن مصالحها في مواجهة الدولة المغربية. لكنها ليست في حاجة إلى تحويل كل خلاف مع الرباط إلى دليل يؤكد أن عدواً تاريخياً يتربص بها على الضفة الأخرى من المضيق، ولا إلى إسقاط هذه الريبة على الهجرة والمغاربة المقيمين في البلاد. فتاريخ الأندلس والريف والحماية يساعد على فهم منشأ هذا المتخيل، والأسباب التي تجعل اليمين المتطرف قادراً، إلى اليوم، على إعادة تنشيطه.

قضيت نصف حياتي أدرس تاريخ بلد ليس بلدي، ومع مرور السنوات تعلمت أيضاً أن أحبه بتناقضاته. ومن موقع هذا القرب — لا من موقع الرغبة في إعطاء الدروس — أكتب هذه السطور.

    لقد اعتادت إسبانيا أن تنظر شمالاً كي تتعرف إلى نفسها، وجنوباً كي تتميز عن غيرها. فهي تتماهى مع أوروبا كما لو أن هذا الانتماء يقتضي إقامة حدود ثقافية في مواجهة المغرب الكبير. وهكذا يبدو المغرب، على الرغم من قربه، بلداً بعيداً: جاراً على الخريطة، وغريباً في المخيال.

    ومن يعرفون الضفتين يدركون مدى المفارقة التي تنطوي عليها هذه المسافة: فأربعة عشر كيلومتراً قد لا تعني سوى رحلة بحرية قصيرة، لكنها قد تتحول، في الوقت نفسه، إلى هوة سحيقة مليئة بالأحكام المسبقة.

    ذاكرة انتقائية

    لم يكن الأمر دائماً على هذا النحو. فتاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية يخترقه تأثير مسيحي وإسلامي ويهودي. ولم يبق أي من هذه المكونات ثابتاً أو معزولاً عن المكونات الأخرى. لقد تصارعت وتعايشت وتاجرت وترجمت معارف بعضها بعضاً، وتأثرت وتغيرت بصورة متبادلة. لم تنشأ إسبانيا من جذر واحد، بل من تاريخ متعدد، أُعيد تنظيمه لاحقاً لمنح دور البطولة للمنتصرين.

    دافع أميريكو كاسترو، في كتابه إسبانيا في تاريخها: المسيحيون والمورو واليهود، عن فكرة مفادها أن الهوية الإسبانية لا يمكن تفسيرها من دون التفاعل بين الجماعات الثلاث. وقد أثارت أطروحته جدلاً، ولا سيما لدى كلاوديو سانشيث ألبورنوث، ولا ينبغي تحويلها إلى عقيدة جديدة. لكنها تحتفظ بحدس أساسي: لم يكن المكونان الإسلامي واليهودي مجرد مرحلتين خارجيتين عن تاريخ إسبانيا، بل كانا عنصرين فاعلين في تشكلها.

    لا تكمن المشكلة في أن إسبانيا نسيت الأندلس أو سفاراد نسياناً كاملاً. فمعالمهما تُرمم، وأحياؤهما التاريخية تستقطب الزوار، وإرثهما يُعرض في المتاحف والحملات السياحية. لكن ما لا يزال قائماً هو نوع من التملك الانتقائي: يُحتفى بجمال الموروث، بينما يُحرص على إبقاء الذين صنعوه بعيدين. يُعجب الناس بالعمل، في حين يُراد لمبدعيه أن يظلوا محبوسين، في هدوء، داخل الماضي.

    قصر الحمراء رمز إسباني، بينما لا يزال البعد الإسلامي من التاريخ الوطني يُعامل، في كثير من الأحيان، باعتباره حضوراً أجنبياً. ويُعد مسجد قرطبة مصدر اعتزاز تراثي، في حين قد يثير بناء مسجد معاصر مشاعر الريبة. كما يُثمّن الإرث السفارادي، بينما يظل طرد اليهود هامشياً داخل السردية الانتصارية لسنة 1492.

    ثمة شيء إنساني جداً، وإن كان من الصعب الاعتراف به، في هذا التناقض: نحن نحب أن نتلقى إرثاً، شرط ألا نُضطر إلى الاعتراف الكامل بمن تركوه لنا.

    ولا يعني الاعتراف بهذه الموروثات القول إن الإسبان اليوم أندلسيون أو مسلمون أو سفاراديون. فالهويات الجماعية ليست جواهر نقية تنتقل عبر القرون، بل هي بنيات متغيرة صنعتها الاتصالات والصراعات وعمليات التملك. ولا يتعلق الأمر أيضاً بتصوير الأندلس على أنها جنة للتعايش. فقد شهدت تبادلات مثمرة، لكنها عرفت كذلك التفاوت والاضطهاد والحروب.

    إن استبدال أسطورة إسبانيا المسيحية منذ الأزل بأسطورة الانسجام الكامل بين الثقافات الثلاث لا يعني سوى إحلال تبسيط محل تبسيط آخر.

    وتغدو الصعوبة أكثر وضوحاً من الناحية السياسية حين ينظر جزء من النقاش العام الإسباني إلى المغرب. فالبلدان تفصل بينهما حدود، وتقوم بينهما خلافات بشأن الهجرة والمياه الإقليمية والتجارة والأمن والسيادة. وليس هناك ما يفرض إضفاء طابع مثالي على علاقتهما أو إخفاء خلافاتهما. غير أن تحليل قرارات الدولة المغربية شيء، وتحويل المغرب إلى عدو تاريخي لإسبانيا شيء آخر.

    وبوصفي مغربياً، لا أنتظر نظرة متساهلة تجاه بلدي. فللمغرب مشكلات داخلية وقرارات قابلة للنقاش وسياسات يتعين انتقادها. لكن ما يصعب قبوله هو أن تؤدي بعض الخلافات إلى إيقاظ الشخصية نفسها النائمة في الذاكرة الإسبانية: صورة «المورو» المهدِّد، أي المسلم أو المغربي كما صاغه المخيال الإسباني القديم، المتربص على الضفة الأخرى من المضيق.

    من ريف عبد الكريم إلى «المورو» المعاصر

    تنبع هذه الصورة أيضاً من ذاكرة استعمارية مبتورة. فحروب الريف وكارثة أنوال والحماية والمقاومة التي قادها محمد بن عبد الكريم الخطابي لا تحتل سوى مكانة ثانوية في المعرفة التاريخية لدى قطاع واسع من المجتمع الإسباني. ويقترن المغرب بالهزائم والصدمات العسكرية والتهديدات، بينما نادراً ما تُدرس تجربة الشعوب التي خضعت للاستعمار.

    كرست ماريا روسا دي مادارياغا جانباً كبيراً من أعمالها لإعادة بناء هذا التاريخ المسكوت عنه. وأظهرت، في كتب مثل إسبانيا والريف وفي وادي الذئب والمغرب، ذلك المجهول الكبير، إلى أي حد ارتبط شمال المغرب بالتطور السياسي والعسكري لإسبانيا المعاصرة.

    من الصعب، من دون الريف، فهم أزمة نظام ألفونسو الثالث عشر الملكي، والدور البارز لجيش إفريقيا، وصعود بعض العسكريين — ومن بينهم شخص يدعى فرانسيسكو فرانكو، كان سيحظى لاحقاً بشيء من الأهمية في تاريخ إسبانيا — ثم الحرب الأهلية في نهاية المطاف.

    استخدم القادة الفرانكويون جنوداً جرى تجنيدهم في الأراضي الخاضعة للاستعمار، واستفادوا، في الوقت نفسه، من الخوف التاريخي الذي كانت تثيره صورة «المورو». ولم تسلم الدعاية الجمهورية تماماً من هذا الإطار بدورها، إذ قُدّم المقاتل المغربي باعتباره قاسياً وعنيفاً وغريباً، بينما تراجع إلى الخلف الاستعمار والفقر وظروف التجنيد ومسؤولية الذين نقلوه إلى شبه الجزيرة وأرسلوه إلى جبهات القتال.

    كان «المورو» يظهر حليفاً عسكرياً أو فرداً خاضعاً للاستعمار أو عدواً أبدياً أو شخصية غرائبية، لكنه نادراً ما ظهر ذاتاً لها صوتها وتاريخها الخاصان. ولم تختف هذه الصورة بانتهاء الحماية، بل ظلت حاضرة في اللغة وبعض السرديات المدرسية والمنتجات الثقافية، وفي طريقة تفسير بعض الأزمات بين إسبانيا والمغرب. وحتى اليوم، قد يتحول خبر يكون بطله مواطناً مغربياً، بسهولة مفرطة، إلى محاكمة لجالية بأكملها.

    لا يزال جزء من النقاش يتصرف كما لو كان المضيق سوراً يفصل بين حضارتين متعارضتين. تدحض الحياة اليومية وجود هذا السور كل نهار، رغم إصرار بعض الخطابات على إعادة بنائه كل ليلة.

    لم يعد «المورو» المعاصر يحمل سيفاً مقوساً أو يمتطي حصاناً، لكنه يعود إلى الظهور في شبكات التواصل الاجتماعي وبعض البرامج وشعارات الذين يحتاجون إلى عدو في الجنوب. لم يصنع اليمين المتطرف هذا المتخيل، بل اكتشف فائدته السياسية. فهو يقدم الهجرة باعتبارها «غزواً»، والإسلام بوصفه تهديداً، والمغرب باعتباره القوة التي تدير هذا الزحف أو تستفيد منه.

    تتغير المفردات، لكن البنية تظل على حالها: إسبانيا محاصرة من جديد، وهي بحاجة إلى «حرب استرداد» أخرى؛ غير أنها تُخاض هذه المرة بمقاطع الفيديو القصيرة والشعارات الرائجة والخوارزميات، عوض الخيول والدروع.

    ويجري في هذا الخطاب الخلط المتعمد بين أربع حقائق مختلفة: الحكومة المغربية، والدولة المغربية، والمهاجرين الموجودين في وضعية غير نظامية، والمواطنين من أصول مغربية المقيمين بصورة قانونية في إسبانيا. وينتهي الخلاف الدبلوماسي بإسقاط آثاره على العامل والقاصر المهاجر والتاجر والإسباني المسلم. وهكذا تتوقف الجنسية عن كونها وضعاً قانونياً، لتتحول إلى مصدر للشبهة.

    وراء هذه التصنيفات أشخاص حقيقيون: العامل الزراعي الذي يجني الفاكهة، والمرأة التي ترعى شخصاً مسناً، والشاب المولود في إسبانيا الذي لا يزال مطالباً بإثبات انتمائه إلى البلاد، والتاجر الذي دأب منذ عقود على رفع باب متجره كل صباح. وحين يجري الحديث عن هؤلاء باعتبارهم كتلة مهدِّدة، يُنتزع منهم أولاً وجههم، ثم تاريخهم.

    جيران من دون شيطنة

    يجدر التشديد على تمييز أساسي: انتقاد المغرب ليس عنصرية. وينبغي فحص سياساته العمومية وقراراته الدبلوماسية ومشكلاته الداخلية بالصرامة نفسها التي تُطبق على أي دولة أخرى. وليست كل المخاوف المرتبطة بالهجرة وهمية أيضاً؛ فهناك صعوبات في الاندماج، وضغط على بعض الخدمات، ومشكلات أمنية لا ينبغي إنكارها.

    غير أن الاعتراف بهذه المشكلات لا يبيح إسناد سلوك واحد إلى ملايين الأشخاص، ولا تحويل الأصل المغربي إلى تفسير تلقائي للجريمة.

    يزدهر اليمين المتطرف حين تذوب المشكلات الحقيقية داخل تفسير هوياتي. فالبطالة والهشاشة والسكن وتدهور الخدمات تتوقف عن الارتباط بالقرارات الاقتصادية والمؤسساتية، ليجري تحميل الأجنبي مسؤوليتها. ويصبح المغرب شاشة تُسقط عليها إحباطات تعود إلى أسباب أكثر تعقيداً بكثير.

    كما لم تنجح جميع التيارات التقدمية في بناء نظرة ناضجة. فبعضها يتجنب أي انتقاد للمغرب خوفاً من تغذية العنصرية، وبعضها الآخر ينظر إلى البلد من خلال تصورات مثالية لا تمت إلى واقعه بصلة كبيرة. والوصاية المتعالية، حتى حين تنبع من نيات حسنة، لا تسمح هي الأخرى بمعرفة الجار أو بإقامة علاقة معه على أساس الندية.

    المفارقة واضحة. تحتاج إسبانيا إلى تعاون المغرب في مجالات الأمن والتجارة والطاقة ومكافحة الإرهاب وتدبير الهجرة. ويعمل مئات الآلاف من الأشخاص ذوي الأصول المغربية في قطاعات أساسية داخل الاقتصاد الإسباني. كما تزداد الروابط العائلية والثقافية والاقتصادية بين الضفتين كثافة. ومع ذلك، لا يزال جزء من النقاش يتصرف كما لو كان المضيق سوراً يفصل بين حضارتين متعارضتين.

    تدحض الحياة اليومية وجود هذا السور كل نهار، رغم إصرار بعض الخطابات على إعادة بنائه كل ليلة.

    ما نحتاج إليه هو ذاكرة ناضجة، قادرة على الاعتراف بالصراع والاختلاط، وبعمليات الطرد والموروثات، وبالخلافات الراهنة وعمق الروابط. ذاكرة لا تشترط أن نحب الجار أو نتفق معه دائماً، بل تطلب شيئاً أكثر بساطة: أن نعرفه قبل أن نحكم عليه.

    تستطيع إسبانيا الدفاع عن مصالحها في مواجهة المغرب من دون اختلاق عدو مغربي. ويمكنها مناقشة الحدود والهجرة والسيادة من دون استعادة لغة الحروب الدينية. كما تستطيع أن ترى نفسها أمة أوروبية من دون أن تطرد من هويتها كل ما يربطها بالجنوب.

    على الضفة الأخرى من المضيق تبدأ دولة أخرى، لكن لا يبدأ تاريخ غريب تماماً. فالمغرب ليس امتداداً لإسبانيا، كما أن إسبانيا ليست امتداداً للمغرب. إنهما مجتمعان مختلفان يتمتعان بالسيادة، وكثيراً ما تتعارض بينهما مصالح ملموسة. لكنهما ينتميان إلى فضاء تاريخي مشترك تستطيع السياسة تدبيره، من دون أن تتمكن من محوه.

    ومن عبروا هذا المضيق أكثر من مرة يعرفون أنه، حين ننظر من السفينة، لا تبدو أي من الضفتين غريبة بالقدر الذي تصفه به الحكايات المروية من اليابسة.

    قبل أكثر من ثلاثة عقود، ختم ألفونسو دي لا سيرنا مقاله المعنون «المغرب»، المنشور في صحيفة «أ بي ثي» بتاريخ 24 شتنبر 1989، بسؤال لا يزال ينتظر جواباً: «هل سنمحو الصور القديمة الملتبسة — صورة “الآخر” — لننظر بوضوح وود إلى حقيقة جارنا المغربي؟».

    بعد سبعة وثلاثين عاماً، لم تُمح تلك الصور. غيّر بعضها مفرداته، وتكيّف مع شبكات التواصل الاجتماعي، ووجد له تمثيلية داخل البرلمان. لكن «الآخر» لا يزال مفيداً لمن يحتاجون إلى عدو في الجنوب. ولعل الوقت قد حان لرؤية المغرب بكل ما يحمله من تعقيد: جاراً وشريكاً ومنافساً وبلداً ذا سيادة، تتقاسم معه إسبانيا مصالح وخلافات وتاريخاً لن يستطيع أي شعار عن «حرب الاسترداد» محوه.

    ليس مفروضاً على إسبانيا والمغرب أن يكونا صديقين، كما أنهما ليسا محكومين بأن يكونا عدوين. إنهما بحاجة إلى التصرف كجارين ناضجين: أن يختلفا من دون أن يشيطن أحدهما الآخر، وأن يتعاونا من دون أن يذوب أحدهما في الآخر. لا يتعلق الأمر بمطالبة إسبانيا بالتعاطف مع المغرب أو التساهل معه، بل بالتذكير بأن التاريخ لا يُختار، أما الذاكرة فيمكن اختيارها؛ وبأن علينا معرفة الماضي من دون منحه الحق في أن يقرر، إلى الأبد، الطريقة التي ينظر بها بعضنا إلى بعض.

     

    ● نُشر هذا المقال في نسخته الأصلية باللغة الإسبانية في صحيفة «InfoLibre» الإسبانية، تحت عنوان    «España también viene del sur»

    مشاهدة إسبانيا تأتي أيضا من الجنوب

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ إسبانيا تأتي أيضا من الجنوب قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على اليوم 24 ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، إسبانيا تأتي أيضاً من الجنوب.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار